مقال

أبطال التحدي.. البطل القائد

أحمد سعيد الصاوي| أكاديمي مصري
انتهى العام الدراسي للصف الرابع الابتدائي وبدأت الإجازة التي ننتظرها جميعاً حتى ننطلق ونتنفس ونلعب قبل بداية العام الدراسي الجديد؛ لم أكن أعلم أن هذه الإجازة ستكون مختلفة، وستنقلب فيها حياتي رأساً على عقب، لم تكن إجازة بل كانت نقطة تحول، تحولت فيها حياتي من النقيض إلى النقيض؛ تبدلت فيها أحلامي وتغيرت طموحاتي وازدادت همومي وزاد عمري سناً؛ فلم أعد ذلك الطفل الذي كان يلهو ويمرح بل أصبحت طفلاً ملئ بالآلام والهموم؛ والسبب هو حادث وقع لي أثناء اللعب وأنا مندمج في لعب كرة القدم وقعت على رأسي وكانت الأرض مليئة بأشواك شجرة الصبار.. وللأسف لم أهتم.. فهذه طبيعة الأطفال أثناء اللعب لايشعرون بالألم.
لم أكتشف وجود الشوك برأسي إلا بعد الانتهاء من اللعب عندما أخبرني أحد أصدقائي بوجود أشواك في رأسي، وعندما ذهبت إلى المنزل لم أهتم أيضاً وبعد عدة أيام بدأت المأسأة والمعاناة فلقد تسببت هذه الأشواك في حدوث بعض التجلطات الدموية وحدث مالم يكن في الحسبان، أُصيبتُ بجلطة في المخ، وبدأت في حالة من الإعياء الشديد، تسببت هذه الجلطة في فقدان تدريجي للبصر، وللأسف الشديد تحول إلى فقدان كلي، ومن هنا تحولت حياتي، وتبدلت أحلام الطفولة وحلمي أن أكون مهندسا لن يتحقق، صدمة وألم نفسي لا يشعر به إلا من مر بهذه التجربة..حياة جديدة زرعت فيها شجرة الصبار أشواكها، أمر واقع لابد من تقبله بعد أن كان لدي أحلام مثل أي طفل يحلم بأن يكون مهندسا، ظابطا، طبيبا، فقدت الشغف، وتملكني الشعور بالإغتراب والوحدة.. لم أجد أمامي سوى التسليم فلا مفر فهذا هو القدر ولابد من الرضا والتأقلم مع حياتي الجديدة.
التحقت بمدرسة النور والأمل للمكفوفين وتعلمت طريقة بريل وعندما التحقت بالمرحلة الثانوية كانت الحياة أفضل اندمجت في الأنشطة المدرسية والمعسكرات ووجدت نفسي فيها.. انتهت المرحلة الثانوية والتحقت بالجامعة.. وبسبب هذه الإعاقة لم يكن لدي الحرية في إختيار الكلية أو حتى القسم؛ لذا التحقت بكلية الآداب قسم علم الإجتماع … والدراسة في الكلية تختلف عن المرحلة الثانوية.. فهي المرحلة الأخيرة التي تحدد المستقبل والعمل فيما بعد وتحتاج إلى مجهود وإلى دراسة واسعة الأفق .. لم أكتفِ بدراستي في الكلية فأنا بداخلي طموح أكبر من مجرد التعليم والحصول على شهادة .. قررت أن أتعلم حاسب آلي فهو حقاً “قميص يوسف هذا العصر”.. فالتكنولوجيا هي السبيل للنجاح في الحياة وتحقيق الذات، بدأت أبحث عن الأماكن التي تهتم بالمكفوفين عن طريق التعليم بواسطة البرامج الناطقة .. تعلمت استخدم الحاسب الآلي ودرست لغة إنجليزية وحضرت دورات تدريبية كثيرة مع المبصرين. كانت فكرة غريبة في بداية الأمر ولكني تخطيت هذا الحاجز وتعلمت وكثفت الدورات .. حصلت على منحة في الجامعة الأمريكية وحصلت على دبلومة “Auc”..


وتخرجت من الجامعة وحصلت على شهادة الليسانس وأنا لدي خبرات ومؤهلات تجعلني أعمل في أي مكان… وبالفعل أثبتُ وجودي في العمل في إحدى الشركات الخاصة.. وفي عام (٢٠١٨) تقدمت للجامعة بمشروع تطوير مركز المكفوفين.. في بداية الأمر أنشأت فريق تطوعي لإقناع الطلبة بأهمية تعليم الحاسب الآلي واللغة الإنجليزية.. ووضعت خطة لأهداف المركز حتى يُلبي احتياجات المكفوفين ويكون بمثابة همزة الوصل بينهم وبين الجامعة وركزت على ثلاث محاور هامة وهي : المحور التعليمي عن طريق طباعة المناهج الدراسية بطريقة بريل.. المحور الثاني: وهو المحور التكنولوجي عن طريق تعليم الحاسب واللغة الإنجليزية.. المحور الثالث: وهو المحور الثقافي الذي يهتم بالمواهب والإبداع وتنميتها عند المكفوفين مثل إلقاء الشعر وكافة الفنون.


ومن الأشياء الجميلة التي قدمها المركز “ورشة عمل أشغال يدوية للبنات”. وطلبت من بعض أساتذة كلية التربية النوعية بتدريب البنات .. وكانت فكرة رائعة نتج عنها معرض ملئ بالمشغولات اليدوية.. أشعر بسعادة غامرة عندما أرى إنجازات المركز وأجد تأثيره على الطلبة من تنمية مهاراتهم …وخلق فرص عمل لهم؛ فهناك طالب أصبح لديه محل إليكترونيات.. وهناك من وجد لنفسه مكان في سوق العمل وهناك من أثبت وجوده.. وجاء دوري في أن أثبت وجودي وأكمل دراسات عليا واحصل على الماجستير والدكتوراة، وأصبحت المسؤل عن التعليم عن بعد في الجامعة كلها، ونائب مدير وحدة القياس والتقويم، والمسؤول عن التدريب الميداني لكيفية التعامل مع الإعاقة البصرية، بالإضافة إلى التدريس للمُبصرين …وكأن هذه الإعاقة أصابتني حتى أصل إلى ما أنا عليه الآن، وكأن هذا الحادث نقطة انطلاق إلى عالم آخر شاء المولى عز وجل أن يكون لي فيه كيان؛ فإذا كانت الدنيا أظلمت في عيني فلقد منحني الله نور أنار لي الطريق.. النور الذي يمنحه الله في القلوب ليُضئ لنا به الدروب ويزرع الأمل بداخلنا فنجد ماكان صعباً هيناً وماكان مستحيلاً ممكناً وتأتي الفرحة من باطن الألم.. أنا أحمد الصاوي مدير مركز المكفوفين في كلية الآداب جامعة كفر الشيخ.. أحب عملي ورسالتي في الحياة وأشعر بسعادة عندما أقدم شيئاً جميلاً للمجمتع وعندما أرسم البسمة على وجوه الناس عامة والمكفوفين خاصة وعندما أزرع الأمل بداخلهم فكل إنسان له هدف وحلم يريد تحقيقه ولكن هناك من يحتاج إلى الدعم .. أحاول جاهداً أن أقدم هذا الدعم بشتى الطرق وأدرك تماماً أن بالعلم ترتقي الأمم ومن حق الجميع أن يتوفر لهم فرص التعليم حتى ننهض بالمجتمع فنحن جميعاً يحتاج بعضنا البعض وكل إنسان عالم في مجاله؛ فعندما يتحدث عني أحد ويقول أنت بطل، أقول له أنا أقوم بدوري وواجبي وكل إنسان بطل في مجاله فنحن جميعاً أبطال.
وأختم كلامي بهذه الكلمات التي يرددها قلبي دائماً:”أحبُ اليقين الذي أتجاوز به العثرات والأيام الصعبة بأن هُناك خير قادم وأن الطريق سيُمهده الله وأن الصعب سيهون لا أعلمُ كيف ومتى لكني أثقُ بأن الله سيُدبر الأمر بتيسر من عنده رأيتُ أن اليقين بالله نجاة في كل مرَّة أظن به خيراً فيكون بمثل هذا اليقين نمضي مُطمئنين آمنين هانئين”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى