وجهًا لوجه علي جبار عطية و المخرج والمنتج السينمائي نوزاد شيخاني
أحاول دائمًا أن أقدّم أعمالًا تحترم الإنسان وتستخدم الأدوات الحديثة لا لتجميل الواقع بل لكشفه

أجرى الحوار: علي جبار عطية/ عالم الثقافة
سأبقى وفيًا للأسئلة الإنسانية والأخلاقية التي دفعتني أصلًا إلى اختيار السينما طريقًا ومسؤوليةً
نوزاد شيخاني مخرج ومنتج ألماني ـ عراقي تميز بوصفه فنانًا سينمائيًا محترفًا تعامل مع الفن بوصفه موقفًا قبل أن يكون مهنةً، ومسؤوليةً قبل أن يكون شهرةً. بين جذوره الممتدة من سنجار إلى الشيخان، مرورًا ببعشيقة وبحزاني، وخلفيته الأكاديمية في الهندسة المدنية بأربيل، ودراسته لصناعة الفيلم في ميونخ، تشكّلت رؤيته على تقاطع نادر بين الدقة البنيوية والخيال البصري، ليقدّم أعمالًا تبحث عن الإنسان في قلب الحدث، وعن الذاكرة في وجه النسيان.
حاز نوزاد شيخاني على جوائز دولية مرموقة منها (جائزة جان لوك غودار)، و(جائزة الثعلب الذهبي) و(جائزة نور الشريف لأفضل إخراج) في مهرجان الإسكندرية، واستطاع أن يرسّخ حضورًا سينمائيًا امتد من الأفلام القصيرة في بداياته، إلى أفلام وثائقية تناولت حياة الشعوب عبر قارات مختلفة، وصولًا إلى أعمال ارتبطت بالعدالة وحقوق الإنسان. وقد مثّل عام ٢٠١٤م نقطة تحوّل حاسمة في مسيرته حين واجهت المنطقة كارثة الإبادة الجماعية بحق الشعب الإيزيدي، ليتحوّل الفن عنده إلى فعل توثيق ومساندة، تُوجه بفيلمه الوثائقي (الفرمان الأسود) الذي تجاوز حدود العرض الفني ليُؤرشف بوصفه وثيقة مهمة في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي،أما فيلمه الروائي (تورن) فقد حصد عشرات الجوائز الدولية(٤٦جائزة)، ورُشّح للأوسكار عن العراق سنة ٢٠٢٠م،وأعاد طرح سؤال السينما المستقلة وقدرتها على الوصول إلى العالم حين تُصنع بمعايير احترافية عالية، وتُروى بصدق إنساني لا يساوم.
وفي هذا السياق، يواصل الفيلم حضوره، ليس فقط عبر رحلته الطويلة في الإنتاج بين الحرب والجائحة، بل أيضًا من خلال النسخة المحدثة التي أعاد شيخاني صياغتها فنيًا وفكريًا تحت عنوان جديد (تورن: العودة للجذور) . هذه النسخة لم تكن مجرد تحديث، بل قراءة جديدة للعمل بعد سنوات من تحديات التوزيع عالميًا في ظل جائحة كورونا، ومن التفاعل النقدي والجماهيري الواسع الذي رافق الفيلم. وقد أتاح ترخيصه حاليًا للعرض على منصة أمازون برايم فيديو) وصوله مجددًا إلى جمهور واسع خارج حدود العرض المهرجاني، مؤكّدًا قدرة السينما العراقية المستقلة على العبور إلى المنصات العالمية حين تُقدم برؤية واضحة ومعايير احترافية.
وإلى جانب تجربته كمخرج ومنتج، شارك شيخاني في لجان تحكيم دولية، وقدّم ورشًا وماستر كلاس في مهرجانات وجامعات، كما أطلق مبادرات لتدريب المواهب الشابة في الوطن والمهجر، مؤكدًا أن بناء الجيل الجديد جزء من مسؤولية السينمائي تجاه مجتمعه.
كان لي الشرف في حضور ورشة سينمائية ضمن فعاليات مهرجان بغداد السينمائي الثاني في الثامن عشر من شهر أيلول الماضي قدم فيها نوزاد شيخاني خلاصة تجربته في كتابة السيناريو فكانت بعض أسئلة هذا الحوار الخاص وليدة هذه الورشة.
يفتح نوزاد شيخاني في هذا الحوار النفيس دفاتر تجربته: من العلاقة بين الهندسة والإخراج، إلى تقنيات كتابة السيناريو، ومن مفهوم الترفيه في الدراما، إلى دور السينما في توثيق الجرائم وملاحقة مرتكبيها، وصولًا إلى رؤيته لواقع السينما العراقية وفرصها في الأسواق العالمية، ومشاريعه القادمة وعلى رأسها فيلم (إيفين) . حوار يحرص على وضع السينما في مكانها الصحيح: فنًا يلامس العالم، لكنه يبدأ دائمًا من الحقيقة.
نشأتم في الشيخان، ودرستم الهندسة المدنية في أربيل قبل الانتقال إلى ميونخ لدراسة صناعة الفيلم فكيف أسهم هذا المسار المزدوج، إنسانيًا وأكاديميًا، في تشكيل رؤيتكم السينمائية وأسلوبكم في الإخراج وكتابة السيناريو؟
ـ بالنسبة لي، هذا المسار المزدوج لم يكن تناقضًا بقدر ما كان حالة تكامل. نشأتي في الشيخان، وطفولتي في منطقة تمتد بين سنجار وبعشيقة وبحزاني، بكل ما تحمله من ذاكرة جماعية وألم وهوية مهددة، زرعت في داخلي إحساسًا عميقًا بالمسؤولية تجاه الحكاية ومعناها الإنساني. هناك تعلمت أنَّ القصة ليست ترفًا فنيًا، بل وسيلة لحفظ الذاكرة والدفاع عن الإنسان.
دراسة الهندسة المدنية في أربيل شكلت طريقة تفكيري بشكل جوهري، علمتني التفكير البنيوي قبل الجمالي، وأن أبني الفكرة على أساس متين قبل الانشغال بالشكل. ومع دخولي مجال الإخراج وكتابة السيناريو، فوجئت بالتشابه الكبير بين الهندسة والسينما، إلى درجة دفعتني لكتابة مقولة أؤمن بها اليوم: (الإخراج السينمائي والهندسة المدنية وجهان لعملة واحدة) . فكما يحتاج البناء إلى حساب دقيق وأساس صلب قبل أن يرتفع، يحتاج الفيلم إلى رؤية واضحة وبنية درامية متماسكة قبل أن يتحول إلى صورة وإحساس.
أما دراسة صناعة الفيلم في ميونخ، فقد منحتني أدوات السرد البصري والانضباط المهني، وعرّفتني على السينما بوصفها لغة عالمية وصناعة قائمة بذاتها. هناك تعلّمت كيف يمكن لفيلم محلي، نابع من تجربة خاصة، أن يخاطب جمهورًا عالميًا دون أن يفقد صدقه أو جذوره.
أسلوبي السينمائي اليوم هو نتيجة هذا التفاعل: مضمون إنساني نابع من الذاكرة والتجربة الشرقية، وشكل بصري وتقني متأثر بالتعليم الغربي والتفكير المنهجي. أحاول دائمًا أن أقدّم أعمالا تحترم الإنسان وقصته، وتستخدم الأدوات الحديثة لا لتجميل الواقع، بل لكشفه وطرح الأسئلة، ثم تقديم معالجتها بالرؤية التي أؤمن بها.
قد يعتقد من لا يتابع مسيرتكم المهنية الممتدة أن اسم نوزاد شيخاني ارتبط بعمل واحد فقط هو (تورن)، خاصة مع الحضور الطويل للفيلم في المهرجانات ووسائل الإعلام. فكيف تفسرون هذا الانطباع، وما الذي يغفله عن بقية تجربتكم في صناعة الأفلام؟
ـ أفهم هذا الانطباع، وهو في الحقيقة نتيجة طبيعية لمسار غير تقليدي. فيلم (تورن) كان عملًا مفصليًا في مسيرتي، واستمر حضوره لسنوات بسبب رحلة إنتاجه الطويلة التي تزامنت مع حرب الإبادة ضد الشعب الإيزيدي، ثم جائحة كورونا، إضافة إلى التحديات الكبيرة التي واجهت مسألة التوزيع العالمي. عدم الاستسلام لهذه الظروف دفعني إلى إعادة صياغة وهيكلة الفيلم من جديد، دون المساس بروح العمل الأصلية، وصولًا إلى إنتاج نسخة محدثة بعنوان (تورن: العودة للجذور) عام ٢٠٢٥م وتثبيته رسميًا على منصة IMDb، ثم نجاحنا في عرض الفيلم على منصات عالمية مثل (أمازون برايم فيديو). هذا الامتداد الزمني جعل الفيلم حاضرًا في الذاكرة العامة أكثر من غيره.
لكن في المقابل، مسيرتي الفنية لم تبدأ مع (تورن) ولم تتوقف عنده. فهي تمتد فعليًا منذ أوائل التسعينيات، مرورًا بتجربتي في بغداد مع تلفزيون بغداد الدولي، ثم دراستي لصناعة الأفلام في ألمانيا، وصولًا إلى تولي الإخراج في ستوديو أوروبا في ألمانيا لأكثر من عقد، حيث أنجزت عشرات الأعمال والبرامج، وسلسلة من الأفلام الوثائقية عن الشعوب في أوروبا وأميركا وآسيا وأفريقيا، فضلًا عن أفلام عن المغتربين العراقيين في أوروبا والدول الإسكندنافية.
إلى جانب ذلك، قدّمت أعمالًا وثائقيةً وإنسانيةً مثل فيلم (الفرمان الأسود) ، الذي تحوّل إلى وثيقة معتمدة لدى المحكمة الجنائية الدولية، و(ملحمة سمفونية شنكال) ، التي صورت بين التشيك والعراق فضلًا عن أعمال روائية أُنتجت وصُورت لصالح قنوات المانية مثلLizzy’s Haus وNoah، ومشاريع سينمائية وسيناريوهات قيد التطوير والإنتاج، بعضها مقتبس عن روايات.
أؤمن بأنَّ السينما ليست سباق إنتاج سريع ولا تراكم عناوين، بل مسار تراكمي طويل. أفضّل أن أقدم أعمالًا قليلة لكن مدروسة وصادقة، على أن أكرر نفسي أو أقدّم أفلامًا لا أؤمن بها. لم يكن (تورن) نهاية الطريق، بل إحدى محطاته الأكثر وضوحًا إعلاميًا، لكونه من إنتاجي وإخراجي وتعود ملكيته لي بالكامل، ونجاحه فتح أمامي أبوابًا جديدةً على مستوى التعاون الدولي، والمهرجانات، وشبكات الإنتاج والتوزيع.
وفي الوقت نفسه، وضع هذا النجاح على عاتقي مسؤولية أكبر تجاه مشاريعي القادمة، وخطوة جديدة في مسار طويل لم يكتمل بعد، إذ لم يعد المطلوب تكرار النجاح فحسب، بل تعميقه وتطوير لغتي السينمائية، والبقاء وفيًا للأسئلة الإنسانية والأخلاقية التي دفعتني أصلًا إلى اختيار السينما طريقًا ومسؤوليةً.
فيلمكم الوثائقي (الفرمان الأسود) أصبح وثيقةً قضائيةً مهمةً في المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي ، كيف تنظرون إلى دور السينما في توثيق الجرائم وملاحقة مرتكبيها؟
ـ أؤمن بأنَّ الفيلم الوثائقي، ليس مجرد وسيلة سرد أو تعبير فني، بل يمكن أن يتحول إلى أداة عدالة وذاكرة جماعية. تجربة فيلم (الفرمان الأسود) أكدت لي هذا المعنى بعمق، عندما تجاوز الفيلم كونه عملًا وثائقيًا ليصبح وثيقةً قضائيةً يُعتد بها في مسار قانوني دولي. عندها شعرت أنَّ الكاميرا لم تكن تسجل الصورة فقط، بل كانت تشهد.
السينما تمتلك قدرةً فريدةً على توثيق الجريمة من منظور إنساني، تمنح الضحايا صوتًا ووجهًا واسمًا، وتكسر لغة الأرقام والتقارير الجافة. الصورة، حين تكون صادقة ومسؤولة، لا يمكن إنكارها بسهولة، وهي قادرة على ملاحقة الجناة أخلاقيًا حتى قبل أن تفعل ذلك قانونيًا.
من هذا المنطلق، أرى أنَّ على صانع الفيلم، خصوصًا في سياقات الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، مسؤوليةً أخلاقيةً مضاعفةً. صناعة الفيلم هنا ليست حياديةً، بل منحازة للحقيقة وللإنسان. هي أداة لحفظ الذاكرة، ولمقاومة النسيان، وللضغط من أجل المحاسبة. وعندما تصل الصورة إلى قاعة المحكمة، فهذا يعني أن الفن أدى أحد أسمى أدواره: أن يكون شاهدًا في وجه الجريمة، لا متفرجًا عليها.
قدمتم في مهرجان بغداد السينمائي الأخير خلاصة تجربتكم في كتابة السيناريو، ما الذي أردتم أن يخرج به المشاركون من هذه الورشة؟
ـ حين قدّمت تجربتي في كتابة السيناريو في مهرجان بغداد السينمائي، لم يكن هدفي نقل (وصفة جاهزة) للكتابة، بل مشاركة طريقة تفكير وتجربة تراكمت بين العمل، والخطأ، والبحث المستمر. ما أردته قبل كل شيء هو أن يخرج المشاركون بإدراك أعمق لمسؤولية الكاتب تجاه القصة والإنسان الذي تقوده هذه القصة إلى الشاشة.
حاولت أن أؤكد على أنَّ السيناريو ليس نصًا أدبيًا معزولًا، بل هو العمود الفقري للفيلم كله، وأن قوة أي عمل سينمائي تبدأ من صدق الفكرة ووضوح البناء الدرامي، لا من الزخرفة أو الحوار المفرط. ركّزت على أهمية فهم الشخصية من الداخل، ومعرفة دوافعها وصراعاتها، قبل التفكير في الأحداث أو الحبكة.
كما سعيت إلى تشجيع المشاركين على الكتابة من ذاكرتهم وتجربتهم الخاصة، وعدم الخوف من قصصهم المحلية، لأنَّ المحلية الصادقة هي الطريق الحقيقي للوصول إلى العالمية. إنَّ كتابة السيناريو ليست موهبةً فقط، بل ممارسة واعية، وانضباط، وقدرة على إعادة الكتابة، والأهم شجاعة قول الحقيقة بأسلوب سينمائي مسؤول.
تحدثتم عن أهمية عنصر الترفيه في السيناريو، برأيكم هل يمكن أن يتعارض الترفيه مع الطابع الإنساني أو التراجيدي في بعض الأفلام؟
ـ في الأفلام الإنسانية أو التراجيدية، الترفيه لا يعني الضحك أو التخفيف بالضرورة، بل يعني الحفاظ على شد انتباه المشاهد وإشراكه عاطفيًا وفكريًا. الإيقاع، التشويق، الصراع، وحتى لحظات الصمت المدروسة، كلها عناصر ترفيهية بالمعنى السينمائي، لأنها تمنع المتلقي من الانفصال عن التجربة.
لذا فإنَّ الترفيه لا يتعارض بالضرورة مع الطابع الإنساني أو التراجيدي، بل يمكن أن يكون أداةً ذكيةً لتعميق هذا الطابع إذا استُخدم بوعي. المشكلة لا تكمن في الترفيه بحد ذاته، وإنَّما في طريقة توظيفه. عندما يتحول الترفيه إلى استعراض فارغ أو استهلاك سطحي، نعم، هنا قد يفرغ الفيلم من روحه الإنسانية. أما حين يكون جزءًا من البناء الدرامي، فإنه يصبح جسرًا يصل المتلقي بالقصة بدل أن يبعده عنها.
أؤمن أنَّ الفيلم الإنساني القوي هو الذي يوازن بين الألم والجذب، بين القسوة والجمال. الترفيه هنا لا يخفف من المأساة، بل يجعلها أكثر حضورًا وتأثيرًا، لأنه يسمح للمشاهد بأن يدخل العالم التراجيدي للفيلم طوعًا، ويبقى فيه حتى النهاية، لا أن ينسحب منه بسبب الثقل أو الوعظ المباشر.
ذكرتم أنَّ تقديم الشخصيات يجب أن يتم في الدقائق الست الأولى، فكيف يمكن للمخرج أن يوازن بين سرعة التقديم وعمق بناء الشخصية؟
ـ بدايةً، أود التوضيح أنني لم أقصد أبدًا أن تُقدم جميع الشخصيات خلال الدقائق الست الأولى من الفيلم، بل أشرت إلى أنَّه من الأفضل أن يكون المشاهد، في حدود الدقيقة السادسة أو السابعة، قد تعرّف على الشخصية أو الشخصيات المحورية، وفهم طبيعة عالمها ودوافعها الأساسية.
التوازن بين سرعة التقديم وعمق بناء الشخصية لا يتحقق عبر الشرح أو التكديس السريع للمعلومات، بل عبر الاختيار الذكي لما نُظهره في اللحظات الأولى. هذه الدقائق لا يُفترض أن تكشف كل شيء عن الشخصية، بل أن تقدّم جوهرها: من هي، ماذا تريد، وفي أي عالم تعيش.
يمكن للمخرج أن يحقق هذا التوازن من خلال الفعل لا الحوار، أي أن نرى الشخصية وهي تتصرّف في موقف دال يختصر ملامحها النفسية والأخلاقية. تصرّف واحد صادق قد يكون أعمق من مشهد طويل من الشرح. كذلك، التفاصيل الصغيرة… طريقة الحركة، النظرة، العلاقة مع المكان أو مع شخص آخر… تزرع بذور العمق دون إبطاء الإيقاع.
العمق الحقيقي لا يُفرض دفعة واحدة، بل يُبنى تدريجيًا. الدقائق الأولى هي وعد للمشاهد، لا كشفًا كاملًا. وإذا شعر المتلقي منذ البداية أنَّ الشخصية حقيقية ومثيرة للاهتمام، فإنه سيكون مستعدًا لمرافقتها واكتشاف طبقاتها لاحقًا. هنا يكمن دور المخرج أن يضع الأساس الصحيح بسرعة، ويترك للزمن الدرامي أن يقوم بالبناء.
ما أبرز الأخطاء التي يقع فيها كتاب السيناريو الشباب في العراق أو العالم العربي؟
ـ من خلال تجربتي في العمل والتدريب والتواصل مع كتاب شباب سواء في العراق أو في العالم العربي، أرى أنَّ الأخطاء لا تتعلّق بنقص الموهبة بقدر ما ترتبط أحيانًا بسوء الفهم لطبيعة كتابة السيناريو بوصفها حرفة ومسؤولية.
أحد أبرز الأخطاء هو الاعتماد المفرط على الحوار لتعويض ضعف البناء الدرامي. كثير من النصوص تشرح أكثر مما تُظهر، فتتحول الشخصيات إلى أصوات تتكلم بدل أن تكون كائنات حية تتصرف. السينما في جوهرها فعل وصورة، والحوار يجب أن يكون نتيجة للفعل لا بديلًا عنه.
خطأ آخر يتمثل في غياب البنية الواضحة، حيث تبدأ القصة دون هدف محدد، أو تتكدس الأحداث دون تصاعد حقيقي، ما يؤدي إلى فقدان الإيقاع وانتباه المشاهد. كذلك، يقع بعض الكتّاب في فخ تقليد نماذج غربية، دون فهم سياقها أو ملاءمتها للبيئة المحلية، فيفقد النص صدقه وهويته.
كما ألاحظ الخوف من البساطة، هناك اعتقاد شائع بأنَّ العمق يعني التعقيد، بينما الحقيقة أن أبسط القصص يمكن أن تكون الأعمق إذا كُتبت بصدق فضلًا عن ذلك، يهمل بعضهم إعادة الكتابة، رغم أنها المرحلة الأهم في تطور النص.
وأخيرًا، هناك خلط بين الرسالة والخطاب. الرغبة في إيصال موقف إنساني أو سياسي مشروعة، لكن عندما تطغى الرسالة على الدراما، يفقد الفيلم تأثيره. السيناريو الجيد لا يُلقي خطبةً، بل يطرح أسئلةً ويثق بذكاء المتلقي.
ما النصائح التي يمكن أن تقدموها إلى الشباب الراغبين في دخول مجال كتابة السيناريو والإخراج؟
ـ أول نصيحة أقدّمها للشباب الراغبين في دخول مجال كتابة السيناريو والإخراج هي أن يتعاملوا مع السينما كمسار طويل لا كقفزة سريعة. هذا المجال يحتاج صبرًا، ومراكمة تجربة، واستعدادًا للفشل والتعلّم منه. لا يوجد طريق مختصر لصناعة فيلم صادق.
أنصحهم بأن يبدأوا من قصصهم الخاصة، من ذاكرتهم، محيطهم، وأسئلتهم الشخصية. لا تبحثوا عن (فكرة كبيرة) بقدر ما تبحثون عن فكرة حقيقية تؤمنون بها. المحلية ليست عائقًا، بل نقطة قوة إذا قُدّمت بصدق وبوعي سينمائي.
على المستوى العملي، القراءة والمشاهدة الواعية أساس لا غنى عنهما، قراءة السيناريوهات، لا الاكتفاء بمشاهدة الأفلام، وتحليل كيفية بناء المشهد والشخصية والإيقاع. وفي الإخراج، التمرّن المستمر بأدوات بسيطة أهم من انتظار الإمكانيات المثالية.
كما أركز على أهمية الانضباط وإعادة الكتابة، السيناريو لا يولد مكتملًا، وأقوى النصوص هي تلك التي كُتبت وأُعيدت كتابتها مرات عديدة. لا تخافوا من النقد، بل تعلموا كيف تميزون بين النقد الذي يطوركم وذلك الذي يشتتكم.
وأخيرًا، تذكروا أنَّ السينما موقف قبل أن تكون مهنةً. اسألوا أنفسكم دائمًا: لماذا أريد أن أحكي هذه القصة؟ وإذا كان الجواب صادقًا، ستجدون الطريق، حتى وإن كان طويلًا وصعبًا.
أشرتم إلى أنَّ كتابة السيرة الذاتية للمخرج والتعريف بفريق العمل جزء مهم من قبول التمويل، ما أبرز النقاط التي يجب أن يركز عليها المخرج عند التقديم لصناديق الدعم العالمية؟
ـ عند التقديم لصناديق الدعم العالمية، يجب الأخذ بنظر الاعتبار أنَّ الجهة المانحة لا تموّل الفيلم فقط، بل تموّل الشخص الذي يقف خلفه والفريق القادر على تحويل الفكرة إلى مشروع قابل للتنفيذ. لذلك، كتابة السيرة الذاتية والتعريف بفريق العمل ليستا إجراءً شكليًا، بل عنصر حاسم في قرار التمويل.
أول ما يجب التركيز عليه هو وضوح الهوية الفنية. على المخرج أن يقدّم نفسه من خلال رؤيته السينمائية، لا من خلال قائمة طويلة من الإنجازات. من المهم الإجابة بشكل غير مباشر عن سؤال: من أنا كمخرج؟ وما نوع القصص التي أقدمها؟ حتى لو كانت التجربة محدودة، الصدق والوضوح أهم من المبالغة.
ثانيًا: يجب إبراز الخبرة العملية المرتبطة بالمشروع. لا يُطلب من المخرج أن يكون صاحب تاريخ طويل، بل أن يُظهر علاقةً حقيقيةً بين تجربته السابقة والفيلم الذي يتقدّم به. أي عمل سابق، ورشة، مهرجان، أو تجربة إنتاجية لها صلة مباشرة بالمشروع يجب ذكرها بذكاء ودون إطالة.
ثالثًا: قوة الفريق عامل أساسي. على المخرج أن يحيط نفسه بفريق، حتى وإن كان صغيرًا، وأن يوضح أدوار كل شخص وخبرته. الصناديق تبحث عن الثقة والقدرة على التنفيذ، وليس عن الأسماء الكبيرة فقط.
كما يجب الاهتمام بلغة التقديم نفسها: نص واضح، مختصر، مهني، بعيد عن الخطاب العاطفي أو الشعارات العامة. الرؤية الإخراجية، بيان المخرج، والسيرة الذاتية يجب أن تتكامل، لا أن تتكرر.
وأخيرًا، من المهم إظهار الالتزام والاستمرارية. الجهات الداعمة تريد أن ترى مشروعًا جديًا، ومخرجًا مستعدًا للذهاب بالفيلم حتى نهايته. عندما يشعر القارىء أنَّ هذا المشروع ليس صدفةً، بل خطوة واعية في مسار مهني واضح، تزداد فرص القبول بشكل كبير.
كيف ترون واقع فرص الأفلام العراقية اليوم في أسواق الإنتاج الكبرى مقارنة بالسنوات الماضية؟
ـ أرى أنَّ فرص الأفلام العراقية اليوم في أسواق الإنتاج الكبرى أصبحت أفضل وأكثر واقعية مما كانت عليه في السنوات الماضية، لكنها ما تزال فرصًا مشروطةً بالوعي المهني وجودة التقديم. في السابق، كان الحضور العراقي محدودًا وغالبًا مرتبطًا بظروف استثنائية أو نظرة نمطية تركز على الحرب والضحية فقط. اليوم، هناك اهتمام أوسع بالأصوات الجديدة وبالقصص القادمة من العراق، لكن هذا الاهتمام لم يعد قائمًا على الشفقة، بل على قيمة المشروع نفسه.
ما تغيّر إيجابيًا هو انفتاح أسواق الإنتاج والمهرجانات على السرديات المحلية المختلفة، والبحث عن قصص إنسانية تُروى من الداخل لا من الخارج. أصبح هناك فضول حقيقي تجاه السينما العراقية، خصوصًا عندما تقدم رؤية واضحة، وبنية قوية، وفريقًا قادرًا على التنفيذ. هذا يمنح صناع الأفلام العراقيين فرصة حقيقية، لكنه في الوقت نفسه يرفع سقف التوقعات.
في المقابل، المنافسة اليوم أشدّ. لم يعد كافيًا أن يكون الفيلم “عراقيًا” ليحظى بالاهتمام، بل يجب أن يكون فيلمًا جيدًا أولًا، مكتوبًا ومقدَّمًا وفق معايير دولية، من دون أن يفقد هويته. التحدي الأكبر لا يكمن في غياب الفرص، بل في الاستعداد لها: تطوير السيناريو، إتقان ملف التقديم، وبناء شبكة علاقات مهنية طويلة الأمد.
باختصار، الفرص اليوم موجودة أكثر من أي وقت مضى، لكن الوصول إليها يتطلب وعيًا أكبر بأنَّ السينما لم تعد فقط فعلًا إبداعيًا، بل أيضًا مشروع ثقافي ومهني يحتاج إلى تخطيط، صبر، واستمرارية.
ما الاستراتيجية التي اتبعتموها لإقناع شركات الإنتاج لدعم مشروع فيلم (إيفين) عن المختطفات الإيزيديات؟
ـ الاستراتيجية التي اتبعتها لإقناع بعض شركات الإنتاج بدعم مشروع فيلم (إيفين) لم تعتمد على الإقناع الخطابي، بل على بناء ثقة تدريجية بين الفكرة، والرؤية، والقدرة على التنفيذ. منذ البداية، تعاملت مع المشروع بوصفه فيلمًا إنسانيًا عالميًا، لا قضية محلية فقط، وهذا انعكس في كل ملف التقديم.
أول خطوة كانت تطوير السيناريو بعمق، ليس فقط على مستوى القصة، بل على مستوى البنية والشخصيات واللغة السينمائية. حرصت أن يكون النص قادرًا على مخاطبة منتج أوروبي أو دولي، وفي الوقت نفسه يحتفظ بخصوصيته الثقافية والوجدانية.
ثانيًا: ركزت كثيرًا على بيان المخرج والرؤية الإخراجية. أوضحت لماذا أنا الشخص المناسب لقيادة هذا الفيلم، وما علاقتي الشخصية والإنسانية بالقصة، وكيف أترجم ذلك بصريًا دون الوقوع في المباشرة أو الاستغلال العاطفي. شركات الإنتاج لا تبحث فقط عن قصة قوية، بل عن مخرج يعرف ماذا يفعل بالكاميرا.
العنصر الثالث كان المصداقية المهنية. التجارب السابقة، المهرجانات، الجوائز، وطريقة العمل المنضبطة كلها كانت جزءًا من الصورة التي قدمتها. لم أعد أقدّم نفسي كمخرج (يحاول) ، بل كمخرج لديه مسار واضح، يعرف حدود إمكانياته ويخطط لتجاوزها.
وأخيرًا، اعتمدت على التواصل الفعال وبناء الشراكات لا الطلب المباشر. الحوار مع شركات الإنتاج كان قائمًا على السؤال: كيف يمكن لهذا الفيلم أن يكون إضافةً فنيةً وإنسانيةً لمسيرتنا جميعًا؟ عندما يشعر المنتج أنَّ المشروع مدروس، وأنَّ المخرج شريك واعٍ لا مغامر عاطفي، يتحول الدعم من مجازفة إلى قرار منطقي.
كيف تعاملتم مع حساسية موضوع سبي الإيزيديات إنسانيًا وسينمائيًا؟
ـ التعامل مع موضوع سبي الإيزيديات كان بالنسبة لي مسؤوليةً أخلاقيةً قبل أن يكون تحديًا سينمائيًا. منذ البداية، وضعت لنفسي خطًا واضحًا، ألا أقدّم الألم بوصفه مادة للفرجة، وألا أختزل الضحايا في صورة الضحية فقط. الهدف لم يكن إعادة إنتاج الصدمة، بل فهمها واحترامها، ومنح الإنسان داخل هذه التجربة مساحةً وكرامةً وصوتًا.
إنسانيًا، اعتمدت على الاستماع قبل التصوير، الاستماع للناجيات، للتفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في الأخبار، ولما يرغبن في قوله وما يفضّلن الصمت عنه. هذا الوعي جعلني حذرًا جدًا في اختيار ما يُعرض وما يُترك خارج الكادر. أؤمن أن ما لا نُظهره أحيانًا يكون أصدق وأكثر احترامًا مما نُظهره.
سينمائيًا، اخترت الابتعاد عن المباشرة والمشاهد الصادمة المجانية، والاعتماد بدلًا من ذلك على السرد الداخلي، والرمز، وبناء الحالة النفسية للشخصية. ركّزت على أثر الجريمة لا على تفاصيلها، وعلى رحلة الإنسان بعد الكسر لا على لحظة الكسر نفسها. الكاميرا هنا لم تكن أداة اقتحام، بل شاهد صامت يحترم المسافة.
في فيلم (إيفين) ، كان التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الصدق وعدم الاستغلال، بين إيصال الحقيقة وعدم إعادة إيذاء الضحايا بصريًا أو عاطفيًا. أؤمن أنَّ السينما، حين تتعامل مع قضايا بهذا الثقل، يجب أن تكون منحازةً للكرامة الإنسانية أولًا، وأن تترك أثرًا يدعو للتفكير والمسؤولية، لا للشفقة العابرة.
ما الذي ينقص السينما العراقية اليوم لتصل إلى مستوى التنافس العالمي؟
ـ برأيي، ما ينقص السينما العراقية اليوم ليس الموهبة ولا القصص، بل المنظومة المتكاملة التي تسمح لهذه الموهبة أن تتحول إلى صناعة قادرة على المنافسة عالميًا.
أول عنصر أساسي هو تطوير السيناريو بشكل احترافي، لأنه حجر الأساس لأي فيلم ناجح. المنافسة عالميًا تبدأ من نص قوي، مُعاد كتابته، ومُختبَر دراميًا، لا من فكرة جيدة فقط.
ثانيًا: هناك حاجة إلى بنية إنتاج مستدامة، صناديق دعم واضحة، منتجون مهنيون، تشريعات تسهّل التصوير، ونظام يربط بين المخرجين والأسواق الدولية. كثير من المشاريع العراقية تتوقف بسبب غياب هذا الإطار الداعم.
ثالثًا: الانفتاح المهني على العالم دون فقدان الهوية. السينما العراقية تحتاج إلى التحدث بلغة سينمائية عالمية من حيث الإيقاع، السرد، والتقديم، مع الحفاظ على خصوصيتها الثقافية. العالمية لا تعني التقليد، بل القدرة على إيصال المحلي بطريقة مفهومة ومؤثرة للآخر.
كما أنَّ التدريب المستمر وبناء الكوادر في مجالات الإخراج، الإنتاج، المونتاج، وإدارة المشاريع السينمائية أمر حاسم. الفيلم اليوم مشروع جماعي معقّد، وليس جهدًا فرديًا فقط.
وأخيرًا، ينقصنا الاستمرارية والثقة. التنافس العالمي لا يُبنى بفيلم واحد ناجح، بل بسلسلة أعمال، ومسار واضح، وتراكم خبرة. عندما تصبح السينما خيارًا مهنيًا مستدامًا لا مغامرة مؤقتة، عندها فقط يمكن للسينما العراقية أن تأخذ مكانها الطبيعي على الخريطة العالمية.
هل تفكرون في العودة للإخراج داخل العراق بشكل كامل، أم أنَّ العمل المشترك مع شركات عالمية بات الخيار الأمثل لكم؟
ـ لا أرى الأمر كخيارين متناقضين، بل كمسارين يمكن أن يتكاملا. العودة للإخراج داخل العراق تظل حاضرة في تفكيري، ليس فقط بوصفها عودة جغرافية، بل عودة إبداعية إلى المكان الذي تنبع منه القصص والذاكرة والأسئلة الأساسية. العراق بالنسبة لي ليس موقع تصوير فحسب، بل مصدر معنى ودافع أساسي للاستمرار.
في الوقت نفسه، العمل المشترك مع شركات عالمية أصبح ضرورةً مهنيةً في عالم السينما اليوم. هذه الشراكات تتيح إمكانيات إنتاجية أوسع، وتضمن مستوىً تقنيًا وتنظيميًا يساعد الفيلم على الوصول إلى جمهور عالمي، دون أن يفقد هويته. بالنسبة لي، التعاون الدولي ليس بديلًا عن العراق، بل وسيلة لتمكين القصص العراقية من العبور خارج حدودها.
لذلك أؤمن بنموذج يجمع بين الاثنين، أفلام تُصنع بروح عراقية، أحيانًا داخل العراق وأحيانًا خارجه، لكن دائمًا ضمن شراكات واعية تحترم القصة وصاحبها. الأهم ليس أين نصوّر فقط، بل كيف نروي القصة، ومع من، وبأي مستوى من المسؤولية والصدق.
كيف ترون دور المهرجانات العراقية مثل مهرجان بغداد السينمائي في دعم صناعة السينما المحلية؟
ـ أرى أنَّ للمهرجانات العراقية، مثل مهرجان بغداد السينمائي، دورًا محوريًا ومتزايد الأهمية في دعم صناعة السينما المحلية، خصوصًا في هذه المرحلة الانتقالية التي تعيشها السينما العراقية. هذه المهرجانات توفّر مساحة عرض واعتراف لصنّاع الأفلام المحليين، وهو أمر أساسي لبناء الثقة والاستمرارية. الفيلم يحتاج إلى جمهور، والمخرج يحتاج إلى منصة يرى من خلالها عمله خارج الدوائر الضيقة. هذا الاعتراف المحلي هو الخطوة الأولى نحو الاعتراف الإقليمي والدولي.
من جهة أخرى، تكمن أهمية مهرجانات مثل بغداد السينمائي في دورها كـجسر تواصل مهني. الورش، الندوات، واللقاءات المباشرة بين المخرجين، الكتّاب، المنتجين، والضيوف الدوليين تخلق فرصًا حقيقية للتعلم وبناء الشبكات، وهي عناصر لا تقل أهمية عن الإنتاج نفسه.
كما أنَّ هذه المهرجانات تساهم في تطوير الذائقة السينمائية لدى الجمهور وصنّاع الأفلام معًا، من خلال الاطلاع على تجارب متنوعة وأساليب مختلفة، ما يساعد على رفع مستوى الطموح والمعايير الفنية.
لكن لكي يكون هذا الدور أكثر تأثيرًا، من المهم أن تتحول المهرجانات إلى جزء من منظومة مستدامة من أجل متابعة المشاريع بعد المهرجان، دعم التطوير لا العرض فقط، وربط السينما العراقية بشكل أوضح بالأسواق الدولية.



