الرئيسية / دين / من مِشْكاةِ النبوّة

من مِشْكاةِ النبوّة

د. خضر محجز | فلسطين
حديث بدء الوحي 3:
وصلنا بالأمس إلى قول أُمّنا عائشة، في روايتها لما حدث مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلة نزول الوحي عليه أول مرة بغار حراء، إلى أن قالت:
فقال عبدٌ يشرح ما قالت أُمُّهُ: أولاً: قولها: “حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ”:
“حَتَّى”: هنا هي التي لانتهاء الغاية، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (القدر/5) أي: إلى طلوع الفجر. فكأن قد قالت أُمُّنا: “إلى أنْ فَجِئَهُ الْحَقُّ”.
وقولها” “فَجِئَهُ الْحَقُّ” رُوِيَ عنها هكذا بكسر الجيم: “فَجِئَهُ”، ورُوِيَ بفتحها “فَجَأَهُ”. قلت: وهو من نطق أُمِّنا في المرتين: تنطق بالكلمة وهي تروي، فربما سمعها راوٍ مرة تقول: “فَجِئَهُ”، وربما سمعها راوٍ غيره تقول: “فَجَأَهُ”.
وهذا أولى من قولنا إن الكلام من سماع الراوي ينقله بلغته. ولقد يمكن أن يكون كذلك، ولكن لا نلجأ إليه، حتى يتعذّر حمله على غيره.
قال مولاي النووي ـ قدس الله سره ـ وهو من فحول اللغة والحديث:
“وقولها: “فَجِئَهُ الْحَقُّ” أي: جاءَهُ الوحي بغتةَ؛ فإنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن متوقعاً للوحي. ويُقال: “فَجِئَهُ” بكسر الجيم وبعدها همزة مفتوحة؛ ويُقال: “فَجَأَهُ”، بفتح الجيم والهمزة: لغتان مشهورتان حكاهما الجوهري وغيره”.
وقولها: “وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ”: أي نزل عليه الوحي خلال وجوده في غار حراء.
ثانياً قولها: “فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فِيهِ، فَقَالَ: اقْرَأْ”: “فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ” أي: فنزل عليه جبريل من السماء، فأمره بأن يقرأ.
قلت: وأمر جبريل لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقرأ في معناه أقوال عدة، المختار منها ـ عندي ـ ما رواه ابن إسحق في السيرة، من أنه أمره بأن يقرأ مما في يده من “نمط من ديباج”، أي: قطعة قماش من حرير، مكتوب فيها الآيات النازلة الآن. قال ذلك الحافظ في الفتح ونقله عن شيخه سراج الدين البلقيني رحمهما الله.
ثالثاً: قولها: “فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ”:
في هذه القطعة تصريح من أُمّنا عائشة أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم هو من حدثها بهذا الحديث، من حيث قوله: “فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ”. فهذا لفظ ما قاله رسول الله لعائشة يحكي لها ما قاله لجبريل في تلك اللحظة من الروع. ولا يُحتمل أن تكون أُمّنا عائشة قد سمعته من غيره، كأمنا خديجة مثلاً: فهي قد ماتت وعائشة صغيرة طفلة.
وإذن فقد أجاب محمدٌ الأُمِّيُّ بنُ عبد الله بنِ عبد المطلب بن هاشمِ بن عبد مناف بنِ قصيّ بن كلاب، من قريش المُضَرِيَّةِ من مَعَدِّ بن عدنان من سلالة إسماعيل ـ رسولِ السماء إلى الأرض ـ مذهولاً ومتعجباً في آن، فقال:
“مَا أَنَا بِقَارِئٍ”:
وما نافية والمعنى: لست قارئاً فأنا أُمّيُّ لا أقرأ، فكيف أقرأ؟
والله أعلم
وإلى اللقاء في الغد نتم ما به بدأنا، إن كان لنا غدٌ وشاء لنا الله أن نقول فيه. إنّه على ما يشاء من رحمة عبده لقدير.
صباح الخيرات لعشاق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

من مِشْكاة الُّنُبَّوة.. حديث موسى والخضر عليهما السلام

د.خضر محجز  وصلنا في الحلقة السابقة إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *