عن الفصيل الفلسطيني مع كل التقدير

د. أحمد رفيق عوض | فلسطين

ما لا يستطيع العقل حلهّ أو تفكيكه، فإن الزمن كفيل بذلك تماماً، هذه حكمة مذهلة، تثبت دائماً صحتها على المستوى الشخصي وغير الشخصي. فما كان مرفوضاً في الماضي أو مستنكراً يتحول بفعل الزمن إلى أمر عادي جداً. فالزمن يغير الوعي ويغير المصلحة ويغير الموقع ويغير التحالفات ويغير المزاج أيضاً. ما علاقة هذا بالفصائل الفلسطينية؟! العلاقة كبيرة وواضحة. فالفصائل التي تشكلت في المنافي وصاغت برامجها ومرجعياتها في عالم ثنائي القطب لم تعد كذلك في الوطن، تغيرت الأدوات والسلوك والعلاقات، وانخفضت السقوف وتغيرت اللغة، ودخلنا جميعاً في أزمة عميقة ما بين ما نطمح إليه وما نستطيع تحقيقه. اهتزت الرؤية واضطربت البوصلة ما بين المقولة الجامعة والنهائية والمطلقة الى مقولات غير منسجمة ولا مترابطة وتتراجع يوماً بعد يوم.

والفصيل الذي نبت في المنافي يجد صعوبة أن يعيد اطروحته في واقع معقد وضيق ومليء بالمخاطر، وازمة الفصيل الفلسطيني بمعظمه تأتي من اشكالية الجمع بين مرجعياته وبين سلوكه. وإذا تناقض السلوك مع المرجعية فإن من الواجب تغيير أحدهما. لا بد من الحسم ومراجعة الأمر تماماً. وإلا فإن التآكل والاضمحلال او الانقسام والصدام هو المصير. لا بد للفصيل الفلسطيني أن يحسم أمره، إما واقعية مدروسة ومخططة ومتدرجة وحكيمة أو رفض كامل للواقع ومعطياته وتحدياته ومحاذيره. حسم الموقف يعني اما تغيير المرجعيات لتصبح مرنة تقبل المتغيرات وتتعامل معها بدون حساسيات وانفجار وازمات وجدانية وعقلية، او تغيير السلوك بحيث ينسجم مع هذه المرجعيات لاستعادة المنطلقات الاولى والبدء من جديد. لا يمكن التمتع بخيرات الواقع دون دفع الثمن، ولا يمكن انتهاج سلوك يتعرض دائما لانتقاد من حيث خروجه عن المألوف أو عن المرجعيات الأولى.

لا يمكن للفصيل الفلسطيني أن يطلب السلامة أو التمويل من العدو، أو أن يمارس ذات الأساليب القديمة ثم يطلب الدعم من المجتمع الدولي المتهم دائما بالانحياز. وحتى أكون واضحاً في هذا الكلام حتى لا يؤخذ إلى مناطق لم أقصدها أبداً، أقول إن الفصيل الفلسطيني مهدد بالذوبان أو التآكل أو الافلاس ان لم يجدد نفسه، تجديد يشمل المرجعيات ذاتها والاداء والتربية والاهداف وقائمة الاصدقاء والأعداء. أقصد هنا أن يعيد كل فصيل محاسبته لنفسه، فهل يجب الاستمرار في اتفاق سياسي تمكن حتى الآن من تمزيقنا جغرافياً وسياسياً ويحاول تمزيقنا اجتماعياً!!، وهل يجب الاستمرار في وضع مريح للمحتل بحيث يعطي صورة للإقليم والعالم ان الاحتلال يمكن التعايش معه او تجميله او اعادة انتاجه او إنزال كلفة سيطرته على ارضنا وشعبنا عن كاهله؟!

ما اقصده هو ان الفصيل الفلسطيني مدعو الى اعادة النظر في اطروحاته الفكرية والسياسية والنضالية من منطلق الواقع الذي نتواجد فيه، هذا الواقع الذي أصبح كالمنجل الذي بلعه الثعلب والقصة معروفة؟! الحلول الوسط والموقف الوسط قد يكون مفيداً في بعض الأحيان ولكنه ليس مفيداً في كل الأحيان، وحتى أكون واضحاً أكثر، ولأنني أؤمن بأن الفصيل الفلسطيني ما يزال هو الممثل السياسي للشعب الفلسطيني والقائد الفعلي لمبادراته، فإن هذا الفصيل إذا لم يجدد مرجعيته الفكرية والسياسية والنضالية، فإن القوى الأخرى ستحل محله، وهي قوى تتصاعد وتستكشف طريقها أما اعتماداً على ذاتها أو على غيرها، وهي قوى ونخب مدربة وغير مدربة، مخلصة وغير مخلصة، ولكن، في غمرة التحولات التاريخية الكبرى، فإن الحابل يختلط بالنابل بحيث تضيع الفرصة تماماً. هذه دعوة للخروج من الأزمة الفكرية والسياسية للفصيل، بحيث يحسم موقفه وإداءه وسلوكه. حسم الموقف اتجاه الواقع الذي نحياه الآن سيحدد الاتجاهات والسياسات ونوعية الاشخاص وطبيعة الخطط.

قبل خمسة أعوام نشرت عمادة البحث العلمي والدراسات العليا ومركز الدراسات المستقبلية وقياس الرأي في جامعة القدس المفتوحة، بحثاً صغيراً لي بعنوان “مستقبل الأحزاب والحركات الفلسطينية: قراءة نقدية تحليلية” جاء فيه بالحرف “تبقى مصداقية الأحزاب جميعها مرتبطة بالانتصار على الاحتلال واقامة الدولة، وهو ما لم يتحقق حتى هذه اللحظة، الامر الذي يترك ثغرة كبيرة المصداقية والتمثيل والشرعية والاستمرارية”، وجاء فيه أيضاً “لا يمكن للحزب أن يستمد شرعيته وبقاءه إلا من خلال المقاومة، المقاومة الواعية المستنيرة التي لا تحتكر السلطة ولا القرار ولا الحقيقة والتي تستوعب حركة الشعب بأكمله والتي لا تجمع كل المهمات بيدها”. هذا كتب قبل خمس سنوات وأعيده هنا لوجوب استعادته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى