جلد الذات

خالد رمضان| كاتب مصري
إذا تعمقنا قدر المستطاع في تلك النفوس البشرية، فسنجد أنها مختلفة متنوعة، كل نفس لها صبغة خاصة تميزها عن غيرها، منها الحسن، ومنها غيره، منها الممدوح، ومنها غيره، وتلك طبائع طبعت عليها هذي الأنفس، فإذا فتشت في نفسك فوجدتها تركن إلى إحدى النفوس الرديئة الدنيئة فلتسع إلى محاولة تعديلها، أو تغييرها؛ كي لا تكون سُبّةً في حقك، فيزهدك المقربون، وينفر منك الصالحون المهذبون.
هذه الأنفس يمكن حصرها في هذه الأنواع:
١- النفس المطمئنة
٢- النفس اللوامة
٣- النفس الأمارة بالسوء
٤- النفس الخبيثة
ولسنا في معرض التفرقة بين تلك الأنواع؛ إنما نحن بصدد هذه النفس التي تحتل المرتبة الثانية بعد النفس المطمئنة، وهي النفس اللوامة.
هذه النفس هي التي تلوم صاحبها على كل فعل تراه غير مرضٍ يقوم به صاحبها، فتصب عليه العذاب صبا.
ذلك اللوم والعتاب أمر محمود ممدوح، لكن يمدح حين يهدف إلى تعديل السلوك، وتصحيح المسار، أما أن يتحول هذا الأمر إلى جلد للذات، أو تحقير للنفس فهذا أمر مرفوض؛ لأنه يعذب النفس، ويقلل من قيمتها، مما يدفع صاحبها إلى وسم نفسه بعبارات هدامة، تكون عائقا له في حياته، أو معول هدم لا معول بناء، فتعيق مسار تقدمه، وتطفئ شمعة ارتقائه وازدهاره.
يبدأ ذلك البائس المسكين يصف نفسه بصفات ترديه، وتؤذيه، فيقول في نفسه: أنا فاشل./ أنا مذنب/ أنا مرفوض اجتماعيا. فتسيطر عليك مشاعر الإحباط، وتنزوي معتزلا عن الناس، كئيبا، كاسف البال حزينا.
إن لومك لنفسك على خطأ ارتكبته، أو ذنب اقترفته، أو جرم فعلته في حق نفسك، أو حق من حقوق الآخرين هو أمر محمود، وتلك هي النفس التي أقسم الله بها في قوله تعالى: “ولا أقسم بالنفس اللوامة”؛ ذلك اللوم أو العتاب أو تأنيب الضمير هو الذي يدفعك إلى تصحيح الخطأ، أو الاعتذار، والاعتراف بالذنب؛ وبالتالي الإقلاع عنه، والعودة إلى مسارك الطبيعي الذي يضع أقدامك على الطريق المستقيم الذي يريح النفس، ويعزز علاقتك بالآخرين، ويشعرك بتقدير الذات والرضا عنها، والتصالح معها.
لكن ما أود إلقاء الضوء عليه، وتبيين عواقبه الوخيمة هو ما يسمى بجلد الذات، وهو شعور بالذنب، وضغط عليها لا يفارق صاحبه، ويظل يسيطر عليه حتى يملكه، ويتدنى به إلى القاع، فينطوي على نفسه معتزلا منفردا حتى تسوء حاله، ويصل به الأمر إلى ما لا يحمد عقباه.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن، وهو: هل هذا التأنيب الزائد عن الحد، وجلد الذات بهذا الشكل، هل هو أمر محمود ؟! هل هذا الإحساس الزائد عن الحد ينفع صاحبه؟ وإذا نظرنا إلى الأمر بعين الحقيقة، أو بنظرة موضوعية فسنجد أن هذا أمر يفوق الطاقة البشرية، ويلقي بها في مهاوي الردى.
علام تلوم نفسك؟!: على أناس أحسنت إليهم، ومددت لهم أكف العون، ولم تقصر في حق واحد من حقوقهم، وقد هجروك ونسوك، وكما يقول الشافعي رحمه الله تعالى: (فما عطفوا على أحد بخير// وما عرفوا لمكرمةٍ ثبوتًا)، ومن أقوال السلف رضوان الله عليهم: لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه.
إن جلد الذات بسبب، وبدون سبب يعد جريمة في حق نفسك، فلا ترهقها، ولا تحملها ما لا طاقة لها به؛ فقد قال تعالى : “لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها”، وقال: “لا يكلف الله نفسًا إلا ما ٱتاها”؛ فلِمَ تفعل بنفسك الأفاعيل، وتعذبها عذابا لا تستحقه ؟! وما شأنها أن يغضب هذا، أو يرضى ذاك؟! وما جرمك أنت وأنت لم تخطئ في حق أحدهم، ولم تفعل ما يشينك، أو يعيب الغير؟
إن المعيار الصحيح في هذا الأمر هو حسن تصرفك، وإرضائك ربك، وحسن توكلك عليه، بعد ذالك كله فليغضب من يغضب، أو ينزوي من ينزوي، وعلى حد قول الشاعر: (فليرض عني الناس أو فليغضبوا// أنا لم أعد أسعى لغير رضاك)؛ إرضاء الناس غاية لا تدرك، فلا تصدق يوما ما أنك صديق للجميع، أو أنك الحمل الوديع بين هذه الذئاب.
فكر فقط فيما يرضي ربك سبحانه وتعالى، أما أن ترضي كل من حولك فهذا أمر محال؛ فالناس لم يجتمعوا على أحد حتى الأنبياء والرسل وهم صفوة الخلق أجمعين، ولا تحمل الكرة الأرضية فوق رأسك، لا تجعل براثن الهموم والأفكار الهدامة تنشب في جسدك الضعيف، فتصبح فريسة سائغة في أفواه تلك الوساوس، والصراعات الداخلية التي لا وجود لها إلا في عالم من صنع خيالك أنت وحدك. والهم يخترم الجسيم نحافةً.. ويشيب ناصية الصبي فيهرم.
اجعل مسافة فاصلة بينك وبين الآخرين، واضبط نفسك في تعاملك، فلا تجعلها تميل كل الميل، واعتذر إذا أخطأت، واقبل عذر من أخطأ في حقك، واضبط مشاعرك؛ فالحب المفرط فيه يجعلك أسيرًا لمن تحب، والبغض الزائد يجعلك لهم عدوًًا لدودًا، وامتثل لذلك قول الإمام علي كرم الله وجهه: (أحبب حبيبك هونًا ما؛ عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما).
إن المبالغة في جلد الذات ما هو إلا كأس مسموم، تجرعه رشفة رشفة فإذا تغلغل في عروقك ألقاك صريعا في سجلات الزمن، وهذا الذي عذبت نفسك لأجله مهما قرب منك، أو بعد عنك سيعيش سعيدًا منطلقا في ساحات الحياة الهنيئة يلهو بما شاء، ومن شاء، وستكون أنت الضحية المنسية التي لا ثمن لها.
وفي الأخير أقول لنفسي وإياك: احفظ ذاتك؛ فهي أمانة استودعك الله تعالى إياها، واربأ بها أن تصيبها بما يسوؤها، وخفف من لومك لها، وعتابك إياها؛ فهي ليست معصومة، وليست نبية ولا قديسة، ولتعلم أن المثالية عالم افتراضي خيالي لا وجود له بين جلدة البشر؛ فكلنا خطاؤون، وخير الخطائين التوابون.




