حكايا من القرايا.. أبو جمال… عصبي

عمر عبد الرحمن نمر  | فلسطين

أبو جمال، عصبي جداً، وأحياناً يكون شرساً صعب المراس، يجادل بعنف في أبسط المسائل، ولا ينسى أهل البلدة عندما كان أبو جمال صائماً في رمضان، وروحه من قلة الدخان، وقلة الشرب والأكل، روحه مفرفطة، دخل مطبخ أم جمال قبل أذان المغرب بساعة إلا خمس دقائق، واختلف مع أم جمال على تجهيز صحن السلطة، هي تدعي أن زرّ البندورة الذي تقطعه المستورة هو الزر الوحيد في البيت، وهو يصيح في ناحية أخرى، أن هذا الزر أخضر، ولا يليق بالسلطة، وكأن الحزينة خرجت عن طورها عندما قالت: طيب شد حيلك يا بو الهمايم، وروح الدكان وجيب لك كيلو بندورة من اللي بحبها قلبك… سمع أبو جمال آخر كلمات الحزينة، وأصبح ثوراً هائجاً، تقطعت حروفه، وعلا وتيرها، وخرجت من فمه مبللة بما تبقى من رذاذ لعابه، سمع الجيران (همتشة) في بيت (أبو جمال)، فتوافدوا دون دعوة، على بيت أبي جمال، أخذوه إلى جانب، والحزينة إلى جانب آخر… بعد أن كانت تُعَقّدُ حاجياتها الضرورية في بقجة، لتحرد في بيت أهلها، حتى يفيق الرجل من غفلته ويتأدب، أو يقضي الله أمراً كان مفعولا… وتبرع الناس بسَلَطَتهم ومُتبَّلهم ولَبَنهم، ووضعوها هنيئاً مريئاً على مائدة (أبو جمال)، وانطلقوا إلى بيوتهم بعد أن أخمدوا ناراً كادت تشتعل ولا تبقي ولا تذر( الشر من شرارة)… واحتسبوا ذلك أجراً عند الله. أذّن لصلاة المغرب، وأبو جمال والزوجة مكشرة وأربعة أولاد وابنة مرتبكون، بين غضب أب، وزعل أم… دعوا ربهم وبسملوا، وانطلقوا في رحلة إفطار رمضانية، وكلما تناول أبو جمال ملعقة سلطةـ ابتسم للزوجة، ولم يكن ذلك إلا ليزيدها كشرة، لكنه بعد الفطور الرمضاني مباشرة، وقبل أن يغسل يديه، ويشعل سيجارته، توجه إليها، وقبّل رأسها، ثم قبّل رأسها، ولم يكن أمامها إلا الابتسام، وفرح الأبناء، بإعادة السلم العائلي، وحمدوا الله…
يا بو جمال، قال الحج راتب، يا بو جمال الله يصبحك بالخير، والله يهديك، ويهدّي بالك، يا خوي: الأولاد بدهم (طولة بال) (بصرش حزلي تحزلك)، بدهم تقعد معهم وتنصحهم، بدّك ما تظل تصيح فيهم، والله أولادك أُمرا… أُمرا… يا زلمي، أخلاق، وشطارة في المدارس، وكل الناس بتحلف بحياتهم، شو مالك يا زلمي؟ هو ما حدا عندو اولاد غيرك؟ هيّو ابنك هجّ منك و(امبارح) نام برّا، ما بتعرف وين نام؟ ما بتخاف عليه بهالليالي؟ ولك الواحد بربيلو بِسّة… بتعز عليه… تشيف ولد؟ بدأ أبو جمال يرتجف، وكأنه يتلقى الدرس الأول في التعامل والتربية… وبدأت الدموع تهطل على خديه، وأضحت سيجارته مبلولة… رماها وبدأ يشهق… ويُقَطّع في الحديث: يا رجل، اشتريت له (البوت) مالوش أسبوع، صار (مقطعه) بلعب الكرة… والله (زرمت) عليه، وصيّحت لما (شفت) خراب (البوت)، قام هرب وصرخ: بدي أخلليلك الدار… (وبواتها)… وطلع من الدار العصر، وطول الليل وأنا بستنّى فيه، واستنّى واستنّى… وأنا سيجارتي مش طافية، وما قدرت أنام… وجمال… جمال… ما بدري وين (أراظيه)، وجرى نهر الدموع بغزارة…
قال الحج راتب: طيب، أبو جمال، أنت روّح هسّا، والعصر جمال يبقى في الدار… اهتز أبو جمال، وكأن جبلاً انزاح عن كاهله، ريّحه كلام الحج، فاقترب منه، وأخذ رأسه يطبع قبلاته عليه… جنّد الحج راتب شباب البلدة كلها للبحث عن جمال، بعد ساعتين، كان جمال في بيت الحج، شربا الشاي، وانطلقا إلى الوالد… لم يصدق الوالد ما يرى، جمال… جمال… جمال… صاح الوالد بهستيرية… عانق ابنه… ثم عانق الحج… وظل أبو جمال، مثل الباذنجانة، سوداء القشرة، بيضاء القلب واللب…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى