جميل السلحوت يكتب:” مرحلة عشتها” من أدب الرحلات والسيرة الذاتية (4)

أمسية شعريّة:

في العام 1973 سكنّا في ضاحية المزرعة، فأخبرني جارنا اللبناني عن وجود أمسية شعريّة للشّاعر العراقي مظفر النّوّاب في سينما بيروت على كورنيش المزرعة، وهو مكان قريب من سكننا، ومع أنّني لم أسمع باسم ذلك الشّاعر من قبل، إلّا أنّني رافقت جارنا اللبناني لتلك الأمسيّة، كانت قاعة السّينما مكتظّة بالحضور، وعندما خرج الشّاعر من خلف الكواليس، كان مخمورا وفي يده زجاجة ويسكي، وتنتظره أخرى على الطّاولة، وبعد قصيدته الأولى احتسى ما تبقّى في الزّجاجة التي في يده، وكسر الزّجاجة وقام بتجريح ساعديه وهو يلقي قصيدته الثّانية منفعلا، فخلته مجنونا وانسحبت من القاعة.

شارع الحمراء:

يغصّ شارع الحمراء بالمحلات الرّاقية، وعلى مقربة منه تقع جامعة بيروت الأمريكيّة، وفيه تقع المسارح والفنادق، وحياة التّرف التي يعيشها المترفون من لبنان ومن زائريها، سكن فيه أحد أقاربنا الذي يعمل مديرا لإحدى الشركات في الأردنّ، وجاء بيروت بصحبة زميل له؛ ليدرسا الحقوق انتسابا في جامعة بيروت العربيّة، التقيته وزرته أكثر من مرّة في الشّقّة المفروشة التي استأجراها في شارع الحمراء.

وفي أحد الأيام طلب منّي -لوجود امتحان عنده- أن أذهب إلى الميناء، لإحضار ابن عمّه القادم على ظهر باخرة من روسيا حيث يدرس الهندسة الكهربائيّة، فذهبت إلى الميناء، وعند مدخل الميناء طلب رجل أمن جواز سفري، ولم يكن معي سوى بطاقتي الجامعيّة، لكنّه لم يعتمدها بحجّة وجود بطاقات جامعيّة مزيّفة، ونظرا لقرب وصول السّفينة، ولبعدي عن مكان سكني فقد صحت به غاضبا:

وهل تراني أملك مصنعا لتزييف البطاقات الجامعيّة؟ وحاولت الدّخول عنوة، فغضب رجال الأمن منّي واقتادوني إلى المخفر الأمنيّ، حيث احتجزوني في زنزانة دون سؤال أو جواب، وبعد حوالي نصف ساعة، طرقت باب الزّنزانة بعنف، فأطلّ عليّ شرطيّ من كوّة الباب ينهرني، فطلبت منه أن يعمل معي معروفا بأن يتّصل هاتفيّا بقريبي؛ ليخبره أنّني أنا “الشّيخ جميل” محجوز عند الشّرطة، كي يتدبّر أمره باحضار ابن عمّه من الميناء، فغاب الرّجل وبعد أقل من دقيقة حضر بصحبة الضّابط؛ ليطلق سراحي ويعطيني إذنا بدخول الميناء مع الاعتذار الشّديد لي، وعرفت من قريبي لاحقا أنّ الرّجل ربّما ظنّ بأن لقب الشّيخ هو اسم حركيّ لرجل في المقاومة الفلسطينيّة، وخاف من الوقوع في مشكلة، وهذا ما دفعة لإطلاق سراحي والاعتذار لي.

وعندما خرجت من باب المخفر شاهدت قريبي القادم من موسكو في سيّارة أجرة، فصحت عليه مناديا باسمه، واستقلّيت السّيّارة معه الى شارع الحمراء حيث يسكن ابن عمّه.

الهجرة إلى إفريقيا:

في صيف العام 1974م استأجرنا بيتا قرب الملعب البلدي قريبا من الجامعة، البيت قديم جدّا ويتكون من غرفة نوم واحدة وصالة ومطبخ صغير وحمّام، وأمامه برندة بمساحة غرفة، على جنباتها تصطفّ قوارير الورود المختلفة، البيت يقع في شارع أبنيته حديثة ومن طوابق عدّة، وفي كلّ طابق أربع شقق، لا بيوت قديمة في ذلك الشّارع غير البيت الذي استأجرناه من امرأة عجوز في آواخر الثّمانينات من عمرها، أجّرتنا البيت وذهبت للإقامة مع ابنتها التي تسكن شقّة في البناية المجاورة، والعجوز تزورنا يوميا لريّ ورودها، كانت تتحسّس كلّ نبتة وكأنّها تطمئنّ عليها، أو كأنّها تعتذر منها على رحيلها عنها الذي سيمتدّ لثلاثة أسابيع. نمت على سرير بجانب نافذة تطلّ على البرندة، ويمتدّ السّرير إلى باب البيت، وبعد يومين من سكننا غفونا بعد منتصف الليل، وإذا بشخص يمدّ يده من نافذة الباب يريد أن يفتحه من الدّاخل، فأمسكت بيده وثنيتها بالإتّجاه المعاكس، وصحت بزميليّ كي يستيقظا للإمساك بـ”اللص” الذي يحاول اقتحام البيت، كان الرجل مخمورا وعرّفنا على نفسه بأنّه حفيد صاحبة البيت، ولا يعلم بأنّ جدّته لأبيه قد أجّرت البيت، وألقى سيلا من الشّتائم على جدّته، فاقتنعنا بصدق روايته، وأخبرنا أنّه يعمل حلاقا، ويعود إلى البيت مرّتين أو ثلاثة في الأسبوع؛ لينام بجوار جدّته، لأنّه مطرود من بيت والديه لتعاطيه المخدّرات، حمل “صوفا” ونام في البرندة.

في اليوم التّالي عرفنا منه ومن جدّته ومن شقيقه أنّ أحد أبنائها يملك عشر بنايات في الشّارع، وأنّه يريد إزالة البيت القديم؛ ليقيم مكانه بناية حديثة، لكنّ والدته العجوز ترفض إخلاء البيت الذي قضت فيه غالبيّة حياتها، وأنجبت فيه جميع أبنائها، وترفض استبداله بقصور الدّنيا، وأخبرونا أنّ الرّجل مغترب في أوغندا، ويملك فرنا للخبز هناك، وهو الفرن الآلي الوحيد في ذلك البلد، وقد جمع أموالا طائلة من عمله هذا، وعلمنا أنّ جزءا من المهاجرين اللبنانيّين قد اتّجهوا في هجراتهم منذ ستّينات القرن الماضي إلى الدّول الإفريقيّة؛ لأنّهم يعتبرونها أراضي بكرا للاستثمار، وأنّ هناك جاليات لبنانيّة في مختلف الدّول الإفريقيّة غير العربيّة، ودهشنا من ذلك لأنّ الهجرة في بلادنا إلى إفريقيا غير معروفة، والمهاجرون من بلادنا يتّجهون للعمل في الدّول العربيّة الثّريّة، أو إلى الدّول الغربيّة خصوصا أمريكا.

في مصر:

أتيحت لي الفرصة لزيارة أمّ الدّنيا، عندما قرّرت جامعة بيروت العربيّة عقد الامتحانات للطلبة من غير اللبنانيّين في جامعة الإسكندرية، لتعذّر عقدها في بيروت نتيجة للحرب الأهليّة البغيضة التي اندلعت في لبنان….كان ذلك في شهر شباط-فبراير- 1975م، كنت في سنتي الأخيرة للحصول على ليسانس آداب- لغة عربيّة- وكنت أعمل محرّرا في صحيفة الفجر المقدسية، فوجدتها فرصة لي كي أحقق حلمي بزيارة مصر العروبة، مصر حضارة وادي النّيل- الحضارة الأكثر عراقة في العالم- مصر وارثة الحضارة الفرعونيّة، مصر الأهرامات التي تمثّل إحدى عجائب الدّنيا، والتي اقترنت بمنارة الاسكندريّة لتحوز مصر بجدارة على اثنتين من العجائب الدنيوية السّبعة، مصر الجامع الأزهر، مصر قاهرة المعزّ، مصر التي أنجبت جمال عبد الناصر، وأنجبت قبله أحمد عرابي باشا، مصر التي أحببناها جميعنا.

في القاهرة:

استقليتالطائرة من مطار ماركا في عمّان إلى مطار القاهرة في التّاسعة ليلا، حملنا حقائبنا واستقلينا سيّارة مع زميل أردنيّ جلس بجانبي في الطّائرة؛ لتوصلنا إلى فندق بسيط لا يتقاضى أجرة عالية، فما نملكه من نقود قليل جدا، فأوصلنا السّائق إلى ميدان التّحرير، وهناك طرقنا أبواب عدد من الفنادق، فوجدناها جميعها غرفها مشغولة، ونصحنا بعضهم بالتّوجه الى فنادق النّجوم الخمسة، لكنّنا لم نجرؤ على ذلك لضيق ذات اليد، وبعد أن تعبنا، رأيت شرطيّ مرور فاتّجهت اليه طالبا المساعدة، فسألني الرّجل: هل أنتما فلسطينيان؟

ولمّا أجبته بـ “نعم” طلب منّي الانتظار قليلا، وما هي إلّا لحظات حتى حضر شرطيّ آخر استلم العمل مكانه، وأقلنا الرّجل وسط حيرتنا بسيّارة الشّرطة إلى بيته، أيقظ زوجته وأخبرها أنّ بصحبته ضيوفا، شقّة الرّجل فيها غرفتان صغيرتان عدا غرفة نوم الزّوجين الرّئيسة، له ولد وبنت، عمر الولد حوالي سبع سنوات، والبنت تصغره بعامين، أيقظ الولد وطلب منه أن ينام في غرفة شقيقته؛ لتكون الغرفة لي ولزميلي، وأصرّ أبو جمال هو وزوجته الفاضلة أن يقدّما لنا طعام العشاء مع أنّنا كنا في السّاعات الأولى من الصّباح.

ولاحظنا مدى تعاطفهما مع الشّعب الفلسطينيّ وقضيّته العادلة، تعاملا معنا وكأنّنا ابناهما، ولما أخبرناه بأنّني فلسطينيّ وزميلي أردنيّ، أعاد التّرحيب بنا ثانية وهو يردد:

أهلا وسهلا…كلنا اخوان، فأكبرت فيه تلك الشّهامة، وذلك الانتماء الأصيل.

نمنا قليلا …واستيقظت مبكرا…بقيت في فراشي حتى سمعت حديث الزّوجين في صالة الشّقّة، ففتحت الباب على استحياء…وجدتهما قد أعدّا لنا إفطارا…ولم يأذنا لنا بالمغادرة إلّا بعد أن أقسمنا أغلظ الأيمان أن امتحاناتنا ستبدأ في اليوم التّالي…فحملنا الرّجل في سيّارة الشّرطة إلى موقف السّيّارات العموميّة المغادرة والقادمة من  الاسكندريّة وإليها، وهو وزوجته يوصياننا بأن نمرّ عندهما في طريق عودتنا من الإسكندريّة، وكتبا لنا عنوان البيت ورقم الهاتف.

وعندما استقلّينا سيّارة التّاكسي، أخذ الشّرطيّ رقم السّيّارة، واسم السّائق ورقم بطاقته، وهو يوصيه محذّرا بأنّ أيّ مكروه سيحصل لهذين الشّابّين سيكون في رقبته، وأكّد علينا بأن نتصل به هاتفيّا عند وصولنا إلى الإسكندريّة لنطمئنه على وصولنا سالمين، وعلمنا لاحقا أنّ الطّريق الصّحراويّ بين القاهرة والاسكندريّة غير آمن أحيانا.

في الإسكندريّة:

في الإسكندريّة وأمام الجامعة التقيت بأحمد سرور، وهو طالب من أبناء قريتي، فذهبت للسّكن معه ومع آخرين من أبناء القرية هم: قريبي أحمد أمين السلحوت، ومحمد شراري الأعرج، ونجم عبيدات، أمّا زميلي الأردني فقد كان معه عنوان لزملاء له فاستقلّ سيّارة إليهم.

وجدت زملائي من أبناء قريتي قد استأجروا شقّة مفروشة في بناية على الكورنيش-الشّاطئ- فيها ثلاث غرف، وصالة ومطبخ، نمت ومحمد الأعرج في غرفة واحدة، والشّقّة قريبة من كازينو نفرتيتي الذي تصل أمواج البحر الأعمدة المقام عليها، كنّا نشرب القهوة والشّاي في الكازينو، نجلس بقرب الحائط الزّجاجيّ الذي يطلّ على البحر، نراقب الموج الذي يأتي هادرا؛ ليتكسّر على رمال الشّاطئ، وتعود مياهه بنعومة إلى حضن البحر؛ لتتشكّل أمواجا جديدة تطارد بعضها البعض، والبحر مُغر للتّأمل والتّفكير، ويبعث الدّفء في القلوب التي تتعطّش لرؤية البحر، خصوصا إذا ما كانت محرومة منه كما هو حالنا، فلم يتبقّ لنا من الشّاطئ الفلسطينيّ سوى شاطئ قطاع غزّة، البعيد البعيد عنّا رغم قرب المسافة بيننا.

البيت الذي نسكنه وكازينو نفرتيتي يطلان على قصر الملك فاروق، الذي تحوّل إلى متحف يؤمّه الزّوّار والسّيّاح.

العطش لمعالم المدينة التّاريخيّة:

استقليت وأحد زملائي في اليوم التّالي لوصولي سيّارة أجرة عموميّة للتّجوال في مدينة الإسكندريّة، دون تحديد عنوان معيّن، طلبنا من السّائق أن يأخذنا إلى مناطق مختلفة في المدينة، لفت انتباهنا كثرة اللافتات واليافطات التي تحمل صور جيهان السّادات -سيّدة مصر الأولى- مرحبّة بقدومها لزيارة الاسكندريّة، فقلت يبدو أنّ زوجة الرّئيس ملكة غير متوّجة لمصر، وهذا ما كتبته في صحيفة الفجر المقدسيّة بعد عودتي إلى القدس، وسألنا السّائق إذا ما كانت زوجة الرّئيس جمال عبد الناصر كانت تفعل في حياة زوجها ما تفعله زوجة الرّئيس محمّد أنور السّادات، فأوجس منّا السّائق ريبة، وتحفّظ على أسئلتنا، ولما سألناه عن المفارقات بين حكم عبد النّاصر وحكم السّادات، وكان قد مضى على رحلتنا ساعة من الزّمن معه، توقّف الرّجل فجأة وأخرج بطاقة تفيد بأنّه يعمل مخبرا للمخابرات المصريّة، وقال بانكسار: أنتم فلسطينيّون ولا أريد إيذاءكم، أنا رجل مخابرات، وما يدريني أنّكم مدسوسون عليّ؟ انزلوا من السّيّارة لو سمحتم، ولا أريد منكم أجرة، ولم نستطع اقناع الرّجل بالبقاء معنا، وفي النّهاية وافق على إعادتنا إلى نفس النّقطة التي انطلقنا منها معه.

الحنطور:

مرّ بنا حنطور- عربة يجرها حصان- واستقلّينا الحنطور الذي طاف بنا حوالي أربع ساعات في مناطق مختلفة وقريبة من الشّاطئ….مرّ بنا في أسواق شعبيّة، وفي محيط جامعة الاسكندريّة، وكان الحنطوريّ رجلا خفيف الظّلّ صاحب نكته، ولمّا سألناه عن صور السّيّدة جيهان السّادات قال ساخرا:”دي الحاكمه بأمر الله يا بيه”.

تدمير القطاع العامّ:

لاحظنا أنّ نظام الرّئيس السّادات قد شرع بتدمير القطاع العامّ، من خلال سياسة الانفتاح الاقتصاديّ التي تبنّاها، وتمثّل ذلك بتصفية المؤسّسات الاستهلاكيّة العامّة، التي كانت تبيع الموادّ الأساسيّة للمستهلك بالأسعار التي تحدّدها الدّولة، والتي تخدم جمهور المستهلكين، خصوصا الفقراء ومحدودي الدّخل منهم، كما أنّها بدأت ببيع المصانع التي تملكها الدولة، أو اهمالها وعدم استبدال القطع التّالفة في الآلات لإجبارها على الإغلاق، مصحوبة بسياسة الاحتكار التي مارسها المتنفّذون في النّظام، وظهور طبقة القطط السّمان كما أطلق عليها رجل الاقتصاد الشّهير الدّكتور فؤاد مرسي، وعندما عدت إلى البلاد كتبت في صحيفة الفجر المقدسيّة انطباعاتي عن زيارتي لمصر تحت عنوان” مصر السّادات تدمير للقطاع العام وبراءة من العهد النّاصري” ممّا أثار غضب أحد أعضاء مجلس إدارة الصحيفة، الذي قال:” هذا الولد يريد أن يمنعني من دخول مصر”! ويجب فصله من الصّحيفة، غير أنّ رئيس التّحرير بشير البرغوثي وبقية أعضاء مجلس الإدارة لم يستمعوا له، فطلب حذف اسمه من مجلس الإدارة، وبقي غاضبا لمدّة تزيد على عام وتسعة أشهر حتّى جرت تغييرات في الصّحيفة، وتمّ استبدال طاقم تحريرها بالكامل.

عبد الناصر والسّادات:

من اللافت أنّ النّاس العاديّين كانوا يخافون من الحديث عن فترة حكم الرّئيس جمال عبد النّاصر، أو مقارنتها بحكم السّادات، وفي حديثنا مع مهندس مصري يسكن في جوارنا، أخبرنا أنّ الخوف نابع من التّهديد بلقمة العيش، فمن يترحّم على عبد النّاصر وأيّامه، أو يغمز بحكم السّادات فإنّه سيتعرّض للمساءلة وللاعتقال ولفقدان عمله في بلد تنتشر فيه البطالة، وعصا أمن النّظام فيه غليظة لا ترحم. ذات يوم أحضر لنا صحيفة الأهرام وأرانا خبر تساقط الثّلوج على الأراضي الفلسطينيّة منشورا في مكان بارز على الصّفحة الأولى، في حين أنّ خبر استشهاد شابّ فلسطينيّ كان منشورا في الصّفحات الدّاخليّة ووسط أخبار عاديّة، وعقّب على ذلك قائلا: هذا واحد من الفوارق بين عهدي عبد النّاصر والسّادات.

الصّدفة أنقذتني من الموت:

بعد أن انتهينا أنا وزميلي محمّد شراري الأعرج من الامتحانات، عرضت عليه أن نغادر عصر ذلك اليوم في القطار إلى القاهرة، كي نستطلع بعضا من ملامحها، غير أنّه رفض ذلك بشدّة، على أن نسافر في صباح اليوم التّالي، وبقيت مصرّا على رأيي، وعدت إلى البيت وحملت حقيبتي واستقليت سيّارة إلى محطّة القطارات، وعندما عاد ولم يجدني لحق بي في سيّارة أخرى، وأمسك بي وأنا على درجات القطار وأنزلني مرغما؛ لأبقى معه حتى صباح اليوم التّالي.

وفي صباح اليوم التاّلي توقّف بنا القطار على بعد عدّة كيلو مترات، حيث كان القطار الليليّ قد اصطدم بقطار آخر وسقطت منه أربع عربات في إحدى قنوات النّيل، وكان هناك إصابات بينهم قتلى وجرحى، وقوّات الجيش تقوم بعمليّات الانقاذ، وهكذا أنجاني الله من موت محقّق عندما سخّر زميلي؛ كي يمنعني من السّفر في القطار المنكوب.

وفي القاهرة تجوّلنا في ميدان التّحرير، وبقينا فيه حتّى موعد إقلاع طائرة العودة من مطار القاهرة إلى مطار ماركا في العاصمة الأردنيّة.

في الصّحافة:

في الفاتح من سبتمبر 1974م بدأت العمل في صحيفة الفجر المقدسيّة التي أسّسها المرحوم يوسف نصري نصر، وكانت سببا في اختطافه واغتياله، ولا يزال جثمانه مجهولا حتّى يومنا هذا، عندما عملت في الصّحيفة كان بشير البرغوثي رئيس تحريرها، ومن أعضاء هيئة التّحرير فيها يومئذ: عادل سمارة، أسعد الأسعد، حسيب النّشاشيبي. وجرى تغيير طاقم هيئة التّحرير في الصّحيفة يوم 23 نوفمبر 1976م، حيث تسلّم السّيّد مأمون السّيّد رئاسة تحريرها.

وعملت بعدها محرّرا في مجلّة “الشّراع” نصف الشّهريّة لصاحبها مروان العسلي.

وفي العام 1978 عملتُ محرّرا في “مجلّة “الكاتب” التي يرأس تحريرها الأديب أسعد الأسعد. ومن أعضاء هيئة التّحرير فيها: جمال بنّورة، تيسير العاروري، بسّام الصّالحي، محمد البطراوي، محمود الشّيخ، محمّد أيّوب، عبدالحميد طقّش، خليل توما، فؤاد رزق وفي فترة قصيرة التحق بهيئة التّحرير الدّكتور زياد أبو عمرو.

في العام 1991م عملت رئيس تحرير لمجلّة”مع النّاس” الشّهريّة ومحرّرها المسؤول كان محمد ناظر التّكروري، وعمل في التّحرير كلّ من ديمة جمعة السّمان، وربحي الشويكي. وسحب الاحتلال رخصة المجلّة بعد صدور أحد عشر عددا منها.

في العام 1992م عملت رئيس تحريرلصحيفة الصّدى الأسبوعيّة لمدّة ثمانية أشهر، وعملت معي في التّحرير ديمة جمعة السّمّان.

ما بين شباط -فبراير- 1996م وفبراير 1998م عملت محرّرا في مجلّة العودة التي يرأس تحريرها الشّاعرإبراهيم القراعين، وكانت السّيدة ريموندا الطّويل محرّرها المسؤول، ومن أعضاء هيئة تحريرها يومذاك: عبد الحكيم سمارة، محمّد عبدربّه، أحمد عبد أحمد،ووليد العمري.

وأثناء عملي في الصّحافة كنت أعطي أولويّة خاصّة للأقلام الشّابّة والنّاشئة، وأنشر كتابتاتهم.

العمل في التّدريس

عملت من بداية سبتمبر 1977م وحتّى نهاية شباط – 1990م- مدرّسا للغة العربيّة في المدرسة الرّشيديّة الثّانويّة في القدس. وأثناء عملي في التّدريس كنت حريصا جدّا على مواهب الطلبة في الكتابة، وشجّعت من توسّمت فيهم خيرا، ونشرت لهم في الصّحف المحليّة.

  وبعد قيام السّلطة الوطنيّة الفلسطينيّة في العام 1994، أصدرت وزارة التّربية والتّعليم صحيفة “مسيرة التّربية” الشّهريّة، وكتبت فيها 25 مقالة تحت عنوان “تعلّمتُ من طلابي“، ولاقت قبولا حسنا من المعلّمين ومن مسؤولي الوزارة.

وفي بداية شباط –فبراير- 1998م عملت مديرا للعلاقات العامّة في محافظة القدس، وأنهيت العمل في بداية حزيران-يونيو- 2009 لبلوغي السّتّين من عمري.

الرّقابة العسكريّة على الصّحف

فرض المحتلّون رقابة عسكريّة مشدّدة على الصّحف، فكلّ صحيفة ملزمة بأن تبعث نسختين من أيّ مادّة ستنشر إلى الرّقيب العسكريّ الذي مقرّه في بيت الصّحافة الإسرائيليّ”بيت أجرون” المقام على جزء من مقبرة “مأمن الله” الشّهيرة، وقد شمل ذلك بعض الإعلانات التّجاريّة، ونعي الموتى، خصوصا عندما يكون الميّت شهيدا، وكان الرّقيب يقوم بشطب كلّيّ أو جزئيّ لأخبار وتقارير ومقالات وتحليلات، وقصائد وقصص، ويحيط الكلام المشطوب بخط قلم حبر أحمر اللون، ويضع خاتم الرّقابة عليه. 

العمل في البناء

في بداية العام 1971م وبعد أن حرثت أرضنا في منطقة الشّيخ سعد، وزرعتها عدسا، وفي انتظار موسم الحصاد، عملت في ورشة بناء اسرائيليّة مساعدا لـ”طوبرجي”، ولم أنه يومي الأوّل، وانتقلت للعمل مع مقاول عربيّ في ورشة أخرى، حملت حجارة البناء حتّى المدماك للبنّاء، كما عملت في تزفيت الجدران الخارجيّة لملجأ تمهيدا لطمّها بالتّراب، واستمرّ عملي مدّة ثلاثة أشهر.

في بداية العام 1972م عملت لمدّة شهرين فرّاشا في فندق.

وفي بداية العام 1977م عملتّ “صبيّ بلّيط” ، مع اثنين من قريتي كانا يأخذان مقاولات لتبليط الأبنية التي تسارعت إقامتها في بلدة الرّام بين القدس ورام الله. ومن الأشياء التي بقيت عالقة بذاكرتي في تلك المرحلة، أنّني وفي بداية اليوم الأوّل لتبليط شقّة لأحد الأثرياء أضافها لبيته وكان يوم الأحد الذي هو إجازته الأسبوعيّة حيث يملك “كراجا لتصليح السّيّارات المعطوبة” في واد الجوز، وأثناء إعدادي للطّينة أمام البيت طلب ربّ البيت من زوجته أن تغلي فنجاني قهوة للعمّال، وسمعت زوجته تردّ عليه قائلة: العمّال ثلاثة وليسوا اثنين!

فردّعليها: معلمو البلاط اثنان، والعامل “بلاش يتعوّد على شرب القهوة!”

فقالت له: عيب يا رجل…العامل إنسان أيضا.

فقال لها: “اعملي مثلما قلت لك وسكّري ثمّك.”

سمعت ذلك وكظمت غيظي، وأدخلت الطّينة، احتسى زميلاي القهوة وهم لا يعلمون ما جرى من ربّ البيت. وفي هذه الأثناء أحضر صينيّة عليها صحن حمّص، بيضتان مقليّتان بالزّيت، وخمسة أرغفة “كماج”. ومعه ثلاثة من أحفاده الأطفال، فقال: تفضلوا افطروا، لكن لا تطمعوا أن يكون لكم كل يوم فطور، فقط يوم الأحد يوم عطلتي! فجلسوا يأكلون وأحفاده يتخاطفون الطّعام، وهو يقول:

“تفضّلوا…سلامة خيركم… خير الله كثير.”

لم أشاركهم الطّعام، وأعتذرت عن ذلك بحجّة أنّني أفطرت في بيتي.

وعند العاشرة صباحا قلت لزميليّ بأنّني ذاهب لأحضر لنا طعاما من مطعم قريب، وفعلا ذهبت وأحضرت معي ثلاثة كيلوغرام، شواء، مع صحني حمّص وفول، وأكثر من عشرين رغيفا، وناديت على صاحب البيت وأحفاده؛ كي يشاركونا الطّعام، فحضروا وأصطفّوا معنا على الطّعام، وقمت بعمل رغيفي “ساندويش” ملأتهما بالشّواء، وطلبت من أحد الأطفال أن يوصلها لجدّته، وأنا أردّد مقولة صاحب البيت ساخرا: “تفضلوا…سلامة خيركم…خير الله كثير.”

وبعد أن أكلوا حتّى الشّبع سألتهم:

هل تريدون أن أحضر لكم مزيدا من الشّواء؟

فردّ صاحب البيت: “لا…وين بدنا نحطّه؟”

بعدها وقفت ووبّخته بلهجة قاسية وكلمات بذيئة، وقلت له بعدها:

أنت نذل وجبان والعمل عندك حرام. ورويت لزميليّ ما حصل، وغادرت المكان، فلحقوا بي بعد أن علموا بما جرى.

شاءت الصّدف أن ألتقي به بعد سنوات على وليمة فاخرة، في بيت ابن شقيقه الذي تربطني به علاقة مميّزة، ورفضت أن أجلس معه على مائدة واحدة بعد أن قصصت على الحضور فعلته الشّنيعة السّابقة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى