حوار

الشاعرة رسمية محيبس زاير في حوار مع الشاعرة والصحفية نادية الدليمي

عالم الثقافة | خاص

* الشعر شمعةٌ في صومعة راهب

 * وجدتُ في الشعر إجابةً لكل الأسئلة المحيرة

* الريف منحني كل ما أملك من مواهب وأخيلة وجمال

* معرفتي بالشاعر كزار حنتوش زادتني إصراراً على أن أكونَ موازيةً له

* أطمح إلى عزلةٍ كاملةٍ برغم تفسير الآخرين السلبي للانعزالية

رسمية محيبس زاير شجرة برية تراها العيون ولا تلامسها شاعرة حمّلت نصوصها أمانة نقل ما يعتمل في وجدانها بصدق مضيء، من الشطرة محافظة ذي قار إنساب شعرها بهدوء منذ عام ١٩٨٠ منشوراً في الصحف والمجلات المحلية والعربية، ولم يلبث أن حفر له قناةً خاصةً متميزةً لفت مجراها أقلام النقاد وإشادات الأدباء. سكبت رسمية في كتاباتها أساها ورؤاها بشفافية واختزال وعمق، آمنت بمشروعها الشعر، وأخلصت له رفقة زوجها الشاعر كزار حنتوش الذي كتبت عنه بعد رحيله مؤلفها السردي (الشعر مقابل الحب)، صدر لها في الشعر (الطلقة أنثى)، (ثرثرة)، (سطر من ذاكرة البحر)، (فوضى المكان)، كما صدرت لها رواية (كاهنات معبد أور) تضمنت سيرتها الذاتية، وللتقرب من شخصها وتجربتها بدافع الود، والإعجاب. طرقنا باب عزلتها فكان لنا منها أجمل الترحاب..


*كيف كانت البداية، وهل كان يسيراً على رسمية ابنة الريف والتقاليد الاجتماعية المتزمتة أن تحلق في فضاء الشعر ؟
ـ أخطط لأكون شاعرة ولكنها لحظة أردت فيها كتابة مشاعري. كنت فتاةً صامتةً حتى وهي بين الناس.. هذا الصمت جعلني أطرح على الورقة ما لم أستطع قوله للآخرين ووجدت أنَّها طريقة سليمة لا أحد يقاطع أو يعترض، وبعدها راقت لي هذه اللعبة، ولم تكن لعبةً بل كانت مصيراً وطريقاً طويلاً مليئاً بالعثرات وبالمحفزات. كنت كمن دخل مغارةً وسحر بتلك اللقى والكنوز فطابت له السياحة والإقامة هناك في ذلك العالم السحري المدهش الذي هو مرادف للعالم الواقعي وأجمل منه كثيراً،
أما الريف والتقاليد فلم أشعر بها في البداية كنتُ أكتب، وأنشر وأحوز الإعجاب والتشجيع من الأهل والمعارف لكنها جاءت بعد ذلك فكان المجتمع يعاملني وكأنَّني ارتكبت إثماً..
ـ (صدگ أنتِ شاعرة؟)
أسكت أحياناً لأنَّ السؤال نفسه ملغوم بإجابات كثيرة خاصة في الوسط التعليمي قلت لهم مرة: أنا هنا معلمة فقط.
فقالوا : لا أنت شاعرة وتكتبين في الجرائد والمؤتمرات وتصدرين كتباً.
ـ نعم، نعم، وهل هو عيب أو حرام ؟
منهم من يشجع، ومنهم مَنْ يستنكر، وخاصةً الزميلات، ولم يؤثر كل هذا بل يجعل تلك الجمرة تستعر تخبو أحياناً، ولكن أوارها لم ينطفىء أبداً.. لا علاقة للريف في ذلك، فالريف منحني كل ما أملك من مواهب وأخيلة وجمال كنتُ ولا زلت كائنةً أحب الحقل، وأسوح فيه لا إرهاب هناك في حضن الطبيعة الريف مظلوم وبريء من تهمة التخلف ومحاربة الآخر بل إنَّ أغلب الأدباء كان انحدارهم من الريف.. يسنين الشاعر الروسي، وآنا أخماتوفا، وأمل دنقل، والماغوط لهم نشأة ريفية وغيرهم الكثير.. الريف كتاب ضخم نقرأ في سطوره اناشيد الخلود.


* ما هي الإغواءات التي جذبك بها الشعر إلى عالمه؟ وبمن تأثرت رسمية محيبس؟
ـ غوايات الشعر كثيرة لا تحصى أولها الحوار مع الذات والاختلاف عمن حولي والنداءات الغامضة التي لا يسمعها غيري وأستجيب لها، وأخلق العالم الذي أريده، أفكر وأحلم، وأعيد تكوين نفسي من خلال الشعر ففيه إجابة لكل الأسئلة المحيرة، إنَّه يستوعب هذه الذات، ويُعيد صياغتها ويمدها بالرغبة بحب الحياة وفهمها،وفهم العالم المحيط بي، أما بمن تأثرتُ فأقولُ لكِ تأثرتُ بكل كلمةٍ مؤثرةٍ قرأتها شعراً كانت أم نثراً، وحاولت أن أخلق عالماً خاصاً بي وصوتي الخاص..كان مظفر النواب أول ديوان شعر وقع بيدي ومن يومها، وأنا مبحرةٌ في ذلك العالم الصاخب المحبوب، وهناك شعراء لا يتسع المجال لذكرهم.
* لماذا اخترتِ لنفسك ركناً عاجياً لتنفردي بذاتك، ولا أقول برجاً لأنك لم تتعالي بانفرادكِ على أحد؟
ـ كنتُ غير مفهومة من الآخرين، ومازلتُ وليست لي حيل الالتفاف على أحد أو التقرب لأجل مصلحةٍ ما..أعتز بنفسي فالحياة لا تستوعب التنازلات ما دام الله هو المعطي، وإذا لم أكن شاعرة فهل التقرب من الآخرين يجعل مني شاعرة؟ لا أجيد هذه المعاملة لذلكَ وجدتُ نفسي خارج السرب، وخارج المنظومة الأدبية، ولم أخسر شيئاً بل كسبت روحي التي لاأريد أن يسيء إليها أحد، وأطمح إلى عزلة كاملة رغم تفسير الآخرين السلبي للانعزالية.


* ما الذي أخذه منك الشعر، وما الذي منحك إياه؟
ـ لم يأخذ مني شيئاً، ومنحني الكثير من الهبات عرفت من خلاله ذاتي، وما تنطوي عليه من خير وقلق وصراع ومشاكسة وقوة وأعطاني أن أعبر عن رأيي بشجاعة برغم مساحة الحرية المحدودة التي أتمتع فيها دون الخروج عن المألوف فالشعر شمعةٌ في صومعة راهب.
* كيف تصفين علاقتك الإبداعية بالشاعر كزار حنتوش، وما هو تأثير كل منكما في تجربة الآخر؟
ـ معرفتي بالشاعر كزار حنتوش زادتني إصراراً على أن أكون موازيةً له مع أنَّي لا أقارن نفسي بأحد كان داعماً ومشجعاً لي على الدوام. كان شاعراً وإنساناً مَن يرافقه يكتشف الكثير من كنوز تلك الروح الحية المحبة للخير، ورحل وما زالت تلك الروح تنعم بمحبة جمهرة كبيرة من الناس.
* في داخلك ثورة، قيود السلطة والرقابة الصارمة على الأدباء في المرحلة السابقة ومنع أحد كتبك من الطبع داخل العراق.. ألم يجعلك تترددين عن المضي في طريق الشعر؟
ـ أبداً كنتُ يساريةً مطاردةً من قبل السلطة وقد نلت ما نلت ، ولم تزدني تلك التجربة إلا حباً للشعر والكتابة لكني عرفت كيف أتجنب بعض القضايا، وأصبحت أتعامل بحذر في بعض المواقف وما زلت إلى الآن كما كنت في ذلك الوقت. وإذا كانت السلطة في ما مضى هي مَنْ تُرهب المثقف الآن فالمنظمات الأدبية تأخذ نفس الدور فتقرب هذا، وتنفخ ذاك وتضطهد مَنْ تشاء، وأحاول أن أكون بعيدةً عن ذلك بعد المشرقين، وبعد المغربين.
*ما رأيك بالعالم الافتراضي والانفتاح الرقمي، وهل تعدينه ميزةً محمودةً في أن يكون المبدع في متناول القارىء أو على تماسّ معه؟
ـ العالم الافتراضي مثل السمك مأكول مذموم يوفر لنا النشر السريع والحرية الكافية، ويجعلنا نصل بسرعة ويحررنا من تعسف أصحاب الصفحات الثقافية رغم كل سلبيات هذا العالم وما يحتويه من تناقضات لكنَّه يوفر لي أن أوصل صوتي وأقول الحقيقة، ولا أنتظر مثقف مأبون يمنَّ عليَّ بنشر قصيدتي. أنا ممتنةٌ لهذا العالم الذي حررنا من تعنت الصحافة والمهيمنين عليها، ومنحنا هذه المساحة الواسعة والحرية التي بلا حدود.
* اتجهتِ بعد كتابة العمود والتفعيلة إلى كتابة قصيدة النثر، فما عوامل هذا الانتقال، وأين تجدين ذاتك أكثر؟
ـ الشكل لا يهم يا عزيزتي فالمهم هو الرسالة التي تحملها القصيدة والصورة التي توضع فيها ومدى قابلياتها على مخاطبة القارىء وفهمه لهذا أحببت قصيدة التفعيلة، وما زلت أكتبها، وحتى قصيدة النثر لا تبتعد كثيراً عن تلك الموسيقى الداخلية فالتفعيلة تتدخل، وأنا أكتب قصيدة النثر فأرحبُ بها وأحرك بها مجسات النص.
* كتبتِ الرواية والسيرة الذاتية، فهل كانت تجربة أدبية أم حاجة ذاتية لاستيعاب ما لا يستوعبه الشعر من مكنونك الوجداني؟
ـ في أول رواية كتبتها أردت سرد ما مر بي من أحداث لم يستوعبها الشعر لكنَّ التجربة راقت لي، ووجدتُ نفسي أندفع معها وأراجع من خلالها بعض المحطات الصاخبة فالبيئة تتدخل في ذلك وتمدني بأحداث وشخصيات لا أملك إلا تدوينها والانصياع لها فالرواية عالمٌ آخرٌ موازٍ لعالمنا أن تخلق كائنات من العدم، وتجعلها تتحرك وتمارس فعلها، وتدخلها في صراعات وتقتلها فأنت خالقها . إنَّها تجربة مثيرة كتابة السرد وهي ليست بعيدة عني.
*هل تتابعين المشهد الثقافي، وهل ترصدين التجارب الشعرية النسوية الجديدة؟مَن مِن الأسماء لفتتكِ تجربتها؟
ـ نعم أنا على اطلاع دائم بما يحصل بالمشهد الثقافي، أرقب صراعاته وأقرأ لكل تجربة تستطيع جذب انتباه القارىء.
التجربة النسوية الآن معافاة وبخير والسبل ميسرة أمام المرأة أن تثبت نفسها وتصنع تجربتها لكنَّها أيضاً محاربة يسهل الطعن فيها من قبل البعض ويحكمون على المرأة بشحة الموهبة وضعفها لكنهم لا يستطيعون إيقاف صوت نسوي حقيقي قد تتلاشى وأحياناً تحظى بدعم وتشجيع يثير غيرة وحسد بعضهم لذلك عليها أن تكون مقاتلةً باسلةً، ولا تعتمد على العلاقات الزائفة لأنَّها لا تقدم ولا تؤخر.. ودعينا من الأسماء فذلك أسلم.
* ما هي انطباعاتك عن المجتمع الثقافي الحالي والعلاقات التي تربط أفراده؟ هل لكِ تواصل مع الأدباء والأديبات؟
ـ أبدأ من نهاية السؤال.. نعم أنا على تواصل مع الطيبين المبدعين فلا غنىً لي عنهم، وقد فقدتُ في السنين الأخيرة الكثير من تلك الصداقات أما لأنَّهم كفوا عن التمثيل أو السبب يعود لي فعلاقاتي نضبت، وشحت فكلما فهمنا الآخرين ابتعدنا أكثر فذلك أسلم وآمن. إنَّ شجرة الصداقة تفقد الكثير من أوراقها بمرور الوقت لشدة العواصف ولم أخسر شيئاً فما زالت معي بعض الآرواح الطيبة المدني بطاقة المواصلة كل من ابتسم في وجهي، وأسمعني كلاماً طيباً ودفع بي إلى الأمام، وأنا ممتنة له كثيراً وهم كثيرون على امتداد العمر.
*ما رأيكِ بالمؤسسة الثقافية وهل هي داعمة للأديب؟
ـ الحمد لله ما رأيت دعماً في حياتي من أية مؤسسة ثقافية فذلك يتطلب مواهب لا أمتلكها فأنا كائنة ربانية ليست لي حيل، ولا أمارس المكر، والحمد لله لست فقيرةً لأتذلل وأشكو الله وهو الغني، وقد ورد في المأثور : ( التكبر على المتكبر هو التواضع بعينه ) فهناك مَنْ لهم سطوة، ويتعمدون الإنكار والتجاهل. نعم هذا يؤثر في نفس كل كاتب، وقد يحطمه لكني محصنة بقوة ربانية هم الخاسرون إلا أنا.
*الآن ومن موقعك الزمني كيف تنظرين إلى مشوارك الأدبي، وما هو تقويمك لتجربتك الإبداعية؟
ـ إنَّكِ على خير: هكذا أخاطب نفسي كل يوم، ولا تجدي المحبطات. أحترم تجربتي وكل كلمة قلتها صدرتُ من أعماق روحي، ووصلت تعثرت كثيراً لكنَّي لم أتوقف ولم أقع، ولو عادت بي السنين من جديد سأسلك الطرق نفسها التي سلكتها ، أخاصم وأتمرد كما كنت ثم أهدأ ولا أستسلم كما أنا عليه الٱن، وأكون رسمية التي لا تتغير التي أعرفها وأحبها بكل ما هي عليه من هفوات ورقة وضعف وقوة وتناقضات.
* هل أنصفك النقد، وهل قُيمت تجربتك بما يناسبها من البحث والدراسة؟
ـ نعم كتب الكثير عن تجربتي، أقلام محترمة ما يكفي لكتاب كامل، أقرأ كل كلمة قيلت عني حتى السلبية تهديني لأخطائي فأعمل على تصحيحها، وتعرفني على الجانب الخفي مني هناك كتاب كبار تناولوا كتاباتي، ودراسات صدرت عنها ومع ذلك أنا أتعلمُ من كل كلمة، وأراجع نفسي وأفكاري لأعرف أين أقف.
* لماذا لا تشارك الشاعرة المهمة رسمية محيبس زاير في الفعاليات والمحافل الثقافية المحلية والدولية؟
ـ المحلية شاركتُ فيها كثيراً حتى تعبت وتوقفت حيث يجب عليَّ التوقف للراحة ومراجعة الذات أما الدولية فليست لي إنَّها لأصحاب النفوذ، والقريبين منهم، ونحن بعيدون عن ذلك، والحمد لله.
*ما هي مشاريعك القادمة؟
ـ مشاريع لا تعد ولا تحصى.. مجموعة شعرية قاربت الاكتمال، أبحث عن عنوان مناسب، ودار نشر، وما زلت أصحح، وأحذف وأضيف، ورواية تحتاج الكثير من الجهد وربما هجرتها إذا لم تطاوعني شخصياتها، وكتاب عن السيدة زينب أتمنى إتمامه وغيرها كثير، إنْ شاء الله يتاح لي الوقت والعمر لذلك.
*كلمة للختام..
ـ شكراً لهذه المساحة التي جعلتني أراجع بعض المحطات المنسية والأسئلة الجميلة التي لا تترك لي فرصة إلا أن أجيب عنها أرجو لك التوفيق عزيزتي في مشروعك الأدبي.

مخاطبة القصائد
شعر : رسمية محيبس زاير
وخاطبتُ القصائد
حين جاءت تشتري صمتي :
خذي هذا الدم المملوء بالجمر
ولفي حول كتفي برد هذا الليل
وانتزعي أنين الريح من صوتي وأوردتي
وإنْ لم تألفي هذا المخاض الصعب واستقوت
عليك ملامحي دهراً فأولى أن تعيديني
إلى ذاك الطريق وهذه السلوى
وإنْ ألهبت في العزم ثانية وثالثة
ومهدتِ لي الطرقات بالأوجاع والشكوى
فتلك بداية أخرى ،وإنْ لاحت
لعينيك النجوم بعيدةً كالحشر
فإنَّي قد وجدت النجم في عيني
وإنْ لم تألفي همي
وسفري الدائم المجهول
فتلك نهاية أخرى
ولكنَّي أعود اليك بعد الموت
أرسم في حروفك بعض أحلامي
وأسعى فيك منك اليك ألقاك ِ
على نفس الطريق المَر
نبقى هاجساً لاتطفىء الأيام شعلته
فأنتِ بداية الأشياء ،أنتِ الجمرة الأولى
وهذي خطوتي صبت بها الطريق فوضاها
وقد جاءتك دون الكل ،واختارتك
فلنمضِ معاً :الدرب منفتح لخطوتنا !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى