مكارم الأخلاق.. قول وعمل

محمد أسامة | الولايات المتحدة الأمريكية

 زينة المرء خُلقه، ونجاحه في حياته سموُّ نفسه، وعلوُّ همَّته، ونقاء طبعه، وصفاء نفسه، واتفاق ظاهره مع علانيته، وما ربح امرؤ تنازل يومًا عن مكارم أخلاقه، ولطَّخ النفاق والسواد بعض صفاته، ومن ارتقت أخلاقه، وحسنت صفاته، ارتفعت منزلته، وعلت بين الناس مكانته، وافتُتحت له أبواب النجاح، وتيسَّرت له سبل الحياة، ومن غفل عن ثمار حسن الخلق خسر خسرانًا عظيمًا، وفقد في دنياه وآخرته خيرًا جزيلًا، وإنَّما لا يربح المرء من حوله بأمواله، إنما يربحهم برفقه ومكارم أخلاقه.

 حتى العرب في جاهليَّتهم، رغم نزاعاتهم ووثنيتهم، امتازوا بأخلاق سامية، وصفات رائعة، فاحترموا الجوار، وأبوا الضيم، ورفضوا الغدر، والتزموا بالوعود والعهود، واتصفوا بالكرم وحسن الضيافة، والإباء ونصرة الضعيف، بل منهم من كان يدفع حياته ثمنًا للحفاظ على تلك المبادئ السامية، وهذه القيم الرائعة، وكانوا رغم وثنيَّتهم على قدرٍ من الشهامة والخلق، والسمو والألق، فبُعث نبي الإسلام محمد ﷺ لكي يتمِّم مكارم الأخلاق، فمن التزمها سلك طريقًا سهلًا أوَّله، عظيمًا آخره، مشرقةً خاتمته، ومن أضاعها هان وكان من الخاسرين.

ومن حَسُنَ خلقه، التفَّ الناس حوله، فرفعوا قدره بينهم، وجعلوه فوق رؤسهم، فكان حُسْنُ خلقه منبرًا يبرز محاسنه، ويكشف لهم فضائله، وستارًا يخفي عيوبه، ويمحو بعض ذنوبه، وربح بحسن خلقه قلوب من حوله، فالناس تميل إلى من ترقَّقت طباعه، وحسنت صفاته، ومَن أحسنَ لهم في معاملتهم، وعَمِل بحسن أصله معهم، فيدرأ بالحسنة السيئة، ويدفع بالتي هي أحسن فيكون من الرابحين.

 إنَّ الله تعالى قد جعل منزلة في أعلى الجنة لمن حَسُنَ خلقه، وصفت نفسه، وبلَّغه في آخرته درجه الصائم القائم، وعلا به فوق الزاهد العابد، وما هذا إلا لما ينشره في مجتمعه من الفضيلة، وما يبثُّه في روح الناس من التفاؤل، وما يبذله من شيوع المعروف ومكارم الأخلاق، مما يتصف مع أخلاق الإسلام ولهذا جعل الإسلام خيارَ الناس في الدنيا والآخرة أحاسنهم أخلاقًا.

 ولا ينصلح دين المرء إلا بحسن الخلق، والأخذ بالعُرف، والإعراض عن الجاهلين، فإنَّ حُسْنَ الخلق يذيب خطايا المرء، يمحو ذبوبها، ويُبعد آثاراها، ويجعل من العدو وليًّا حميمًا، ويُصيِّرُ الخصم معينًا ورفيقًا، وكم من فتى ربح معركته بحُسن أخلاقه، فأحبَّ الناس ذكره، وأشادوا بقوله وفعله، وأمنوا بوائقه.

 ومن حسن أخلاق المرء نصرة الضعيف، وإغاثة الملهوف، وبسط الرحمة للصغير، وتوقير واحترام الكبير، والعناية باليتيم من غير قهر، وإجابة السائل من غير نهر، والصبر على الشدائد، والجلَد في مواجهة المصاعب، فذلك مفتاح للجنة، ونافذة الفرج، ورداء تتسربل به النفس، وزينة يتزين بها المرء، وليس أفضل للعبد الصالح من أن يكون على خلقٍ عظيم، وطبعٍ قويم، فيصير هذا ثقلًا له في ميزان حسناته، وطهرًا يدرأ عنه العذاب يوم القيامة.

 ومن حسن أخلاق المرء تركه ما لا يعنيه، والانصراف إلى ما يعنيه، وترك تعقُّب عيوب غيره، والاهتمام بعيوب نفسه، فأمَرَ بالمعروف ونهى عن المنكر، ونصح نفسه ثم نصح غيره، وخالَق صحبه بخلق حسن، فكان هذا من عزم الأمور.

 ومن مكارم الأخلاق حُسْنُ الظن، وتقديم الرفق، والمحبَّة في الله، ومرافقة الصالحين، ومصاحبة المؤمنين، والتزام التواضع واجتناب الكبر، فإنَّها أمور تجلب لصاحبها القبول في الدنيا، وتمنحه المنزلة العليا، وتُدني له البِرَّ، وتهبه السلامة من كل شر.

 ومن حسن أخلاق المرء حلمُه وأناته، ورحم الله امرأً عفا عمَّن ظلمه، وصفح عمن بهته، وأعطى من منعه، وقابل الإساءة بالإحسان، وعمَّر قلبه بالإيمان، ومضى بين الناس شكورًا حليمًا، أوَّاهًا منيبًا، فسعى بينهم بالإصلاح، وسادهم بمكارم الأخلاق، وسار فيهم سيرة حسنة يرتضيها الكريم، ويقدِّرها الخلوق الحليم، فكظم غيظه وقت الغضب، والتزم بالحلم وقت الحنق، وبرز عند الفزع، واختفى وقت الطمع، فلا يترك لخصمِه مدخلًا للطَّعن فيه، أو سبيلًا للنيل منه.

 والربح العظيم الذي يبلغه المرء في دنياه، ويحقق به أهدافه ومسعاه، إنما يتحقَّق باستبقاق الخيرات، وإكرام الجار، واجتناب الإثم، وحفظ الأمانة، ودفع سوء الظن، ألا إن أعظم الناس شأنًا يوم القيامة من اعتصم بحبل الله، ووصل الرحم، وأكثر من الصالحات واجتنب الكبائر والموبقات، فتوكل على الله، وأصلح ذات البين، ولقي الناس بوجه طلق، وعاملهم بلطف وكرم وألق، فتكون تلك الصفات له يوم القيامة نورًا، والسعي في سبيلها برهانًا وضياء.

 ولا خير من إنسان شغل وقته بقضاء حوائج غيره، فسعى في إتمامها، وعمل على تحقيقها، فمن قضى حاجة غيره قضى الله حاجته، ومن سعى في أمورهم وفَّق الله من يسعى من أجله، ومن فكَّ كُربة مؤمنٍ فكَّ الله كُربته، والخير كل الخير في امرئ وهبه الله قدرًا من الحكمة، ورزقة الموعظة الحسنة، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، فكان ذلك من الله فضلًا عظيمًا، وأجرًا جليلًا، ومن اتَّصف بالحكمة كان أقدر الناس على التعامِل مع غيره، وأبصرهم في أمورهم، وأدراهم بمصلحتهم، فجادل الناس بالتي هي أحسن، ومضى في الدنيا بما هو أتمُّ وأحلم، ومن أُوتي الحكمة فقد أُوتى خيرًا كثيرًا.

 والمجتمع الذي يشيع فيه حسن الخلق، تتطوَّر طبقاته، وتتطهَّر فصائله، وتنضجُ أفكاره، فيُصيب حظًّا من العلم والحلم، والإدراك والفهم، والإزدهار والتحضر، والنقاء والتأدب، ومجاراة تطوُّر العلم والحداثة، فيختفي الجهل، وتنتشر الفضيلة، وتنحصر الرذيلة، فكانت مكارم الأخلاق لهذا هي كنز الإنسان وتاجه، وثروته وعدَّته ونتاجه، وهي التي تحدِّد قدره، وترسم منزلته، وترفع ذكره، وتُعلي مكانته، فمن أخذها طريقًا لسيره، ودربًا لحياته، بلغ بها مع الحياء شعبةً من الإيمان، وأدرك قدرًا من الإحسان، فإنَّ أحبَّ الناس إلى رسول الله ﷺ يوم القيامة وأقربهم منزلة أحاسنهم أخلاقًا، وأرقُّهم طباعًا، وأعفُّهم نفسًا، وأصدقهم سريرةً، وقد جعل الله لنا مع العسر يسرًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى