مقال

روبوتات بشريّة

بقلم: هناء عبيد

لم يتبقّ أملٌ لنا في هذه البشرية سوى في هؤلاء الّذين يحملون قلوبًا بيضاء رحيمة ومشاعر وأحاسيس دافئة، وفي تلك الوجوه ذات الابتسامات الدّائمة النقيّة.
أظنني كغيري من البشر الّذين يسعدون بمثل هذه الأواح الطّيبة والابتسامات الصادقة.
بدأت يومي كالعادة بتنفيذ بعض المهام المدرجة على جدول التزاماتي اليوميّة.
بحكم الظروف السائدة قد نضطّر أحيانا أن نفعل ما لا نرغب به، فمثلًا أنا لا أجد متعة في زيارة صالون الشّعر، لكنّ الزّمن كفيلّ أحيانا أن نفعل ما تعافه نفوسنا، وقد يكون ذلك بسبب الاضطرار، فالذّهاب إلى صالون الشّعر قد يكون في سبيل إصلاح ما أفسده الدّهر -رغم أن العطار لا يصلح ما أفسده الدهر- كما نقول في أمثالنا الشعبيّة.
في صالون الشّعر تمنيت أن أقابل الموظّفة ذات الابتسامة المشرقة، لكنّ حظي كان سيئًا، فقد كانت في صالة الاستقبال الموظفة ذات الابتسامة الصفراء الّتي تتسلل من بين شفتيها قسرًا، نعم إنها صاحبة الابتسامة الصفراء؛ فنحن نستطيع أن نميّز ألوان الابتسامات بقلوبنا. انغلق قلبي، وهذا كان مؤشرًا أن يومي لن يمر بسلام، لم أشعر الألفة بمشاعر تلك السّيدة على مدى معرفتي بها، في كل مرة أقابلها تقسو في تعاملها معي و تشعرني بأنها تلتقي بي للمرة الأولى، هذا بدوره يضعني في غربة أمقتها، ألا تكفينا غربتنا عن هذا العالم العجيب؟! ظننت للحظات أن المشكلة قد تكون في شخصي، لكنّي لاحظت فيما بعد أنها تتعامل مع الجميع بهذا الجفاء حاولت أن أتأقلم مع المحيط الّذي لم يرق لي وأن أجد لها الأعذار؛ فمن يدري، قد تكون هناك ظروف قاهرة جعلتها تحمل هذه الروح المنفّرة، لكن ما ذنب الآخرين ليتحملوا هذه المشاعر السلبية في بداية يومهم؟!
لا أحد يستطيع إنكار مدى تأثير القلوب المفعمة بالمشاعر علينا، فهي تدخل سعادة محببة إلى أرواحنا المرهقة؛ لكن ما باليد حيلة، علينا دومًا أن نتوقع الكثير من المواقف والناس الّذين يمكن أن يغلقوا صمام قلوبنا لمجرد رؤيتهم.
فهناك أمثال هؤلاء -أعداء الحب- في كل الأماكن، حتى صفحات الفيس بوك الّتي نتجمل بها لا تخلو منهم، فكم من المرات صادفنا أصحاب المزاجات المتقلبة الّذين لم يجدوا منا إلا كل الاحترام، ليقابلونا بكل جلف وينقلبون علينا ما بين ثانية وأخرى ١٨٠ درجة وتسوء معاملتهم لنا دون أي مبرّر.
حتى أقرب الأصدقاء والأحبة المقربين تصدمنا أفعالهم؛ فكم من المرات أرسلنا لهم باقات ورد محملة بنبض قلوبنا، لنجدهم يشكون شوكها؛ بمجرد انتهاء مصالحهم معنا.
وكم من الناس اعتقدنا أنهم هدية السماء لنا، فكانوا الشهب الحارقة التي لسعتنا بنارها.
ربما هذه هي رسالة الله وهديته الثمينة لنا، لتتضح لنا الحقائق وتنقذنا من هذه الوجوه ذات الأقنعة المزيفة.
الماشطة ما زالت مستغرقة في عملها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وأنا أتجول في عالم آخر، ما الّذي فعلته بي تكشيرة من استقبلتني هذا الصباح؟! رغم أنها لم تخطئ كثيرًا فقد تكون في ظروف سيئة، لكنها أذهاننا الّتي تجوب بنا حيثما شاءت.
أخذتني أفكاري في رحلة إلى عالم مظلم يعج بمثل هؤلاء الّذين يمشون على الأرض بصورة إنسان ولا تجري في أوردة قلوبهم سوى سوائل سمّ تنتقل بين أجزاء أجسادهم الجامدة الصلبة الصلفة، فهل ترى سنندم يومًا على وجود الروبوتات الآلية الّتي ستستبدل تلك الروبوتات البشرية؟!
لعلها تكون فكرة مثمرة، فالروبوتات الصناعية بكل الأحوال ستتشابه مشاعرها مع مشاعر البشرية الميته، لكنها ستكون أكثر نفعًا، فهي أكثر دقة وبراعة في العمل.

لماذا نعترض إذن على مشروع الذكاء الاصطناعي؟ هل لأن الروبوتات ستصنع أعمالنا بلا مشاعر؟!
لا يحق لنا الاعتراض وقد فقدت البشرية مشاعرها، فمن أناس يحتلون أراضي الله الواسعة وثرواتها تحت مسميات مختلفة، إلى من يقتلون طفلًا يحمل حجرًا بحجة أنه يهدد أمن دولة، إلى السلطات التي تعتقل معارضًا لأنه خالف أنظمتها، إلى القطط السّمان الّتي نهبت لقمة الفقير، إلى لصوص الأراضي الّذين يبيعون ما وهبه الله لنا بأسعار ما أنزل الله بها من سلطان!
كيف لنا إذن أن نتحسر على مصير البشرية وهي منعدمة المشاعر في الأساس؟!
لعل في الروبوتات الصناعية حياة أعدل
فأهلا بسكان الأرض الأذكياء الجدد!

انتهيت من مهمتي وأنا اعتصر ألمًا على موت البشرية.
لعلّ القادم أفضل بإذن الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى