في البدء كان العراق.. اشتغالات  المنفى ومنظومة الذاكرة اليقظة .

حامد عبد الحسين حميدي |ناقد عراقي 

 

(1)

النصُّ المحفّز الذي يوقظُ فينا رغبةَ التأمل والمتابعة،هو نصٌّ فاعلٌ بامتياز يعتمدُه الشّاعر مِن خلال منظومةِ ارسالياتٍ محدّدةٍ ومتكاملةٍ الرؤى، ثمّ يتلقفها القارئ وبشحناتٍ متتاليةٍ لتكشفَ له فيما بعد عن حُزمة مُترابطة مِنَ التداعياتِ الداخليةِ والخارجيةِ، فعالمنا الباطنيّ متراكم بجملةٍ من التورطات المتخمة بواقعٍ لا يحتملُ إلا أبعاداً متفاوتة، ربّما في نهاية الأمر تحرّضُنا على الانفلاتِ أحياناً أو التمسكِ أخرى بماتبقى لنا،وشتانَ ما بينَ الاثنتينِ، فللمفردةِ والتركيبِ خطورة أقوى مما يتوقعه الآخرون، والقارئُ الفاعل يجدُ فيها لذّة ومتعة التقصيّ عن تلك الفضاءات المُزدحمة في ماهيات النصِّ الناطق ولو ضمنياً، نحنُ هنا سنتعرفُ على شاعرٍ امتلكَ كلَّ الأدواتِ الفنيةِ الناجعةِ، واتضحتْأمامنا قدرته على تطويعِها وبحسبِ ما يقع نُصْب عينيه، مِن يومياتٍ متناقضةٍ، فهو مُدركٌ لكلّ ما يدورُ حوله،مِن عبثية ضاجّة، وفوضوية خارجة عن حدودِ المعقول، مما ولّدتْ لنا مسارات مختلفة، ذات فِكرٍ صادِم وبعيد كلّ البُعد عما جُبِلنا عليه، لعلّ (الأب يوسف جزراوي) فينصوصهِ يتحركُ وعلى وفق منظومةٍ داخليةٍ ذات نسقيةِ الشّعور المتجذّر لوطنهِ، واحساسهِ المُرهف في خلقِ عالمه الخاصّ بعيداً عن وسوسةِالغرباءِ الذين يحاولونَ تمزيقَ صورةِ الوطنِ وتدميرَ معالمهِ الأثريةِ وضياعها:

عن دموع كاهنٍ بغدادي

بكى وطنه حنيناً

على حواف الأرصفة

المُبتلة بدموع الغرباء .. (آثار دمعة)

ممّا توالدتْ لديه صورٌ أخرى لهم، فالموتُ والدمارُ وتشظّياتُ الواقع المريرِ، وفجيعةُ مخلفاتِ الاحتلالِ المقيت، وتغييرات في ديموغرافيةِالانسانِ العراقيّ، وهذيانات الدروبِ الحالكةِ، التي كانتْ وما تزالُ تعجّ بالخرابِ والفسادِ، بعدما كانَ العراقُ بلداً آمناً مُطمئناً، خيرُه الوفيريمتدُ إلى الشّعوبِ الفقيرةِ المحتاجة، ليشبعها محبّة وسلاماً، هذه الصّورةُ الشّعريةُ المحفّزةُ لذهنيةِ القارئ، تكمنُ فيها استرجاعيةَ ذاكرةٍ يقظةٍ:

وكيف أرثي شعباً

كفّه صارت صحناً

لشعوب افتقرتْ وجاعتْ (نخلة استطالت بها المنايا).

ثمّ تتنفّسُ لديه رئتا الصّبر بأيقونةِ الانتظار، وهو يداعبُ أمله علَّ بارقةً منها تطفئ ذلك الهوسُ الرافدينيّ والعشقُ الممزوج بنكهة الفنجانِ الذيتفوحُ منه رائحةُ القهوةِ :

فالانتظار سيجلس

على مقعد بقربك

يثرثر كثيراً ببلادة

وينتظر بفارغ الصبر

مكاملة من وطن

يدعى الانتظار !! (قارئة الفنجان).

(2) غلبتْ على أسلوبيةِ نصوصِ (الأب يوسف جزراوي) مسحةُ الصّور الدينيةِ والاقتباساتِ والتضمينات مِن الكتبِ السّماوية المنزّلة والحكموالأمثال والطقوس الشعبية المشهورة، لِما يمتلكُه مِن تطلعاتٍ ثقافيةٍ ودينيةٍ عاليةٍ ، وقيمةٍ انسانيةٍ رفيعةٍ ولما يحملُ بينَ خافقيه مِن هدفٍ نبيلجعلَ مِن نصوصهِ، مُرسلات ذات طابع انساني لا تشوبه شائ، فصوتُ التسامح والمحبّة والسلام، وتوحيد الرّؤى ونبذ الفرقة والتناحروالبغضاء كانتْ أبرزُ ما حملته نصوصُه، ودعتْ إليه ونطقتْ بمفهومات كبيرة، لتكونَ مِحوراً مهمّاً في تقريبِ مفهوماتِ الرّسالات السّماويةوبما تضمنته مِن مبادئ عليا ضِمن خطابياتِ (النداء والاستفهام):

وبصمتٍ عاتب السماء

ربّاه

ما هذا الشقاء ؟

لا تغفر لهم

لأنهم يعلمون ما يفعلون .. (لقد مات أعزل)

لتهيمنَ على نصوصهِ النّزعةَ الرّوحيةَ الطافحةَ بكلّ كمالياتِ الذّات المسالمةِ، والجوّ الهادئ الذيتنسجمُ فيه طقوسٌ ذاتَ منحىً تراتيليّ،لتتعالى الأصواتُ هاتفةً، أنّ الحياةَ لعمل الإنسان الحرّ الخالد، لمَنْ يوقدُ شمعة لينيرَ بها طريقَ الآخرينَ، كما نجدُ ميولَه الى استخدام ماتداولَ على ألسنةِ الناسِ واشتهر، ومنها:

وقلت لنفسي :

كذب المنجمون ولو صدقوا

لكن على ما يبدو

أنها صدقت في كذبتها !! (قارئة الفنجان) فعبارة (كذب المنجمونَ ولو صدقوا) مقولة متداولة ومشهورة، وكذا استخدامه (اتقِ شرّ مَن أحسنت أليه !!)، في قوله : لئلا تردّد مع القائلين :

اتقِ شرّ من أحسنت إليه! (قارئة الفنجان)

في أغلبِ نصوصهِ، نجدُه يحاكي لغةَ القرآنِ الكريم مُقتبساً قوله تعالى: ليس على الأعمى من حرج ) في قوله: وليس على المغترب  حرج في ذلك!! ( قارئة الفنجان)

كما نجدُ في أسلوبهِ ثورةً عارمةً لا يمكنه أنْ يخفيها بل يطلقَ لها العنان مع تصاعدِ غلواء الرّوح المتأججة الثائرة، وهو يعاني من غربتهِوابتعادِه عن موطنهِ الأصليّ ليكونَ رهينَ منفى و حلمٍ لا حدَّ له:

احذري أن تقتفي أثر مهاجر

منحه الاغتراب جنسيتين

في وقت يأبى ساسة وطنه

منحه أمان الإقامة !! (احذري). فمعالمُ صورته الحقيقية التي تظهرُ لنا جلياً بينَ نصوصهِ هنا وهناك، فيها إيمانٌ مطلقٌ بالفكرِ الهادفِ غير الملوث بالمظاهر الدنيوية الزائلة حيثُ شخصيته المتحرّرة والمنسجمة مُجتمعياً مع كلّ المكوناتِ:

لي فكر يختلف

ينبذ التخلف والتعصب

لا يمتّ الى العنصرية بصلة

ولا يستهويني التخوين

إذ لست من هواة

تمزيق الصورة الاجتماعية للآخرين . (احذري).

(3)القارئُ سيجدُ في هذه المجموعةِ الشعريةِ، علائقيةُ الشاعرِ بالوطنِ ونخيله وكلّ ما طرأ عليه من حوادثٍ جمّة، رغبةً منه في عدم الانسلاخ عنه، لأنّه ابن بارّ يعي ما يدور خلفَ الكواليس من مؤامراتٍ كبيرة، تحاولُ من خلاله القوى الخارجية الإطاحة به، وزّجه في دهاليز الظلمة الأبدية، مما جعله متعلّقاً بكلّ حدثٍ صغيرٍ أو كبيرٍ مترقّب ليرى أنّ روحَه عالقةٌ هناك:

وعلام التعلّق بعراقيّ

عيناه كشاشة تلفاز

تبث أحزان العراق .. (أحذري)

كما نلحظُ النفسَ الشعريّ الطويل الذي يحظى به (الأب جزراوي) لتمتدَ قصائدُه ضمنَ فضاءاتٍ شاسعةٍ من الأسطر، تتحرّك بحريةٍ تامّةٍ ،وبأسلوب ذي منحى منبسط سلس فلا تعقيدَ ولا نبو، بل فيه كتلة من التناغمات المترابطة، هذا الأمر ربّما يعودُ لكونهِ رجل دين واعٍ، اعتادَ على تلاوة الصلوات التي طالما تبركنا بسماعها ليجسّ مكامن الوجع والحزن في قلوبنا، ليضمدَها بالغفرانِ والابتهالِ الى اللهِ تعالى ليمسحَعنّا كلّ الذنوبِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى