أصداء زيارتي لمؤسسة الأخبار المصرية كملحق إعلامي

الشيخ سالم العبري | سلطنة عمان

بصفتي كنتْ ملحقا إعلاميا بسفارة سلطنة عمان بالقاهرة فلم تخلُ زياراتي المتكررة لمبنى مؤسسة الأخبار من مفاجآت وطرافة، وربما ترددت عليها حتى بدون مواعيد لوجود الأستاذ أحمد الجندي نائب رئيس تحرير الأخبا، فقلد التقيته أكثر من مرة بمسقط وهو يأتي ممثلا لجريدة لأخبار في المناسبات العديدة ومنها؛ عام الشبيبة ١٩٨٣ والاحتفالات باليوم الوطني في ١٩٨٤، و1985 حيث كنت وقت ذاك مديرا للعلاقات العامة بوزارة الإعلام وكان جميع الضيوف أول من يقابلهم من الوزارة هو مدير العلاقات العامة.

وكان هو إلى جانب الأستاذ محمد الحيوان تربطني علاقة وثيقة الصلة  بهما بصفة خاصة وعائلية، لذلك فقد تكون جريدتا الأخبار والجمهورية من أوائل المؤسسات التى تكررت زياراتي لها في الأيام الأولى لوصولي إلى القاهرة منذ الأول من ديسمبر ١٩٨٥، وقُدِّر أن تكون إقامتي بفندق المريوت (عمر الخيام) سابقا مما جعلني وكأنني بشارع الصحافة.

في أول زيارة لي للمبنى كان يتقدمني الأستاذ أحمد أبوبكر، فإذا به يدخلنا من باب لايبدو أنه ملائم لمدخل مؤسسة لها طنين وصهيل في عالم الصحافة. خصوصا إذا نظرنا لمبنى أختها الأهرام. والذي بني قبل ربع قرن.

إنه بويب منخفض يكاد ننحني لنجتازه. قلت للأستاذ أحمد أبو بكر: ما هذا؟ قال: باب جانبي و هو الباب المؤدي للمطابع.

أما الباب الرئيس فقد،كان من الجانب الآخر. وليس المواجه لشارع الجلاء. وربما حصل خطأ في توجيه المبنى  ذكرني ببناء. منزل أحد أخوتنا بالخوير. بمسقط إذا قام المقاول قليل الخبرة فقلبه فجعل الباب الأكبر مفتوحا على الممر الجانبي وأما الباب الأصغر فقد كان مفتوحا على الشارع العام.

دخلنا وتركنا الأبواب لعابرها ومباشرة دلفنا إلى مكتب الأستاذ أحمد الجندي الذي لم يكن بمكتبه وكانت الأستاذة عفاف يحيى تشاركه بالمكتب، لم أكن أعرفها من قبل وهي كذلك لم تلتقيني من قبل فبادر الأستاذ أحمد أبوبكر بمهمة التعريف التى توافقت وخلقه الرفيع فهو من عائلة كريمة تأسرك بخلق تعاملها حين تجد والده أو عمه المقيم بالويات المتحدة الأمريكية قال أحمد (الأستاذة عفاف يحيى زوجة الأستاذ أحمد الجندي) فانفجرت صارخة بصوت عال (لا أنا زوجة أمين بسيوني) فبُهت أحمد أبو بكر وأنا لا أكاد أملك نفسي من الابتسام وقد تراني رغم غضبها الجارف وقد أسمع وأنا ينطبق علي المثل: شر البلية مايضحك، وانتهى الموقف العارم بوصول الأستاذ أحمد الجندي قادما من صالة التحرير، أو من مكتب رئيس التحرير الأستاذ سعيد سمبل فهدأت أجواء العاصفة.

وسرنا نقلب شؤون الصحافة ومسار عملي فهو ليس اللقاء الأول بعد وصولي إذ معظم الصحفين والإذاعين قد زارني بالفندق فهم زملاء وأصدقاء ومعارف.

أسس لذلك الاحترام المتبادل والتناغم العملي والفكري وتحولت ثورة الأستاذة عفاف بردا وسلاما فهي وإن كنت لم أتشرف برؤيتها لأول مرة إلا في هذه اللحظة إلا أن الأستاذ أمين بسيوني قد ذكرني عندها ولو في حديث عابر. فأنا أفتخر أنني كنت وسط رجالات إذاعة صوت العرب ونسائها و كأنني أحدهم.

أما اللقاء الذي يستلزم المرور عليه هو لقائي مع الأستاذ موسى صبري رئيس مجلس إدارة الأخبار، وكانت الساعة أيضا تقترب من الواحدة، إذ كانت مواعيد العاملين بهذا الحقل تبدأ مع حلول فترة الظهيرة. إذ يأتون عادة متأخرين. لأنهم يغادرون متأخرين ليلا بعد أن تستكمل ترتيبات صدور الطبعة الأولى من جريد اليوم التالي التى بالغالب تكون بعد الثامنة مساء. إلا إذا كانت هنالك أحداث هامة منتظرة كخطاب لرئيس الجمهورية أو تغطية لأحداث عالمية لها صادرة بالتغطية  وبالصفحة الأولى.

دخلنا مكتب الأستاذ موسى صبرى وأعاد الأستاذ أحمد أبو بكر. عادته بالتعريف ومضيت بالتحية المعتادة وأنا كأنني إسماعيل يُتلُ للذبح.. فهذا رجل ليس بيني وبينه اي رابط؛ إنه من مدرسة مصطفي أمين بكل ما أعرف عن تاريخه المغرب عربيا والمتهم وطنيا وموسى هو حامل العلم لتوجه السلام الذى خطه الرئيس السادات والذي أنا كشخص عربي تربي على مفاهيم مغايرة. لما يسير فيه الفريق والذى يغالي في تأييده.  وطروحاته وهم يهدفون إلى تمزيق الأمة والسير بها نحو استعمار غربي المنشأ؛ لعدو الأمة الكيان الصهيوني ويهللون لإخراج مصر من مركزها القيادي للأمة، بها الأمة تكبر ومنه مصر. تستمد حيويتها وريادتها  وأهميتها العالمية.

ثم إن الأستاذ موسى صبري لم يكفه قيادته لهذا النهج بوصفه توجها. تقوده مصر بغية استرجاع سيناء كاملة وهي تمثل ثلث مساحتها المليون كم، مما يدعو لأخذ المد الصحفي بروي تحافظ على موقف التضمان العربي ووحدة الصف؛ بل سار هذا النهج وكأنه وُّكِّلَ له تمزيق العروبة تمزيقا لارجعة فيه، فنبشوا وسوَّفوا. ولفَّقوا، ولم يراعوا الله وأمانة الكلمة، وأوغلوا في جر مصر وأمتها إلى (الهاوية)، و شن موسى صبري في عامي ١٩٧٨ و ١٩٧٩ حملة مماثلة على الطلاب العرب متهمنا إيّاهم بالتزوير وغيرها من أوصافه اللاذاعة. وكنا ونحن  في السنة الرابعة بالجامعة نتأهب للتخرج والرجوع إلى أوطاننا نكاد أحيانا نود أن تنشق بنا الأرض ونحن نسمع تهامس الطلاب وهم يقرأون ما يكتبه هذا الأستاذ المخضرم الذى تسيَّد على الصحافة  المصرية ونظرهم إلينا شزرا. و زاد طيننا بلة أن هذا الاسلوب وهذه الحملة الشعواء  والتبشير بالرفاهية والنعم الموعودة التي سيجلبها السلام الموهوم تأثر به حتى الحراك الجامعي. ففي المحضرات بالفصل الأخير كان عميد الكلية يقدم لنا محاضرات؛ وكانت تصل به المغالاة؛ لأن يهبط بأسلوبه وحرمة وطنه وسيادته إلى القول: إن المساعدات الأمريكية التى يعدون بها الشعب هي مفتاح الحل والمستقبل والنهوض بمصر.  فكأنه. أراد أن يقول: إن مصر ستكون هبة المساعدات الأمريكية. كما يقال. إن مصر هبة النيل.  ومثلي يكاد يضحك. من أن يهبط. الوعي والتجهيل لهذا المستوى الرخيص، ماذا يكون من حديث معه إلا مجاملة أتحملها لأنني قبلت أن أكون في الموقع ولم أنتبه له قبل أن أواجه وجها لا أطيق رؤيته  تحملته قرابة ساعة وربما هو تحملني وأنا أبدو غير ما عرف عني  من حديث مستمر و حوار هادىء موضوعي تظهر فيه شخصيتي الواضحة غير المواربة أو المداهنة. ربما أخذ أحمد أبو بكر الحديث أكثر مني و بلَّغ ما كان لازما. لنخرج باحترام متبادل يحفظ للعمل ضروراته.. فشتان بين هذا اللقاء ولقائي بالأستاذ أحمد بهاء الدين؛  وخرجنا وكأننا غادرنا موقفا لا نحسد عليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى