أدب

قراءة نقدية في شعر السورية ريما حمزة

قصيدة: على وجهي ظلُّ غيمة، في قلبي موجةٌ ضائعة

بقلم: علي اليدري علمي | ناقد من المغرب
يعن لي أن الدهشة أهم معيار في قياس جودة أي عمل ابداعي. فبقدر هالة الدهشة التي يتركها فينا، تكون قامته القيمة. لأن الدهشة كانفعال وجداني هي اختزال لفسيفساء الجمال المعتمد من طرف المبدع في صياغة تحفته. في السياق. أدعو القراء الكرام لمعاينة أبعد امتداد لدهشتهم. بالوقوف على معلمة فنية غاية في التفرد. قصيدة: ” على وجهي ظلُّ غيمة، في قلبي موجةٌ ضائعة للشاعرة السورية ريما حمزة Reema hamza. وامتدادها في قراءة مني، تتوق إلى تخصيب منكم.

أولا – قصيدة : على وجهي ظلُّ غيمة، في قلبي موجةٌ ضائعة

في صوتي رائحة بحر لم يعد مالحاً بما يكفي ليغسلني من الذكرى.
نافذتي جملةٌ مفتوحة على داخلي المتكسّر،
على وجهي ظلّ طفلةٍ لم تنم تماماً.
أنا التي تمشي داخل نفسها كما لو أنها تمشي على سطح ماء،
على جلد الوقت، وفي بلاغة الرحيق المسافر في قلبه.
أكتبُ لأبقى، لأجرّ الجمال إلى مأمن ظلي،
لأحذف من القصيدة وجهها المزعوم،
وأعلّم الوتر طعم أصابعي.
أُطلّ من نافذتي كمن تستدعي صوتاً من زمن الرمل،
صوتاً يحرس توقّعاتي، ويحملها إليّ باقة ورد تغرق في نظرتي إليه، صوتاً يشمّ اسمه في صداي.
أُشير إلى الفراغ وأقول: “ها هنا كان يجلس”، ثم أبتسم، لأن الحزن ذكيّ ويعرف متى يتخفّى.
في قلبي دُرج لا يفتحه إلا طفل من بحر، بحرٌ يلعب فيه الموج بأصابعي، ويخيط الملح على فمي قميص نجاة لا يُنقذ.
في وجهي تستريح الجهات والأغاني،
وأنا امرأةٌ تعرف كيف تُغوي الغيم بكلمة، وتُربك الظلال بضحكتها التي تشبه قفزة طفلة نحو حضن الغياب.
أنا التي مرّت من هنا، وخلّفت وراءها ماءً يتكلم، ونساءً يكتبن ملامحهن على الزجاج، وطفلًا يركض في القصيدة،
لا يعرف إن كان حبيباً، أم حنيناً، أم أنا.
أنا التي تعلّمت من الموج اسمه،
ومن الغرق كيف أطفو على نبرةِ صوته.
صرتُ امرأة إذا مشت على البحر، أخذ الموج شكل قدميها.
الآن لا شيء فيَّ يشبه الانتظار، ولا جهة فيَّ تُشير إلى أحد.
أقف على شرفتي لغةً مكتملة، ومدىً لا يُترجم،
كبرتُ في اسمي كما يكبر الموج في اسم البحر.
في وجهي ظل غيمةٍ لم تُمطر.
أنا امرأةٌ لم تُخلق من ضلع، خلقت من صعود لا مرآة له،
امرأةٌ إذا عبرها الضوء تعثّر.
أنا التي لا تُروى، ولا تُقطف، ولا تُعاشُ في قصيدة،
أنثى تُرتَلُ من بعيد كأنها صلاة على فم الغيم.
لا أحد يسكنني.
أنا البلادُ التي لا يفتحها عاشق،
والقصيدةُ التي تكتب نفسها، ثم تُغلق البابَ على اللغة.

ثانيا – القراءة النقديّة

تلك البلاد التي لا يفتحها عاشق. عقدت العزم على فتحها. متسلحا بجراب متسعة لجمع المنثور فيها من الدرر. ربما لمناعتها، احتفظت بكل كنوزها لعلها من اجلي. وكيف لي أن ألجم لهفي، وقد تأجج على صديح هزاره نيزار:
هل واحد منكم رواه ماء الشام!؟
كواه عشق الشام.
لن تجدوا في كل اسواق الورود وردة كالشام.
ولا في دكاكين الحلى جميعها لؤلؤة كالشام.
لن تجدوا مدينة حزينة العينين مثل الشام.

الاغراء بهذا القدر يبدد مسافة البون. ويجعل الشام قاب قبضتي. والاغراء يتضاعف لونا متجددا مع فارسة الحرف، بنت الديار الشاعرة ريما حمزة. وقد أمسكت بغرة قصيدتها:” على وجهي ظل غيمة. في قلبي موجة ضائعة” فاخترت طواعية أن أضيع هناك.

صديحها يحملنا على التناغي مع نغمها قطعا. لكن في الطي سر أعظم لو إليه نصل. فتوسلت سليمان لو يمدني ببعض الحكمة تسعفني على فك شفرة لغة الطيور. لأجل ذلك، جيشت كل حواسي للمهمة، وأيقظت بعض حدسي. عساني أظفر بأكبر قدر من المراد.

على وجهها ظل غيمة. وفي قلبها موجة ضائعة. أية شرارة ترمينا بها الشاعرة ريما منذ عنوان قصيدتها! أيحتاج الأمر إلى مواساة. أم نقع تحت أثر غواية الظل نتلمس فيه موطئا! والموجة الضائعة هل تبددت مخاطرها؟ أم نكابد غصة الضياع فيها ومنها؟ ويكبر حجم السؤال حين يكون قلبها مساحة للفعل. فنضع أكفنا على صدورنا نرصد الوقع. ونقاوم التداعي. فيا عجبا كيف يعجزنا تحديد موطنه، هل هو في جوهر اللغة كامن!؟ أم في اليراعة التي رصفت الألفاظ ببديع الشكل!؟ أم هو دفق لحمولة ثراء الكيان!؟ أم.. وأم..! من يفك شفرة لغة الطيور!؟

من يترجم لنا صوتا برائحة بحر خلا من الملح الكفيل بغسل الذكريات!؟ والصوت فينا عذب رخيم مستطاب. أليس ارتدادا للجميل الذي يؤثثها. والفخر بها جدير. من منا لا يتوق مقايضتها!

من نافذة جملتها المشرعة على داخلها المتكسر، ترقب ظلا على وجهها طفلة لم تنم تماما. فكيف يتجاسر السهد على الملائكة إلا تكليفا لها بمهمة تلقي الوحي. أليست رسالة الآن وحيا لحظة سهد! وتأخذني الدهشة كيف تكبر الطفلة ولا يبارحها بريق الطفولة!؟

في محراب نفسها تمشي. يقتضيها الحال حافية لطهر المكان. تتمثل فراشة تمد الخطى عل سطح ماء. متسمرا على الشط يقف الرائي منبهرا من براعتها كما فراشة تداعب الأمواج، ولا خشية من أهوالها. بل يخرس لساني. وتنقاد كفي الى التصفيق عفويا.

للكتابة عند ريما طقوس مذهلة. حبرها رحيق بليغ. وعلى جلد الوقت تخط. تقتاد الجمال الى مأمن ظلها. تحذف من القصيدة وجهها الرتيب. وتلقن الوتر كيف يتذوق طعم أصابعها. هل تصدقون بعد هذا أنكم امام شاعرة بشر!؟ شخصيا لا أكاد أصدق. فالمعالم دالة على أننا في حضرة مبدعة حنطت كل المألوف في الكتابة. وجاءتنا بأمر غريب.

من نافذتها، تطل ليس ككل أحد. كأنما تستدعي صوتا من زمن الرمل. فتحملنا على حبل تأمل في الزمن العابر. تتوسمه صوتا حارسا لتوقعاتها، ترتد اليها باقة ورد غارقة في نظرتها اليه. صوتا يشم اسمه في صداها.

بسبابتها تشير. تقع على الفراغ. فذاك الذي كان يجلس هناك، ما عاد هناك. فتكافئ المشهد بابتسامة ساخرة. يقينا منها ان الحزن يملك من الذكاء ما يسمح له بجودة التموقع حضورا أو تخفيا. وأسألك صاحبي: هل كنت قبل هذا تعرف أن الحزن ذكي!؟ أم هي فرصتك لتتعلم كيف تنصت الى الشيء واللاشيء. فرهن اشارتك معلمة ليست عادية.

لا أخفي تلهفي لو كنت ذاك الطفل من البحر، بقدرة فتح درج في قلبها الزاخر بالدهشة وأشياء أخرى. وما بالك أن يكون بحرا تلعب فيه الأمواج بأصابعها. ويخيط الملح على فمها قميص نجاة لا ينقذ. لكنني، أسفا، لست. فالرهان تحد لا اعتقد أحدا يغامر بالدخول مضماره. كيف يغامر أحدنا بدخول رهان نجدة يتودد من خلالها المنادي أن يغرق أعمق. من منا بقلب يطيق هذا الاحتواء!؟

وجهها محطة لاستراحة الجهات والأغاني. أهو السخاء منها أم الاغراء!؟ أم هما معا يجتمعان في امرأة تمهر غواية الغيم بكلمة. وتربك الظلال بضحكة تشبه قفزة طفلة في حضن الغياب. امرأة تعبر وتترك من ورائها الماء يتحدث. والنسوة يرسمن ملامحهن على الزجاج. وطفلا، ربما يشبهني، يركض في القصيدة، دون ان يعرف ان كان حبيبا أم حنينا أم هو ذاته المسافر في مساحة بهاء.

امرأة تعلمت من الموج اسمه. ومن الغرق كيف تطفو فوق نبرة صوته. واذا مشت على البحر، أخذ الموج شكل قدميها.

تقف على شرفتي لغة مكتملة، ومدى لا يترجم. لا شيء فيها يشبه الانتظار. ولا جهة فيها تشير إلى أحد. هل تقبلين عذري وفضولي حين التفت إليك اعتقادا أن سبابتك كانت الي تشير. فتداعى مني هذا الارتداد تناغما. فأنا مجرد طفل استهواه صوت العندليب. فرقص على الايقاع.

يا امرأة لم تخلق من ضلع بل من صعود لا نظير له. يا امرأة يتعثر فيها الضوء اذا ما أراد العبور. عصي ان تروى أو تقطف، أو تعاش في قصيدة. وانا أرتلك من بعيد صلاة على فم الغيم. وبلادا لا يفتحها عاشق. وانا أقرؤك قصيدة كتبت نفسها. وأغلقت الباب على اللغة. قبل اختفائك في الأفق البعيد، تقبلي ذا ملتمسي وصيحة الاستنجاد مني. ساعديني رجاء على الغرق تماما في بحر القصيدة. بانتحالها حلة أكون فيها ضمير المتكلم. لقد جربتها. فوجدتها بقياسي تماما.
علي اليدري علمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى