مقال

ضوء الكتابة يماثل لمعانها.. تأملات في ديوان: شراع دمع للشاعرة أسراء الاسدي

بقلم: الناقد /ناظم ناصر القريشي

في البدء كانت العين ومن ثم الدموع، وفي البدء كانت الريح وبعد ذلك الأشرعة حسب توالي الأيام، وفي البدء كانت الرؤيا ثم الدهشة، ثم كان الشعر ومن بعده كانت الكلمات، ومن هنا ستداهمك الأسئلة بقوة، عن الدموع التي تنسكب على موسيقى البيانو، والتي ستتشكل على هيئة شراع بموسيقى الكمان، والتي ستتشكل على هيئة النهر الذي تنساب على مائه الكلمات بموسيقى الناي، وهي تجسد صورة اللهفة والاشتياق والألم، فهل يتحول كل دمع الى شراع، وكل شعر الى كلمات، وكل ألم الى موسيقى، هذا ما سنجده في ديوان الشاعرة أسراء الأسدي الموسوم)شراع دمع (الصادر من دار سوريانا الدولية في دمشق – سوريا؛ الذي ترقرقت والتمعت قصائده عبر رشاقة الكتابة وهذيان الضوء وتكاثف الموسيقى، واختزلت عبر التماعتها هذا السفر الطويل عبر الكتابة،

ونحن المصغين لموسيقاها صمتاً، والمتأملين لها، فالدمعة مثالية كقطرة الندى بحضورها الإيحائي والتأويلي, فلو نتتبع قصيدة “شراع دمع” والتي اختارتها عنواناً لديوانها عبر مسارها الجمالي سنجد أن الإيقاعات متناغمة ومتفاعلة مع الحركة الديناميكية التي اكتسبها النص عبر النقلات الرشيقة والمتواتر للصور، وحضور فكرة الإبحار بمعناها الايحائي الواسع سعة الفكرة ذاتها، وحضور الشراع كرمز مؤيد لتأويل الفكرة أيضا ومؤكد لها وهذا ما يؤكد أن الأبداع لدى الشاعرة هو خلق وابتكار قيمة جمالية تُعبّر عن حالة شعورية تسكنها الدهشة، لذا جعلت الإبحار هنا يكون من عينيه هو الى قلبها فتقول في القصيدة:

” أُبحرُ من عينيك 

إلى قلبي.. 

بشراع من دمع 

وأصداف ضفافك 

تغويني.. 

خالية الوفاض.. 

إلا من حلمي.. 

ونوارس روحي “

 تتجلى الصورة الشعرية، لدى اسراء الاسدي في تجسيدها الإبهار الكامن في اللحظة الشعرية لحظة حضورها وتدفقها في القصيدة. لتصبح الفكرة، قوة شعرية، وأن ذلك يحدث بالفعل.

ففي قصيدتها (عبث)تتلاحق فيها الكلمات بمتوالية تشكيلية تعبيرية بصرية لتوصل الصورة بالأخرى كأنها لوحة سريالية للحياة لكنها حقيقية تجسد فكرة العبث واللاجدوى فتقول:

” لِمَ ..

نكتب ..

طالما ..

الرحلةُ قصيرة ..

والشعر شماعة آهات ..

مشاجبُ خسارات ..

عبث ..

هي الرحلة ..

التي تفضي لرحلات ..

الحروب ..

طواحينُ الهواء ..

الصلاة ..

رمضاءُ الروح ..

فلاةُ الحنين ..

عبث ..

كلها عناءات “

وفي قصيدتها (رمال)نجد هذه الكوميديا السوداء بمرارتها ومفارقاتها القاسية حد البكاء تضعنا بين موتين:

” بمقابرهم

نشتهي الموت

بمدننا

لا نشتهي الحياة ..

*

في مقابرنا

لا شيء

غيرُ لفح الريح

رمال وصور صفراء

نواح طويل 

*

في مدننا … مقابرنا

تنعق غربان الأحزاب

يستفحل الخراب

بين موتين “

كما لمسنا نظرة الدهشة من عين الدمع، وفي التدفق الصوري بنسق الموجات المتتالية كصوت الناي كأنه إشراقات الروح، يأتي من بعيد، ويذهب الى البعيد، فنقرأ ذلك في قصيدة (نايات):

يتبغدد الليل

يتبغدد النهر

وتأن نايات روحي..

تسافر 

تطوف 

هناك بأشرعة من حرير..

مواقد الشوق

مواقد الشعر 

تذوب بأغاني الحياة..

هذه الدمعة بنزعتها الصوفية تأخذ خيالنا وتستحوذ على فضاء مشاعرنا، وتقود الشعر حيث تريد وتقود أفكارنا معه، فهي معنى مخفي في معنى، بنبضها الحي وبوجدانيتها قابلة لتمثل فعل الاقتراب والتحاور والتعاطف معها فنقرأ في قصيدة (تبغدد) هذا الفعل المدهش المشتق من اسم مدينة بغداد؛ وهو اول فعل يُشتق من اسم مدينة لسمو ورفعة بغداد بحضارتها في زمنها الذهبي وحضورها الدائم كمثال للجمال تقول الشاعرة: 

” يا أم دجلةَ 

يا أمَ كهرمانة

يا أم شهرزاد

يا.. بغداد 

سلمت صبية نور 

رغم الحزن 

رغم البعاد “

إن جملة الإيقاع والابداع تمثلت في كلمة يا أم وتكرارها بالتبادل مع كلمة أنت مع الصور التي تمثلها:

” أنت ..

حبيبة روحي

أنت ..

الدنيا

أنت ..

الجنة

أنت ..

المعاد

أما قصيدة) أحبك (هذه الكلمة التي ما زال حضورها التراجيدي كأثر لحضور الحياة كأنها كائن حي في ألق الروح، رغم أنها متوحدة مع ذاتها، كأنها فكرة قلقة غير مستقرة، أو هي مشهد متكامل لما ترويه، كأنها قصيدة قادمة، تبدأ من نقطة متقدمة في القول:

” أحبك 

دونها 

كلّ 

الكلمات 

خرساء 

ودون حبّك 

كل 

ساعات 

العمر 

هباء “

قصائد هذا الديوان حكت بشكل ما عن الحياة، بلغة سهلة، بسيطة رشيقة وسلسة، برهنت على قدرة الشاعرة إسراء الأسدي الإبداعية في توظيف الصورة وحلولها في المشهد الجمالي الشعري، والوعي بمستويات الإيقاعات والتنغيم تتناسب وحسها الشاعري؛ وبذلك فإن القصيدة لديها هي صورة متعددة الدلالات يتحقق فيها الفعل الشعري والشكل التعبيري ذلك لأنها تزخر بالتأويل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى