أخبارفكر

مُتخيَّلُ الموادّ في نماذج من شعر البخور لعلي الدّرورة

عالم الثقافة | القاهرة 
علي سبيل المقدّمة:
أن تكون شاعر ” البخور ” هو أن تكُون السّعوديّ ” على الدرورة ” ، الذي اِختار أنْ يجْعَل هذه المادة أغلب ” كونه الشعريّ ” أوكلّه، خاصّة وأنّ شخصيّة الرّجُل جمعت بيْن التّاريخ اِختصاصا والفّن التّشكيليّ والشّعر إبداعا الأمرُ يجْعَلُ جميع ” أدواته الإبداعيّة ” ومُكوّنات ” خياله الماديّ” ضاربة في التّراث الذي يُعدّ ” الدرورة خبيرا فيه .
غير أنّ المُلتفت للانتباه هو أنّ ” البخور” يتجاوزُ ” الخيال الصّوري l’imagination formelle باُعتباره خيالا يكتفي بـ ” المظهر الخارجيّ ” للأشياء ” يحتاج إلى زينة، ويحتاجُ إلى تنوع ، إنّهُ يبحثُ عن التأثيرات البصريّة المستمدّة من السّطح” ليُضحي خيالا ماديّا ينفُذ إلى عمُق المادة حيث يبحثُ الحالم/ الشاعرُ عن الجوهر والوزن والقوّة فـ ” الصّورة التي تنبثق من المادّة هي صورة لها جُذورها أمّا الصّورة التي تنبثق من الشّكل فلا جُذور لها ”
وبذلك لا يُشكُل البخورُ في تجربة الشّاعر على الدّورة مُجرد تفصيل تُراثي أو استحضارا لزينة عابرة، بل هو ” جوهرٌ ماديّ substance matérielle ينهضُ عليه معمار القصيدة ، ممّا يدفعُ القارئ أن يجد نفسه بصدد دراسة ” الخيال المادّي ” الذي نظّر له الفرنسي غاستون باشلار Gaston Bachelard حيثُ يرى أنّ الصّورة الشعريّة لا تُولد من مُجرّد الإدراك البصري، بل من ” تأمل المادّة ” في تحّولاتها.
وهكذا تسعى هذه المُحاولة إلى إثبات أنّ شعريّة البخُور ” عند الدرورة هي نُقطة اِلتقاء العناصر الوُجوديّة الأربعة ( النّار، التراب، الماء ، الهواء )، ممّا يجعلُ البخور ” عُنصرا كُلّيا ” يختصر تجربة الوجود من الكثافة إلى التسامي . فهل للبخور – كمادّة – القُدرة فعلا على اختصار عناصر الوُجود واختزالها؟ وهل فيه ما رآهُ بشلار من قُدرة تخييليّة لعناصر المادّة ؟ وهل أدرك الشاعرُ عليّ الدرورة قوّة هذه المادّة فتمكّن من إنشاء متخَيَّلا شعريّا للبخور استنادا للخيال المادّي الذي يتجاوزُ البصر نحو التّأمّل ويتخطى السّطح إلى العمق ويتعدّى العَرَضَ إلى الجوهر ويسمو بالرّؤية نحو الرّؤيا؟
أنطولوجيا البخُور وتراتُبيّة العناصر:
البخور مادّة جامعة
لعلّهُ من المفيد الإشارة أنّ الحديث عن ” البخور مادّة جامعة ” وفق سياق فلسفة غاستون باشلار، لا يجعلنا نتحدث عن مادّة كيميائيّة، بل عن مادّة تجمعُ بين المُتناقضات ( الحالة الصّلبة والدّخان والأرض والسماء)، ومن ثمّة لا تعني كلمة ” جامعة “synthétique ” معنى المفهوم “اصطناعي” يل يعني ” الجمع ” / جامعة و ” التوليف ” / توليفيّة ، أي أنها المادّة التي تجمع في داخلها عناصر الوُجود المجتمعة وتوحّدُ بين التّجربة الحسيّة والتجربة الرّوحيّة أيْ بين ” الخيال الصّوري ” و” الخيال المادّي”، ذلك أنّ مفهوم ” المادّة الجامعة la substance synthétique في منظور غاستون باشلار، وخاصّة ” البخور كنموذج للمادّة الحالمة يتمحور حول قُدرة بعض العناصر المادّية على توحيد قوى الخيال المُتعارضة . ويُعدّ ” البخور” النّموذج الأسمى لهذه المادّة باُعتباره ” عنصرا توليفيّا ” يربط بين الأرض ( الصّلب / النّار / الاحتراق/ المحوَّل)، والهواء ( الدّخان المُتصاعد). ومن ثمّة يتجاوز البخور كونه جسما ” فيزيائيا ” بل هو قوة متخيّلة ” تُلغي المسافة بين المحسوس والمتسامي .
إنّ البخور من هذه الزّاوية هو ” عقدةُ صُور un noeud d’images ، فبينما يستهلك الجمرُ المادّة الصّلبة، فإنّه يُحرّر ” جوهرها ” في صورة عطر ودُخان، وهو ما يصفه باشلار، بـ ” المادّة الدّيناميكيّة ” التي تحوّل الثّقل إلى خفّة. إنّ هذا “الجوهر الماديّ” للبخور ليس ساكنا، بل هو عمليّة تحوّل مستمرّة توحّد بين الحواس (الشمّ والبصر واللمس) وبين الوجدان، ممّا يجعل منه ” مادّة كليّة matière totale تستوعبُ الوُجود الإنساني في حالة ” حلم يقظة “، وتكسرُ العُزلة بين العناصر التّقليدية . فهو يبدأ من “الأرض ” العود الصّلب) التي تختزن ثقل الجذور، ويحتاجُ إلى ” النّار ” (الجمر) بوصفها فعل “الاستثارة ” و”التّحويل “، ليُنتج ” الهواء ” ( الدّخان) في أقصى درجات حُرّيته، مع مسحه من ” السّيولة” ( الندّ والزّيوت العطريّة ) التي تمنحه قوّة الاختراق . وهكذا يُمكن القول إنّ البخور ” كيمياء العناصر ، حيثُ تموتُ المادّة لتعيش الرّوح (الرّائحة ) .
تراتبيّة العناصر عند باشلار : من الإدراك الحسّي إلى الخيال المادّي:
لا يمثّل العالم بالنسبة إلى غاستون باشلار مُجرد معطى حسّي جامد، بل هو مادّة للحُلم واستثارة للوجدان. وبذلك فإنّ الانتقال من ” الإدراك الحسّي perception الذي يقف عند سطُوح الأشياء، إلى ” الخيال المادّي l’imagination matérielle الذي يغوصُ في جوهرها يمثّل ” الثورة الكوبرنيكيّة” في فلسفة باشلار. فالمادّة ليست ” عائقا أمام الرّوح فحسب ، بل هي وقودها الأنطولوجي .
فبشلار ( يبدأ مشروعه بتطهير العقل من الرّؤية الحسيّة المُباشرة . ففي كتابه ” تكوين الفكر العلمي ” يُشير إلى “العائق الجوهراني ” l’obstacle substantialiste ، حيث يميلُ العقلُ البدائي إلى حشو الأشياء بخصائص سحريّة أو باطنيّة زائفة. إنّ الإدراك الحسّي يخدعنا بظواهر المادّة (لونها ، ملمسها الخارجي )، بينما الخيال المادّي الحقيقيّ هو الذي يتجاوز ” الشّكل ” ليتصل بـ ” المادة ” في كثافتها. ” ويقسم باشلار الخيال البشري وفقا للعناصر الأربعة، لكنّه يُعيد ترتيبها لا وفقا لقيمتها الفيزيائية، بل وفقا لقدرتها على استثارة ” الجوهر” ، فتراتبُيّا تعدّ ” النّار (العُنصر الفاعل ) هي العُنصرُ الأكثر ” جوهريّة” لأنّها تُطهّر المادّة وتُحوّلها ، فالنّار ليست شيئا نُدركه، بل هي تجربة نعيشها (عُقدة برومُوثيوس ونُوفاليس)
أمّا الماءُ ( العنصر الوجداني ) فيُمثل مادّة الموت العذب والاستغراق في الذّات ، وهو ” المادّة الجامعة ” التي تمتصّ الصّور ” وتعكسها .
وأمّا التّراب (عُنصُر المقاومة ) فيمثّل المادّة التي تختبرقوّة الإرادة البشريّة ( الحفر والنّحت) ، في حين أنّ الهواء (عُنصر التّسامي ) هو المادّة التي تتملّصُ من الإدراك الحسّي لتُصبح حركة محضة (خيال الصّمود )
وهكذا تنتقل الموادّ وفق الرّؤية الباشلاريّة من “الشيء ” إلى “الجوهر الماديّ ” فتبرز قيمة مُصطلح البخور الذي نُوقش سابقا، فهو وفق التحليل الباشلاري ورؤيته التّراتبيّة للموادّ يمثّل لحظة ” التّوليف الأنطولوجي” كمادّة جامعة تكسرُ تراتُبيّة العناصر التقليديّة، فهو ترابٌ (صَلْبٌ ) يحترق بنار ( تطهير ) ليتحوّل إلى هواء (دخان / عطر)
وإذا ما انتقلنا إلى الخيال المادّي فهذا يعني أننا لا نرى في البخور مُجرّد دُخان،، بل نرى فيه “حميمية المادّة” l’intimité de la matière وهي تتحرّرُ من قيد الصّلابة .
إنّ هذا ” الجوهر المادّي ليس حقيقة كيميائية ، بل هو ” حقيقة متخيَّلة ” تمنح الوُجود معناه الشاعريّ
ولعلّ البخور كمادّة ” جامعة ” في شعر الدّكتور علي الدرورة يتحرّر من وظيفته العطريّة ليُصْبح ” وسيطا للحُلول في الكون، وهو ما يسميه باشلار “المرُكّب المُتجانس

إنّ المُتأمل لشعر الدّرورة يرى أنّ البخور يحضُر عندهُ بالفعل ” متخيّلا ماديّا ” جامعا للعناصر الأربعة أساسها التّفاعل الجدليّ لأحلام يقظة الشاعر ، فالبخور الذي اِعتمدهُ السّعودي المتشبّع به أداة ومتخيَّلا مَعًا يحضر وفق علاقات جدليّة متنوّعة وفاعلة في النصّ والذّات على حدّ سواء، فالبخور مادّة للتّطهّر وسيُولة وحلمٌ وتحوّلٌ.
جدليّة الاحتراق ( النّار كعنصر محول ):
إنّ النّار في شعر الدرورة ” مادّة متأمَّلة تمنح مادّة البخور حياتها الحقيقية عبر الفناء، إذ يقول في نصّ” مجمر البخور”:
“طوفي بنا بمجمر البخور
كيْ نُغنّي فرحا كالطيور
****
طوفي بنا واُنشري العبير
وأريج الزّهور
***
فأشعلي الجمر يا سيدتي
أودعي الهوى يُشعل البخور”
ولعلّ المُتأمّل في هذا المقطع يرى أن النّار تحضُر معجميّا من خلال مُفردات ” مجْمَرِ” و”الجمر ” وفعل الأمر ” أشعلي ” الذي يعني عدم اِنقضاء الفعل في المستقبل، باُعتبار أنّ الأمر في معناه الأصلي “عمل إنشائيّ يطلبُ به المتكلّم من المُتلقّي القيام بالفعل على وجه الاستعلاء”وهو بذلك عملٌ مُستقبليّ لمْ ينقض بعدُ . ومع ذلك فقد خرج ها هُنا عن معناه الأصلي إلى معنى بلاغيّ هو ” الاِلتماس” لأنّهُ ورد مشفوعا بالنداء الذي يُفيد “التّودد”ومن هُنا يُصبحُ الاحتراق فعلا منتظرا مرغُوبا، يتطلع إليه الشاعر أملا، ويستدعيه تأمّلا من خلال فعل الأمر “طوفي” بما يعنيه الطّواف في المخيال العربيّ الإسلامي من تأمّل وسعي إلى تطهير الرّوح ممّا يُصيبُها من دنس، فضْلا على أنّ الدّرورة سعودي يُدرك جيّدا أثر الطواف ووقعه.
وبما أنّ النّار في مقام على الدّرورة في هذا المقطع تطلُّعٌ لم يحدث بعدُ، فهي تستدعي إلى الذّهن ” عُقد برومثيوس” التي خرجت مع التصور ” الباشلاري ” من مفهومها في “علم النفس التقليدي ” كنوع من التحدي للسّلطة إلى مفهوم ” نفسيّ وفلسفيّ ” أضحت بمُقتضاه أداة لفهم كيفيّة فهم ” الخيال الشعريّ ” ، فهي ليست ” اضطرابا سلوكيّا بل “تلك العقدة التي تجمع بين الرّغبة في المعرفة والرّغبة في التمرّد، إنها المحرّك النفسي الذي يدفع التّلميذ ليتفوق على أستاذه ، والطفل ليُمسك بالنّار التي مُنع منها”
وبما أنّ النّار وردت في مقطع الدّرورة اِلْتماسًا وتطلّعًا ورغبة في تحقيق فعل لم يحدث ، فإنها عنده وفق التصّور الباشلاري ، اندفاع الشاعر السّعودي نحو اكتساب معرفة أو قدرات كانت حكرا على من هم أعلى منه (الآباء أو الأساتذة أو السّلطة ) . إنّها الرّغبة في ” أن يعرف الشخص أكثر من معلّمه ” أو أن يفعل ما هو محظور عليه، وهذا ما يؤكده التّخلّي عن “الالتماس ” في آخر المقطع ” أودعي الهوى يشعل البخُور ” ، فالهوى الذي اقترن بالفعل ” يُشعل “، قُدرة إراديّة اختياريّة جعلت الدّرورة يُحاول كسر قُيود الأب ، إنها تعبّر عن إرادة التّغيير ورفض الخضوع للكائن السّائد المألوف ، وهكذا تصبحُ ” عقدة برومثيوس عند الدّرورة ” شغفا مشتعلا للسّيطرة على الطّبيعة وفهم أسرارها ، فهي نوع من ” التمرّد المُثمر” الذي يؤدّي إلى الابتكار العلميّ والفكريّ، كيف لا والنّارُ رمزُ المعرفة والتّحول؟، خاصّة وهي التي اقترنت في شعر الدّرورة بتشبيه النّحن “نُغنّي “بالطّيور رمز الانطلاق والحريّة والنظرة البانوراميّة ” للطبيعة من فوق، من الفضاء ، والاستعارة “أنشري العبير “، فالعبيرُ الذي لا يُرى ولا ينتشر بفعل فاعل، بل انتشاره تلقائي يجعلُ النّار ” فيضا ” من الرّغبة نحو التحرّر والانعتاق.
ولئن كانت “عُقدة برومثيوس ” تمثّل النّار الخارجيّة (الاجتماعيّة، العلميّة، المُتمرّدة)، فإنّ عقدة “نوفاليس” تمثل النّار الدّاخليّة ( الحميميّة ، العاطفيّة ، والسريّة ) الرّاغبة في العودة إلى ” نار الذات”، أو الحرارة التي تنبع من الدّاخل ، وهو أمر يظهرُ عند الدّرورة “طوفي بمجمر البخور ” ، “نار الهوى”، لأنّ هذه العقدة مُرتبطة بالحرارة، على عكس عقدة برومثيوس المرتبطة بالنور، إنّها عقدة تجعل على الدّرورة باحثا عن ” الدّفء” الذي ينتُج عن العاطفة (الهوى) والاتحاد مع المادّة ( كيْ نغنّي فرحا كالطيور ) ، ومن هُنا يُصبحُ البخور المُحترق بحثا في الأعماق وفي جوف المادّة تماما كخيال نوفاليس الذي كان يبحث عن ” نار مُخبّأة” داخل الصّخور والمناجم، ولا عَجَبَ فخيال الشّاعر في هذا المقطع كان بحثا مستمرا عن النّار أيضا “أشعلي الجمر ” “دعي … يشعل نار البخور ” ، فكأن الرّجُل يبحث بنار بخوره عن ذوبان داخل المادّة/ مادّة البخُور، أو يتوقُ إلى العودة إلى رحم الأرض الدّافئة ، أو لعلّها مُراودة للمرأة “طوفي ، اُنشري، أشعلي، دعي” بحثا عن الرّومنسية الماديّة وسعيا للاحتكاك الذي يُولّد الحرارة.
ومهما يكُن فإنّ البخور مادّة محترقة بالنّار عند على الدّرورة، “نارٌ ” تتّحدُ فيها المُتناقضات ( عقدة برومثيوس عقدة نوفاليس ) لترصُد طاقة الشاعر التّخييليّة كلّها بحثا عن الإنسان في كلّ تجليّاته ظاهرة ” فينمونولوجيّة ” مُتعدّدة الأبعاد.
ديناميكية الهواء ( الدّخان مادّة حلمية):
يقول الدّرورة في قصيدة معنونة بـ ” بهجة البخور “:
“تجلّى البخور على بهجة.
فزانت بأفضل الأمسيات
وطاب الهوى واِعتلت نعمة . فطابت به
أجْمل الأغنيات
هزجنا المُنى بالغنى فاُتاشت لصوت المعاني
جمال البَسَمات
فهبّ النّسيم وفتحت به. أمان بنا للعلا
عاليات
فهذا اللّبان يُحاكي الجُمان. وتلك المباخرة زين الحياة
فأهل المحبة لا تبعدُوا. فكم سوف تحلو
بكم أمنيات .”
إنّ البخور في هذه القصيدة يتجلّى هواءً صاعدا، على عكس المقطع السّابق الذي كان نارًا أو دعوة لها، ففعل الاحتراق هُنا تمّ، وتحولت المادّة من نار إلى هواء حضر دوالا في “تجلّى البخور، اعتلت نغمة، هبّ النّسيم للعُلا” ، فاُنتقل به الدّرورة من ثقل الجمر إلى خفة النّسيم، حيث ينتقل من سُكون الجمر إلى الصّورة الحركيّة في تسام يجسّد” خيال الهواء ” كما رسمه باشلار حيثُ الهواء مادّة “غير مرئيّة”، تجعل ” خيالهُ ” مادّة حركية لا تتوقّف على شكل الأشياء، بل تعتمدُ على حركتها، فهو صاعدٌ دائما لأنه ” عنصر الحرية ” المُتجسّد في عقدة إيكاروس Le complexe d’Icare التي تتمثل في الرّغبة في الطّيران ، والتّسامي و الارتفاع فوق الواقع المادي الثقيل. إنّها تمثّل الطّموح الرّوحي والفكريّ،وهو أمرٌ تجلّى بوضوخ في نصّ الدّرورة حيث تحالفت كلّ طاقة اللّغة للصّعود والسمو (اعتلت، نغمة، العلا، عاليات)،حتّى يُصبح البخور قَبَسًا للخيال الحركي l’imagination dynamique به يختبر الدّرورة ” خفة جسده (أهل المحبّة لا تبعدوا) اِنتشت لصوت المعاني ) والروح ( أجمل الأغنيات، كم سوف تحلو بكم أمنيات )
إنّ البخور ها هنا ليس ما نراه ، بل ما نتحرك فيه ومن خلاله، إنّه إرادة الصّعود والتسامي التي جسّدتها اللغة إحضارًا لعقدة التّسامي “إيكاروس”، من خلاله يصبحُ البخورُ تجليا للشاعر الذي يُصبح بدوره ” كائنا هوائيّا”، يسعى دائما للأعلى، للتحرر من جاذبيّة الأرض تلك الكائن الثقيل، مضافا إلى ذلك سعيٌ نحو ” الصّفاء” “la pureté لأنّ الهواء يؤدّي من الوجهة الباشلارية – إلى تصفية النفس من كدورة المادّة. ومن هنا يُمكن الإقرار بأنّ البخور في رائحته المُنتشرة ونسيمه المُتصاعد مادّة “للشّاعريّة الهوائية” التي تحوّل البخور إلى لغة أساسها ” العُلا ” والتسامي والأنغام الصّاعدة.
وبناء على هذا فإنّ الهواء عند علي الدّرورة، باُعتماد منهج باشلار، فلسفة للتحرّر والانعتاق والسّمو، معها تُطوّع اللغة للعلوّ ويتحرّر البخور برائحته من كونه سجين الجذور والأعماق رمز الأرض تلك المادّة الصّلبة.
إنّ البخور هواءً عنصر ” انفلات” وإعادة ابتكار للذّات بعيدا عن ثقل المادّة إنّه انتقال من “تأمّل الأشياء ” إلى عيش “الحركة”.
مادّيّة ” النّدّ” والسّيولة ( المادّة والجوهر )
لعله من المفيد الإشارة إلى أنّ “عُود الندّ ” يعني “نوعا محدّدا من البخور مصنوعا من خشب شجرة العود المُصابة بالفطريّات ، ممّا يمنحه رائحة فريدة ومميّزة، حيث يُعتبر عُودُ الندّ من أفخم أنواع البخور”
وبذلك فهو رمزٌ للرّوائح التي لا يعتبرها باشلار مُجرّد استجابة كيميائية أو حسيّة عابرة، بل هي : ” جوهر المادّة في حالة انتشار ” باعتبارها لحظة تحرّر من المادّة ، فعندما تفوحُ رائحة من زهرة أو حطب محترق ، فإنّ المادّة هنا تتخلى عن كُتلتها وثقلها لتتحوّل إلى “طاقة سيّالة ” تخترق الفضاء
إنّ الرّائحة هي المادّة وقد أصبحت رُوحا، إنّها تفقد شكلها الهندسيّ وتكتسب شكلا “نموذجيّا” ينتشر في الهواء”
وليس بعيدا عن هذا التصّور يقول الدّرورة في قصيدة “عود الندّ” التي كُتب يوم خميس ذات 2 أكتوبر 2025
قد أشعل الندّ عُودا إذْ يسلينا
ويملأ الرّوح عطـرا كي يُــحيينا
نور اللّيالي إلينا قد زها وبدا
فألبس اللـــــــــيل فينا رياحيـــنا
لا تُشعل الندّ إلّا من سعادتنا
فهو الذي ألبس الأفــراح أهلينا
وكُلّما هبّ ريح زاد بهجـــتنا
بالميل نُعطيه حُبّا وهو يُعطـــينا

إنّ المُتأمل هنا يرى أنّ عُود الندّ يحضرُ معجما عطريّا ( يملأ الرّوح عطرا ) وطاقة سيّالة تملأ الفضاء وتخترقه ( وكُلّما هبّ زاد بهجتا )، إنّه حضر مادّة ” سيّالة ” مُمّوجة تخترق الفضاء، يشتدّ اختراقها كُلّما هبّ ريحٌ ” فتخرجُ ” جوهرا داخليّا ” للمادّة الصّلبة ” العود ” لتُصبح وسيطا يسمح للمادّة بأن ” تتواصل ” مع العالم دون مُلامسة فيزيائية خشنة
إنّ الرّائحة / العطر هي ” أثير ” المادّة ، أي الجُزء الأكثر نقاء وصفاء فيها، والذي لا يمكن القبضُ عليه باليد، بل يتمّ استنشاقه ليمتزج بكياننا الدّاخليّ .
وهي عند الدّرورة تكتسب رُطوبة مائية ( قد أشعل الندّ عودا إذ يسلينا/ ويملأ الرّوح عطرا كيْ يُحيينا ) تتحّولُ إلى فعل ” سقي ” وكأنّ الرّائحة سائل يغمر الرّوح ويغسلُ كدَرها وينحو بها نحو السّعادة والبهجة وأنقى ما في الرّوح ( سعادتنا ، ألبس الأفراح / زاد بهجتنا / حُبّا )
البخور:مادّ الشفاء ( التطهر المادّي )
يمكن القول إنّه عند تحليل البخور ” من منظور غاستون باشلار، وتحديدا من خلال رؤيته في شعرية المادّة ” و ” الخيال المادي ” لا نتعامل مع البخور كعطر بسيط بل نتعامل معه كونه عنصرا وسيطا كما أثبتنا سابقا، يُحقّق “تطهيرا أنطولوجيّا للمادة”، وهذا التّطهير يتحقق من ثلاث زوايا على الأقلّ : أولاها من خلال النّار المُتسامية و ثانيها عبر المادّة الجوهر انطلاقا من نفاذ العطر في المسام، وثالثها بواسطة ” خيال الهواء ” الذي يُشكّل غزو الفضاء وتأثيثه.
ولئن رأينا نماذج مستقلة ” لمتخيَّل البخور ” في هذه المحاولة ، فإن نصّا مثل نصّ ” بخور الأشواق ” يجمع ” متخيَّلا جامعا ” لكلّ أبعاد هذه المادّة ، إذ يقول:
هاتي لنا مباخر ” الصّنْفي ”
و” العُودَ الأزرق”
بلهفة العشّاق
وأشعليها بالإحْراق
فالبخور سعادة
ساحرة
قد علت
رُتبة الأذواق
****
أشعلي أعواد الطّيب
معتقة بالعود والعنبر
في مجلس الحُبّ
وزيدي المسك الإعتاق
****
كيْ تُغنّي الحورّيات
وترقصُ الفراشاتُ
وتُغرّد الأطيار
ونأنسُ بالسّعادة والأشواق
***
ودعيتا نروي
أساطير العشق
وأشعار الهوى
بجميع البخور والأنساق
****
إنّ هوانا اليوم
عطّر الأكوان فائحُه
وشبّ طوقه
عن الأطواق ”
إنّ الرّائي يرى أنّ البخور يحضُر ” مادّة ” تتحوّل بـ” الاحتراق ” (أشعليها – الإحراق- أشعلي)، فالبخور ” صمغا ” لا يتطهّر إلا بـ ” الفناء الجميل ” لأنّ النّار وفق باشلار تُنقّي المادّة من شوائبها الثقيلة . والبخور باُعتباره مادّة خشبيّة صلبة تمثّل ” الأرض ” التي تقبل أن تحترق لتتحوّل إلى ” روح ” ، خاصّة أنّ الدّرورة دعا للإحراق بتفسير السّبب (فالبخورُ سعادة ) محاولا إدراك غاية أعْلن عنها المفعول لأجله (كيْ تُغنّي الحوريات / وترقص الفراشات / وتعرّد الأطيار / ونأنسُ بالسّعادة والأشواق) ، فعمليّة الإحراق بهذا تطهير للنّفس من شوائب الكآبة والأسر والقُيود الأخلاقيّة والأعراف المُكبِّلة للذّات البشريّة ، بل إنها ” تطهّر مادّي” يخلعُ ” المادّية الثّقيلة ” Exuviation، لأنّ البخور عند الدّرورة يطهّر المكان باعتباره يمثّل مادّة تُضحّي بكيانها / تشتعل لتمنحنا جوهرها العطرّي (عطّر الأكوان فائحُه) ، وهو ما يُطلقُ عليه باشلار ” الموت المُتسامي” للمادة. وفي المقطع نفسه يمثّل البخور “خيالا هوائيّا” يغزو الفضاء ويؤثثه “قد علت” ذلك أنّ الفعل ” علا ” دليلُ حركة تُحوّل الهواء السّاكن الميت (البخور مادّة صلبة ثابتة ) إلى هواء حيّ ومرئي . إنه دُخان البخور يرسم مسارات الحركة في الفراغ، وبذلك فهو يُطهّر الفراغ من ركُوده من خلال غزو الفراغ/ الفضاء وتأثيثه، فضلا على كونه يطهّره بالانتشار لأن الدّخان المُتصاعد يمثّل ” خفّة ” المادّة . فالصّعود العمُودي (علا) حركة تطهيريّة بامتياز في المتخيّل الباشلاري، لأنّه يُربط الأرض (المباخر) بالسماء ، ويحوّل الغرفة المُغلقة إلى فضاء ” مفتوح شعريّ .
أمّا في الجانب الثالث فقد حضر البخور ” جوهرا ” للمادّة ، إنّه العطر النّافِذُ في المسامّ (العود- العنبر – المسك – عطّر الأكوان ). إنّ البخور حقق في هذا النصّ ما سمّاه باشلار بـ “التّغلغل المادّي ” وهو أعمق أنواع التطهّر، فالتطهّر المادّي لا يحدُث فقط على السّطح (كالغسل بالماء) ، بل يحدُث في ” العمق. رائحة البخور تتغلغل حتّى في مسام الجُدران والكائنات (الحوريات – الفراشات – الأطيار ) .
إن هذا التغلغل والنفاذ غزو ناعم يطردُ الروائح ” الكريهة التي تمثّل عند باشلار ” المادة المُحلّلة ” أو ” الرّكودُ النّفسي “، ويحلّ محلّها مادّة عطريّة تمثّل ” النّقاء الفاعل”
وهكذا نُستنتج أنّ البخور عند الدّرورة “مادّة” تثبت لنا أنّ المادّة ليست صمّاء بلغة باشلار، بل هي حُبلى بالصّور المُكثفة للتطهّر الماديّ أو ‘ تحرير الجوهر ” ، فبخور الشاعر السّعودّي وهو يحترق يُحرّر ” سجينه ” العطريّ من سجن الخشب الصّلب ، وهذا التحريرُ هو أسمى صور التّطهّر في “المُخيلة الماديّة”.
على سبيل الخاتمة:
لعلّ ما يمكن الخروج به من هذه الرّحلة القرائية في نماذج من شعر الدّكتور علي الدّرورة وفق منهج غاستون باشلار، هو أن الرّجُل نجح في تحويل البخور من ” موضوع خارجيّ إلى ” ذات ” فاعلة تجمع بين عناصر الوجود الأربعة، حيث مثّل في شعره أداةً لـ ” الزّمن العمودّي” حيث يتوقف الزّمن من ” الخطيّ ” لصالح لحظة الانتشاء العطريّ الأزليّة . فالقصيدة عند الدّرورة هي ” المجمر ” الذي يحترق فيه الحرف ليُولد العطر . محققا بذلك وحدة الوجُود المادية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى