قراءة قصيدة “في وجهي تختفي المدن” للشاعرة السورية ريما حمزة

قراءة وتحليل : العربي إزعبل| المملكة المغربية
أولا – قصيدة: في وجهي تختفي المدن
في وجهي
تتسلَّقُ المدنُ خوفَها
تجفُّ في خانةِ بطاقتي
وأنا
أشعلُ ملامحي من لهاثِ الأشياء
كي لا يَطرُدَني الوقتُ من ظلي
أحفُرُ في المسافةِ بئراً
أسقيه من صَدَاي
وأقولُ للحافلاتِ التي لم تعد:
انتظريني عند توقفِ المطرِ
سأعودُ محمّلةً بالأرقامِ المستعملةِ
مظلَّتي جريمةٌ
لأني متهمةٌ بالمطرِ.
***
في وجهي
تختنقُ الأزقّةُ
تسعلُ الأرصفةُ
ويستحمُّ الرصيفُ بدمعةِ جنديٍّ فقدَ وجهَه
قالت المدينةُ:
أحبُّك كرصاصةٍ ضلّت طريقَها
فقلتُ:
أعرفُ هذا الجنونَ
أعرفُ كيف تُسرَقُ أسماءُ القتلى
حين ينتهي الهتافُ.
***
في وجهي
تختفي المدنُ
ويبقى الرنينُ القديمُ
كأنّهُ
جرسٌ صدئٌ
في مدرسةٍ
مغلقةٍ.
***
ألتقطُ الكلماتِ
كأنّها قنابلُ من ورقٍ مبلّلٍ
أمدُّ يدي مثل لصٍّ يعرف أنَّ الجُرمَ ليس له عنوانٌ
أجمعُ ما تخلّى عنه الناجونَ من ضجيجِ المدينةِ
أربطُها بخيطٍ رفيعٍ
كي لا تتساقطَ قبل أن تصلَ إلى السطورِ الأخيرةِ
أتلوها بصوتٍ أجشٍّ
كأنّني أُخبِرُ شبحاً غائباً
أنَّ الكلماتِ ليست كافيةً
لتعيدَ المدنَ المهاجرةَ
لكنها على الأقلِّ تمنحني وجهاً جديداً.
في وجهي
***
في وجهي
تتلوى الأرصفةُ
أجمعُ قصاصاتِ الوجوهِ المجهولةِ
وأغزلُ منها ضجيجاً بلا عنوانٍ.
***
في وجهي
تختفي المدنُ
كطفلٍ نَسِي كيف يضحكُ
وأنا أصرخُ في سراديبِ النسيانِ
وأبني قلاعاً من رذاذِ الضوءِ.
***
هل تسمع؟
همسُ خطواتي يتردّدُ في دهاليز الغيابِ
وأنا أراقصُ ظلّي
خذلتُ العصافيرَ حين قلتُ إنَّ الأجنحةَ مذكراتُ قفصٍ
خذلتُ الأشجارَ حين قلتُ إنّها مداخنٌ تلهو بها الظلالُ.
***
في وجهي
تختفي المدنُ
وأنا أدفنُ أحلامي في دفاترٍ بلا كلماتٍ.
***
في وجهي
يختفي وجهي
فتتهافت عليه المرايا
مثل سهمٍ في سرابٍ.
ثانيا- القراءة النقدية
قصيدة نثرية، من تسعة مقاطع، تتقاطع كلها مع فكرة النص المختارة بعناية ودقة شاعرة حاذقة،وهي تنحو منحى أنواع واصناف “اللغة” وادوات التعبير المختلفة لدى الكائن الحي، وهنا في هذه القصيدة / التحفة ،لغة تقاسيم الوجه .
تعتبر لغة الجسد علما قائما بذاته، تؤسس لها مراكز علمية صارمة في مناهجها وضوابطها وأساتذتها الذين لا يمكن أن يتلصص الشك إلى تحاليلهم الغاية في التعقيد أولا لخطورة الترجمة الخاطئة وللنتائج التي قد تخلفها لدى المتلقي/ المرسل إليه الخطاب.
فإذا كان للعيون خطاب/ لغة، وإذا كان لكيفية جلوس كائن لغة ،فكذلك للالوان لغة يثقنها الرسام في مرسمه،والحائك في ثوبه والفنان الذائق في تناسق ملبسه، وأشكال هندسة تقاطعاته ،،، فالورد الأخضر له معنى مغاير لوردة صفراء أو حمراء أو بنفسجية….الخ .
هنا نقف على خبرة شاعرة وثقافة متنوعة تحملها هذه القصيدة/ اللوحة، بين طياتها اسطرها ، تبرز إلى حد التشويق لغة الوجه عند الإنسان…فالوجه هو ما ينظر إليه قبل كل شيء في من تصادفه فجأة وليه الصدر لاكتمال الصورة الأولى قبل شهقة الفجأة ،،،ومنه نفهم أن أمامنا إنسان مسرور أو مفجوع أو مريض أو مرعوب،،، تقاسيم الوجه ،تفهمنا الكثير عما يقال أو ما هو مخفي أو ما لا نود الإفصاح عنه مباشرة، فوجه المنافق يفضح نفاقه ولو استعمل كل مساحيق الدنيا لإخفائها، ولذلك كثيرا ما نسمع جملة: “النفاق الاجتماعي” وهو عكس جملة:”اللياقة الاجتماعية” .
كانت هذه المقدمة ضرورية لنقف على عمق الفكرة المتضمنة للعنوان هذا النص الثري والعميق من شاعرة تستطيع أن تشتغل في قصيدتها هذه، على الشكل والمضمون معا ، فالنص من تسعة مقاطع ،! ولم تجعل القصيدة في عمود واحد مسترسل …فحبكة النص جاءت متدرجة الفكرة لكنها مقسمة إلى مراحل وفقرات مما يعني : أن وجه الإنسان (وليس بالضرورة وجه الشاعرة) يتغير بتغير الزمان والمكان والحدث ،…يعني أن قوة الحدس وقوة الملاحظة لا تتوفر الا لذوي عاطفة وفكر وانتماء انساني مهتم بهموم الآخر/ مجتمه.
هنا ،لابد من الوقوف مليا عن الشكل الفني للقصيدة ، واختيار كلمة: “الوجه” كمفتاح للنص وغايته وموضوعه …هو المبتدأ وهو الخبر ،،، منه نبتدئ وهو من يعطينا الخبر اليقين ….
نتخيل ممثلا أو ممثلة على ركح مسرح ونتساءل هل حقيقة ذلك الممثل وشخصيته الحقيقية هي نفسها على خشبة المسرح؟ بالطبع، سنجيب: إنه يقدم لنا شخصية مغايرة يفرضها سيناريو مخرج،…ثم هل سلوكنا اليومي يسير على وثيرة واحدة طول النهار وبالليل …طبعا سنجيب بالنفي،
وكذلك الشأن لكل الناس: يرتدون أقنعة متنوعة حسب ما تقتضيه زمكانية الأحداث بالضبط في مناحي حياتنا …حبكة النص متراصة الحلقات متماسكة متدرجة الأفكار والصور الفنية الإبداعية والخيال الشعري الشاعري الواسع، في لغة عربية فصيحة وتمكن واضح للعيان لضروب علم البيان والبديع يفسره الناظم في تصفيف واختيار اللفظ المحمل بعاطفة ووجدان وحرارة البوح الشعري الشاعري الراقي الأصيل، تتفوق فيه الصورة الفنية والخيال الشعري على المسافة بين جدران القصيدة والشاعرة نفسها. فهناك مسافة قريبة جدا واحتضان لاحداث النص مع التصور الفكري والعاطفي والإنساني للشاعرة ومحيطها، تنصت لهموم أمتها،تستقصي الأحداث من الوجوه، فتنعكس تلك الهموم والمشاغل اليومية على وجهها، فهي إنسان يتأثر ويؤثر في من حولها، تعكس إنسانية ناضجة تتألم لما تحمله الوجوه من ألم/ حزن/ خصاص/ ضيق ..وتفرح لما تحمله الوجوه من بشر/ أمل/ فرح / سعادة / حب واشتياق وصبابة.
العنوان وحده مكون لغة من (في وجهي تختفي المدن): خبر مقدم من الجار والمجرور
إلى ياء المتكلم …. هنا تتقلص المسافة، وتقرب المسافة إليها حد الاحتضان والعناق …فهي تعطي الخبر وتقدمه عن المبتدإ لأهميته في هذا النص .ثم لنتساءل أين هو المبتدأ ؟؟ ولماذا لم يذكر في العنوان؟ وما السر في جعل المبتدإ عند الشاعرة المتمكنة من فقه اللغة ضميرا مستترا خاصا بالرفع
(أنا) أي أن تركيب الجملة يجب أن يكون: “أنا في وجهي تختفي المدن”؟! …تصوروا : اخفت ضمير الرفع (أنا) !! قمة التواضع ورفعة النفس !!…لتأتي جملة : “تخفي المدن ” جملة فعلية جاءت بعد معرفة (وجهي= على اعتبار أن كل اسم مضاف معرفة)…وإعراب هذه الجملة: حال في محل نصب !!……والقرينة الفقهية تفرض أن يكون مقتضى حال الجملة مطابقا تماما للمكتوب/ المسموع ….وبهذه الطريقة الفنية الإبداعية أكدت الشاعرة اشتغالها على فنين اثنين غاية في الدقة والشاعرية وعنصرين هامين في كل القصائد وهما: ” الشكل الذي يخدم المضمون ويعززه”.




