البؤساء.. الدين والقانون والمجتمع

محمد عبد العظيم العجمي | كاتب مصري

يٌطوّف بنا الكاتب في رحلة من حقب الاضمحلال الأوربي.. وما كانت حقب أوربا كلها إلا اضمحلال، غير أنها كانت تنتقل من نوع إلى نوع ومن طور إلى طور؛ فمن وثنية اليونان وتخبطهم واختراع الآلهة والصراع بينها، مع السفسطة وتراجع القيم ونسبيتها وانهيار الأخلاق، إلى جور الرومان وغلظتهم، وتحريفهم عقيدة المسيح عليه السلام الموحدة، والانحياز بها عن جادة الصواب، إلى عصور الظلام وتغييب العقل والعلم ومحاكم التفتيش.. وأخيرا قفزا إلى طفرة الحضارة الحديثة على حساب ما تبقى من المسيحية وانهيار الأخلاق والإلحاد والشذوذ.. وعلى إثر خطاها هرع المجتمع الأمريكي،كما قال برنارد شو عن أمريكا” من الهمجية إلى المدنية دون المرور بمرحلة الحضارة !!

تبدأ هذه الرحلة مع السجين (جان فالجان) الذي يقضي في سجنه عامين من الأشغال الشاقة بسبب سرقة (رغيف خبر) مضطرا بعد أن أحرق الجوع كبده ، فيخرج من سجنه محملا بالنقمة والحنق على هذا المجتمع الذي ألجأه إلى السرقة، ثم إلى السجن من بعدها؛ ويوضع تحت المراقبة.. فيصادف منزلا لعابد كانت له بقية من الديانة والإنسانية فيكرمه وينزله داره ويطعمه، لكن تبقى مرارة السجن حارقة في حلقه فيسرق (فضة) من صاحب الدار، ويقبض عليه ويدعي أنه صديق لصاحب المنزل قد أهداه الفضة ، وما يلبث أن يصبح بينه وبين السجن خطوة حين يقر صاحب المنزل بسرقته.

يفاجأ الرجل أن العابد يقر ما ادعاه ويترك له الفضة، ثم يقول له: لقد نسيت بقية الهدية الأهم وهو (الشمعدان) من الفضة أيضا، ويتملكه الذهول والفكر عن تفسير لصينع الرجل حتى يستفيض الندم من قلبه، ويأسى على فعله.. وفي لحظة تقطع داخلى واصطراع بين النفس اللوامة والامارة يعزم على العودة لبقايا الإنسان بداخله، ويغير مساره الفكري والعملي.

هذه الفضة التي أهداها له العابد هي المعدن النقي الذي يرمز له الكاتب بقيمة الخير الرابضة داخل الإنسان ، والتي لا تستقيم إلا بهدى من النور الذي رمز إليه بالشمعدان.. ليعلمه أن جانب الخير كامن بداخله وداخل كل إنسان نقيا كالفضة ، وهو في غنى عما في أيدي البشر .. عليه فقط أن يتحسس الخير بداخله، ويستهدي بهادي النور حتى يوظفه في الطريق الصحيح.

ويظل البطل محتفظا بالفضة داخل حقيبته لا يبيع منها شيء، ولا يفرط في شيء منها قابضا عليها أينما رحل، وقد عزم على أن يقدم الخير للناس أينما حل، تمثلا بما قد قدم له، وقناعة بأن الشر والخير كامنين بداخل كل بشر لا يحتجب أحدهما عنه؛ إلا فقط أن يبحث في قرارة نفسه الفطرية فيجد كل منهما ، ثم ما عليه إلا أن يختار.

يحقق البطل ثروة ومقاما اجتماعيا مرموقا، ثم يجعل جل دخله وعمله لمساعدة الفقراء والبؤساء على كثرتهم في هذا المجتمع (الفرنسي) الذي يحيا فيه، وقد كان مجتمعا مهترئ القيم، متقطع الأوصال، مضيعا للأنساب والأرحام، هاضما للضعفاء، محتقرا للبؤساء، مع أن جل شعبه كذلك إلا أن النفوس حينما تتردى في دركات الفقر والجهل لا تفيض على نفسها إلا حسدا وذما.. وهنا تبدأ من جديد رحلة من الصراع أمام البطل.

تظهر صورة ممثل القانون (المفتش) الذي يلاحقه وقد كان متأمرا عليه في السجن فيحاول جاهدا التعرف عليه ليرده إلى السجن، وقد كان رجلا فظا غليظا غاضت من بين جوانحه كل معان الرحمة والإنسانية ، ولم يعد إلا عبدا للقانون ينزله أينما حل على من رأى فيه شوبا من شبهة؛ ثم إنه كان يتحسس ويتجسس عن دواخل الناس وضمائرهم لا فقط على سلوكياتهم؛ ويدور هذا الحوار بينه وبين (فالجان) حين يحاول أن يجمع احصائيات عن تاريخ كل سكان المدينة فيقول فالجان: “ربما تكون مخطئا.. أحيانا ينتقل الناس لمدن جديدة ليبدأوا حياة نظيفة .. لعلك بالتنقيب في حياتهم الخاصة تضر أكثر مما تفيد، فيرد المفتش: المواطن الشريف لا يخشى شيئا، العلم الحديث يخبرنا أن الناس بطبيعتهم إما مطيعين للقانون أو خارجين عليه .. ربما يرتدي الذئب ثياب الحمل، لكنه يظل ذئبا”.

هكذا يحتدم الصراع بين الصوت الديني الأخلاقي الذي يريد أن يبرز في الناس أعظم ما لديهم، ويطفئ بداخلهم جذوة الشر المتقدة على إثر الحقد الاجتماعي والترف والشهوات، وبين الصوت الذي يتهم الإنسان بطبيعته حتى تثبت براءته ولا تثبت عنده أبدا، فيأبى إلا أن يستفز كوامن الشر بداخله أن تفصح عن نفسها؛ ثم يشرع بمعاقبته.

وتبرز صورة أخرى من صور البؤس التي حاكها المجتمع بسلبيته وعدوانيته؛ صورة الغانية التائبة التي تلاحقها نظرات الاتهام، وطعنات الألسن، والغمزات واللمزات حتى يتم طردها من العمل ليتلقفها الشارع مرة أخرى، لتعود مكرهة إلى البغاء بعد توبتها؛ وتقفز إلى الأذهان مقولة السيد العظيم (المسيح) عليه السلام في واقعة مماثلة “من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر”، وكذلك ما حكاه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في خبر من كان قبلنا أن رجلا تصدق بصدقة فوقعت في يد غني، ثم تصدق فوقعت في يد سارق ، ثم تصدق فوقعت في يد بغي.. فعزم أن يعود فيتصدق فسمع مناديا يقول: أما صدقتك فقد قبلت فلعل الغني أن يتصدق، ولعل السارق أن يتوب ، ولعل الغانية أن تستعف”.. فكيف غاب عن هؤلاء جميعا مثل هذه القيم؟!!

لم يكن أحد من هذا المجتمع إلا ويحمل في نفسه من الشر ما يحمل ، إلا أن الجميع أبى إلا الامتثال للقانون، وإخفاء دخائن النفوس، ولكن ظل كل منهم يحمل في طيه أدوات الاتهام والحقد على صاحبه ، حتى إذا ما ظهرت منه بادرة خطأ ــ والبشر خطاءون ـــ أسرعوا يتهمونه ويرجمونه بألسنتهم قبل أيديهم.

لقد وقع المجتمع أسيرا لطقوس الشكل القانوني والامتثال الأعمى، وغابت فيه روح الإنسانية والقيم الخلقية والروح الدينية حتى صار ممتثلا لكنه خائفا، وصار طائعا لكن حاقدا، ومنضبطا لكن متخاذلا، ولو أذعن لقيم السماء من خارجه، أو قيم الروح من داخله مع خطأه واستقامته لكان أفضل من أن تموت روح الخير والشر كلاهما بداخله.

وتموت الغانية ضحية لحقد اجتماعي غير مبرر، ويلاحق المفتش (فالجان) مصرا أن يرده إلى السجن ، ويصر فالجان على ألا يعود؛ لكنه يظل قابضا على جمر الخير الذي عاهد الله عليه بعدما أسدى إليه صاحب الفضة؛ حتى يتمكن فالجان من المفتش فلا يرضى بقتله ويعفو عنه .. وتدور الدائرة فيقبض على فالجان ويلتقيه المفتش على ضفة النهر لكنه في هذه المرة نادما على هذا الامتثال الأعمى للقانون الذي طمس بداخله معالم إنسانيته، ولا يستطيع مهما حاول أن يعود إليها، لكنه يريد أن يعفو عن فالجان لصوت ما بداخله لا يزال يقظا ، فيقول له “من المؤسف أن يمنعني القانون أن أكون رحيما”.. ثم ينتصر على نفسه ويعفو عن فالجان ويلقي بنفسه في النهر عله أن يغسل عنه خطاياه التي أبى أن يعترف بها إلا بين مياهه السائحة الطاهرة.

ويبقى الإنسان أبدا أسير الإحسان، ويبقى صوت الضمير والدين هما القيمة الحقيقية التي يجب أن يحيا لها الإنسان وعليها، أما صوت القانون ـــ وحده ــ فلا يصنع إلا شراذم من البؤساء خواء من القيم ، بٌعٌدا من  الإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى