أدب

قراءة نقدية في قصيدة “حكاية ضوء في حضن بعيد” للشاعرة السورية ريما حمزة

إهداء.. إلى الشهيدِ الذي رحلَ جسدُه، وبقيَ صوتهُ يمشي في التراب كأنّه نشيد

بقلم: مراد اللحياني| شاعر وناقد من تونس الخضراء

أولا – قصيدة: “حكاية ضوء في حضن بعيد” للشاعرة السورية ريما حمزة
إهداء.. إلى الشهيدِ الذي رحلَ جسدُه، وبقيَ صوتهُ يمشي في التراب كأنّه نشيد
في موتهِ ارتفع الظلُّ،
وفي صمتهِ نطقَ التاريخُ من جديد.
(اللَّيلَةُ الَّتي قُتِلَ فيها)
يَئِنُّ العَدَمُ تحت جَفَنهِ
ظِلُّهُ يَمْتَدُّ فَوْقَ الأَرْضِ كَجُرْحٍ لَمْ يَلْتَئِمْ
الدَّمُ باقٍ وَالنَّاسُ غائِبُونَ
لا صَوْتَ
سِوَى صَدَى آهٍ تَفْتِكُ بِالذَّاكِرَةِ
لَمْ يَقُلْ وَدَاعاً
خَفَّ التُّرَابُ قَلِيلًا تَحْتَ كَفِّهِ
كَأَنَّهُ يَحْتَضِنُ غِيَاباً لَا يُرِيدُ الرَّحِيلَ
أُمُّهُ تَمْشِي إِلَيْهِ مِنْ آخِرِ الضَّوْءِ
تَحْمِلُ كُوبَ شَايٍ لَا يَبْرُدُ
وَابْنُهُ يَدُورُ حَوْلَهُ
كَما تَدُورُ الفُصُولُ حَوْلَ جِذْعٍ مَكْسُورٍ
وَيَقُولُ
أَبَتِ، تَأَخَّرْنَا عَنِ الفَرَحِ
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ
فَرَأَى قَمِيصَهُ يُشَمُّ فِي حِضْنٍ بَعِيدٍ
ثُمَّ هَمَسَ لِلْهَوَاءِ
خُذْنِي كَمَا أَنَا… حُفْنَةَ ظِلٍّ يَلِيقُ بِهَا النَّشِيدُ
(اللَّيلَةُ الَّتي سَبَقَت)
فِي وَحْشَةِ الرُّوحِ
أَسْئِلَةٌ بِلَا أَجْوِبَةٍ تَرْتَعِشُ فِي الفَمِ
صَمْتٌ يَحْتَضِرُ
وَشَهِيقَةُ انْتِظَارٍ تَقْضِمُ الهَوَاءَ
لَا شَيْءَ فِي القَلْبِ سِوَى سُؤَالٍ مُمْدَّدٍ عَلَى التُّرَابِ
يَتَنَفَّسُ بِبُطْءٍ
هَلْ أَنْتَ خَائِفٌ مِنَ الإِجَابَةِ؟
يَسْأَلُ نَفْسَهُ
ثُمَّ يَنْثُرُ ابْتِسَامَتَهُ فَوْقَ اسْمِ اللهِ
الرِّيحُ تَعْبُرُ بِلَا اعْتِذَارٍ
هُوَ لَا يَنْتَظِرُ أَحَداً
يُرَاقِبُ ظِلَّهُ يَنْقُصُ
كَأَنَّهُ يَجَرِّبُ مَوْتَهُ عَلَى مَرَاحِلَ
قَالَ
لَيْسَ كُلُّ مَن يَتَهَيَّأُ لِلْغِيَابِ
يَنْسَى الطَّرِيقَ
ثُمَّ أَغْلَقَ عَلَى قَلْبِهِ جِهَةً وَاحِدَةً
وَمَضَى نَحْوَهَا بِصَمْتٍ نَاعِمٍ كَقَصِيدَةٍ تُكْتَبُ لِنَفْسِهَا
(اللَّيلَةُ الَّتي تَلَت مَقْتَلَهُ)
قَالُوا
أَنَّهُ انْزَاحَ حِينَ خَفَّ وَهَجُ العُيُونِ
إِنَّ خُطواته التَبَسَتْ عَلَيْهِ
وَقَالُوا
سَقَطَ كَنَخْلَةٍ ثُمَّ اسْتَدْرَكُوا وَكْتَبُوا
مَاتَ وَاقِفاً
لَكِنَّهُمْ لَمْ يَكْتُبُوا كَيْفَ مَالَتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ
وَلَا سَمِعُوا العُشْبَ يَعْتَذِرُ مِنْ خَطَاه
وَلَمْ يَشْهَدُوا
كَيْفَ مَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ آخِرَ غُبَارٍ قَائِلاً
أَنَا ظِلٌّ لَا يُؤَرَّخُ
وَحِينَ هَوَى
أَشْرَقَتْ خَاصِرَتُهُ رَايَةً
حَمَلَهَا اللهُ إِلَيْهِ
شَجَرَةٌ وَاحِدَةٌ كَانَتْ تَشْهَقُ فِي الْمَكَانِ
وَتَدُلُّ عَلَيْهِ
كَانَتْ أُمُّهُ تَقُولُ كَانَ مَائِدَةً وَبُنْدُقِيَّةً
وَكَانَ ابْنُهُ يَقُولُ
كَانَ أَبي مَائِدَةً وَعِيداً.
“تراتيل الظلّ في حضن الغياب”
ثانيا – القراءة النقدية
نص “حكاية ضوء في حضن بعيد” يمثل تجربة شعرية استثنائية في الشعر النثري المعاصر، حيث تتحول اللغة إلى فضاء طقسي يصوغ الغياب والحضور معًا في شكل متوازي من الصور والرموز والصمت. ريمـة حمزة هنا لا تكتفي بسرد حادثة أو لحظة، بل تبني عالمًا شعوريًا كاملًا، يحتشد بالصمت، بالظل، بالضوء الخافت، بالذاكرة التي تصرخ بصمتها في كل حرف وجملة. النص يمثل امتدادًا للوجود الفردي نحو بعد إنساني شامل، حيث يصبح الغياب حضورًا، والموت حياةً ثانيةً، والظل نشيدًا متكررًا يردد نفسه من جديد.
في القسم الأول “اللَّيلَةُ التي قُتِلَ فيها”، تتجلى عبقرية النص في تصوير الموت كطقس حيّ، حيث يمتد الظل فوق الأرض كجُرح لم يلتئم، ويصبح التراب محتضنًا للغياب، والأم والابن يوجدان كرموز حية للتواصل مع هذا الغياب. كوب الشاي الذي لا يبرد يمثل استمرار الحياة في مواجهة الفقد، والطفل الذي يدور حول الجذع المكسور يمثل حركة الزمن التي لا تتوقف رغم الخسارة. اللغة هنا موسيقية، إذ تتناغم الجمل القصيرة مع الصور، وتخلق إيقاعًا داخليًا يشبه الرثاء الصامت، الذي يحاكي صلاةً للشهيد. كل هذا يضفي على النص طابعًا صوفيًا، حيث يصبح الظل، والتراب، والصمت، والجسد الممتد على الأرض جزءًا من طقس شعري كبير يمزج بين الحزن والقداسة.
في القسم الثاني “اللَّيلَةُ التي سبقت”، تتحول الرحلة الداخلية إلى تجربة ميتافيزيقية، حيث تصبح الأسئلة بلا أجوبة محورًا للحركة الروحية. الذات تتدرب على الغياب قبل وقوعه، فتجرب الموت على مراحل، كما لو كانت تختبر حدودها أمام ما هو مجهول. هنا، يستخدم النص الصمت كعنصر شعري قوي، بحيث يصبح الصمت فعلاً حيًّا، حضوريًا، وكأنه كائن يلتهم الهواء ويعيد تشكيل الروح. الابتسامة فوق اسم الله تمثل لحظة تأمل صوفيّة، حيث تمتزج المقدسية مع الإنسانية، والفقد مع السلام الداخلي. كل كلمة هنا تفيض بالوجدان والروح، فتتحول التجربة الفردية إلى أفق عالمي، تتقاطع فيه الذاكرة، والغياب، والموت، والحياة.
القسم الثالث “اللَّيلَةُ التي تلت مقتله” هو ذروة النص في التجريب الشعري الدرامي. هنا، تصبح الصور الرمزية مهيمنة بشكل كامل: سقوط الجسد قائمًا، الشجرة الوحيدة تتنفس، العشب يعتذر من خطواته، الأم تمثل المائدة، والابن يعكس العهد الأبدي. هذه الرمزية تجعل النص أشبه بقداس شعري موسيقي، حيث يمتزج الحدث الواقعي بالأسطورة، والموت بالطقس، والغياب بالوجود. النص لا يكتفي بتقديم الحدث، بل يستثمر كل عنصر شعوري، كل جسد، كل ظل، وكل صمت، ليخلق تجربة شعرية شاملة. القارئ يصبح مشاركًا في الطقس، يتنفس الظل، يسمع الصمت، يحس حرارة كوب الشاي، ويشارك الطفل حركته حول الجذع المكسور، ويعيش لحظة الأم الحاضرة رغم الغياب.
لغة النص استثنائية في كثافتها، حيث تتجمع الرموز والحواس في طقس شعوري واحد. كوب الشاي، الطفل، الأم، التراب، الظل، الدم، جميعها تتحرك في فضاء شعري متكامل، يمزج الحميمي بالميتافيزيقي، والغيب بالحضور. النص يتجاوز حدود الشعر النثري التقليدي، ليخلق أسلوبًا فريدًا يمتزج فيه الصوفي بالشعري، والدرامي بالمتأمل، والرمزي بالحسي، ليصبح كل شيء مشحونًا بالوجود، وكل لحظة من النص تجربة كاملة من الفقد والحب والحنين والغضب والقداسة.
ما يجعل النص قوة استثنائية هو انسجامه الداخلي العميق بين الزمان والمكان والموت والحياة، بين الصمت والكلام، بين العاطفة والرمزية. النص يجمع بين الفقد الفردي والفقد الجماعي، بين الغياب المطلق والحضور الرمزي، بحيث تصبح كل كلمة، كل صورة، وكل مشهد، إعلانًا عن قدرة الشعر على تحويل الجرح الشخصي إلى تجربة إنسانية كلية. النص يذكّرنا بأن الشعر ليس مجرد كلام، بل حضور حيّ، وأن الغياب يمكن أن يكون طقسًا متكرّرًا، وأن الظل يمكن أن يمشي على التراب نشيدًا خالدًا.
خاتمة القراءة:
في نص “حكاية ضوء في حضن بعيد”، تؤكد ريمـة حمزة أن الشعر النثري العميق قادر على احتضان الموت والحياة، الفقد والحنين، الظل والنور، في تجربة شعورية متكاملة. النص يصبح رحلة صوفية تتخطى حدود الفقد الشخصي لتصبح تجربة إنسانية متكررة، نشيدًا للغياب والحضور معًا، حيث كل لحظة وكل رمز وكل صورة تنبض بالوجود. إنها تجربة شعرية تجعل القارئ حاضرًا في حضن الغياب، مشاركًا في النشيد الذي لا يموت، ويتعلم من خلاله أن الظل يمكن أن يكتب التاريخ، وأن الضوء يمكن أن يعيش في قلب الرحيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى