إِشْكَالِيَّةُ الصِّحَافَةِ العَرَبِيَّةِ: حَتَّى الأَقْنَانُ المُعَلِّقُونَ مِنَ الفُتَاتِ لَاعِقُونَ! (2)

د. آصال أبسال
كوبنهاغن (الدنمارك)
كما ذُكر في القسم الأول من هذا المقال، ثمة تعليق بئيس عابر قد تكلف عناء تدوينه قنٌّ عتوفٌ مخنّثٌ إلى حد الشبه بالبغايا المسترجلات، وليس له إلا أن يكشف قاصدا أو لاقاصدا عن جهله المطبق حتى ببدائيات الكلام السياسي أو الثقافي وعن أصله الوضيع مجتمعيا وتاريخيا الذي تحدّر منه وأسلافَهُ الأحيائيين – إذ لسنا مطلقا ضدَّ أي من أشكال تحرير أو تحرُّر العبيد، وخاصة أولئك الشرفاء الكادحين المتمردين الذين سمّاهم مالكولم X بـ«عبيد الحقول» Field Slaves، نقيضا من أولئك الحقراء الماهنين المتملّقين الذين سمّاهم كذاك بـ«عبيد المنازل» House Slaves (والقنُّ العتوفُ المعنِيُّ ليس إلا واحدا من أمثال هؤلاء الأواخر، إن لم يكن أدنى وأزرى).. وبصرف النظر عن تبجُّح صحيفة «القدس العربي» باستقلالها السياسي المفتعَل بالمعنيين الإفكي والريائي، ناهيك عن انتهاكها اللكيعِ لحقوق القراء والقارئات في التعليقِ والرد كُلًّا، يجترَّ القنُّ العتوفُ المعنِيُّ تعليقه كالببغاء نظرا لافتقاره الكلّي إلى الأصالة قولا وفعلا وإلى النزاهة في أي منهما مقترنتين، بالطبع، بأسلوبه الركيك أساسا، رغم ادعائه كذاك بأنه «شاعر» كجزء من تلفيق أكاذيبه أولا وآخرا.. وسواء كان القنُّ العتوفُ المعنِيُّ يتذوّق الفتاتَ أم يلعقه بما يتواءمُ وأصلَهُ الوضيعَ أصلا، فإن تعليقَه البادي في الظاهر متّزنا سليما، إن هو إلا منفصلٌ كليًّا عن الواقع بأغلاطهِ الشائنة وبترّهاته البائنة، إذ أُوردت وقتها خمسةُ دواعٍ تفكيكية لتفنيد كل فكرة «رئيسية» من فكرات هذا التعليق، نعيدها هنا بإيجاز للاستئناس.. أولا، رغم الفارق الكبير بين مساحتي فلسطين ونيويورك، لم يزل ثمة أمريكيون كثيرون يكرهون اليهود بشدة لكونهم اعتقادا سببا جوهريا في شدِّ الفتن والمشاكل.. ثانيا، القول بأن نيويورك ليس لها سكان أصليون لا يعتمد إلا على فانتازيا «تفسيرات» المغرضين المتطرفين بأن هناك ستة عشر تلميحا للمدينة في التوراة.. ثالثا، هذه الفانتازيا، لو صحّ «فهم» المعلق الجهول، ليس لها إلا أن تسعى إلى طمس التاريخ الفعلي للآمَرْ-هُنود، سكانِ أمريكا الأصليين (بدلا من التسمية العنصرية بـ«الهنود الحمر»)، وليس لها بالتالي إلا أن تشاطر طموحاتِ أمريكا الاستعماريةَ والإمبرياليةَ – خاصةً وأن معظم دول الجنوب العالمي تعلنُ الآن احتجاجَها على تنمُّر واستقواء العنصريِّ العتيهِ ترامب على الدول الضعيفة.. رابعا، حتى أمريكا برمتها ليس لها أيُّ تلميحٍ في التوراة (ناهيك عن نيويورك) سوى الاعتماد على فانتازيا «تفسيرية» مشابهة، لا في سِفْر حجاي (الإصحاح الثاني: 6-7) ولا في سِفْر إشعياء (الإصحاح السادس والستون: 18-20) ولا حتى في سِفْر زكريا (الإصحاح الثاني عشر: 2-3). فليس كلُّ «بروفيسور»، والقنُّ العتوفُ المعنيُّ مهووسٌ بخلعِ ألقاب أكاديميةٍ كهذهِ على كلِّ مَنْ يقتنيهَا طُرًّا، فليس كلُّ «بروفيسور» يأتينا بهكذا أضغاثِ تخيُّلاتٍ كما يحلو له.. خامسا، وأخيرا لا آخرا، وحتى السيد المسيح (الذي عاش في فلسطين القرن الأول للميلاد، أي بعد وجود تلك «التلميحات» التوراتية المشار إليها بقرون، والذي من المفترض أنه كان قد هضم فحوى التوراة بأكمله)، حتى السيد المسيح نفسه لم يكن يعلم شيئا عن أمريكا ولا حتى عن أستراليا..
وبالإضافة إلى هَوَسِهِ المَرَضِيِّ بتبجيل الألقاب الأكاديمية لمن هم أعلى وأرقى منه مكانةً، وعلاوةً كذاك على وَسْوَاسِهِ الدَّائِيِّ بتوزيعِ المدائح المكائدية لهم على المبدأ الغابي والحوشي الشهير «ليس مودَّةً بعلي، بل غيرةً من معاوية»، فإنَّ القنَّ العتوفَ المعنيَّ هذا متأسلمٌ دَعِيُّ وكاذبٌ بكلِّ ما يحملُهُ من معنًى كلٌّ من هذه النعوتِ ولا مراءَ في ذلك بَتًّا.. حتى أنَّهُ، بمناسبةِ حلولِ شهرِ رمضانَ الفضيلِ قبلَ أسبوعينِ أو يزيد (وتدوينُ هذهِ السطورِ واقعٌ في اليوم السَّادِسَ عشرَ من شهر آذار / مارس عامَ 2025)، كان هذا القنُّ العتوفُ المعنيُّ قد أدلى في تعليقٍ عابرٍ بتصريحٍ متباهيا تباهيا بخسًا بأنه قد عمل في البدءِ على تزويد «أَهْلِهِ» بكل ما تحتاج إليه من مَؤُونَةٍ وما إليها طوال هذا الشهر بالذاتِ لكيما يتفرَّغَ كليًّا هو من طرفِهِ لجلسَاِتِ العبادةِ وما إليها كذلك في أوقاتِ اليقظةِ أَيَّانَ كانت.. يعني ذلك بكلِّ جلاءٍ أن هذا القنَّ العتوفَ المعنيَّ إنما يتفرَّغَ كليًّا لجلسَاِتِ العبادةِ تلك بغيةَ ذاك «التطهُّر الرُّوحيِّ» مقترنًا بذاك «التقرُّب إلى الله» بكاملِ الاستسلامِ الرُّكُوحِيِّ، في حين أن «أَهْلَهُ» هذه تتفرَّغُ كليًّا هي من طرفِهَا للطبخ اليوميِّ وما يقتضيهِ ولتحضير أعلافهِ في كلِّ وقعةٍ رمضانيةٍ كافَّةً وما تبتنيهِ ولتنظيف، لا بل لتطهير، أدرانه وأوساخهِ بعد كلٍّ منها كافَّةً أيضًا وما تجتبيهِ.. فلا وقتَ لـ«أَهْلِهِ» هذه، إذن، لأيَّةٍ من جلسَاِتِ العبادةِ وقعًا ولا وقتَ حتى لأيَّةٍ من فتراتِ الراحةِ قطعًا، حينما يأتي هذا القنُّ العتوفُ المعنيُّ من جلسَاِتِ «عبادتهِ» تلك لا لشيءٍ سوى لكي يتناولَ علفَ الإفطار بعد الغروب وكذاك لكي يتناولَ علفَ السُّحُور قبل الشروق – وما تبقَّى، في الأعقاب من كلٍّ من هذا ومن ذاك بالنسبةِ إلى ذلك القنِّ العتوفِ المعنيِّ على وجهِ الخصُوصِ، إنما هو مُكَرَّسٌ كلَّ التكريس لأوقاتِ الغطيطِ الحيوانيِّ تارةً أولى، وكذاك لأوقاتِ الشخيرِ البهيميِّ تارةً أخرى.. ما علينا من كلٍّ من هذا ومن ذاك، وممَّا يُثيرُ أنواعَ الهُزْءِ والضحكِ بملءِ الأشداقِ حقيقةً كيف أن هذا القنَّ العتوفَ المعنيَّ يكشفُ دونما وعيٍ أو درايةٍ عن جهلهِ المطبق والمُذهلِ بالراهنِ من قضايا السياسةِ خاصَّةً أو حتى بالواهنِ من قضايا الثقافة عامَّةً، وذلك من خلال محاولاتِ تقليدهِ «الطفاليِّ» البئيسِ لإبداء الرَّأْيِ «الحصيفِ» بالمعنى السَّريريِّ كعَرَضٍ «عارضٍ» من أعراضِ الاختلالِ العقليِّ الأكيد.. ففيما لهُ مسَاسٌ بالقضايا الأولى، على سبيلِ مثالٍ أوَّلَ (إذ الكلامُ عن القضايا الأخيرةِ إن هو إلا مثيرٌ للشفقةِ حقًّا)، حينما أباحَ وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق يوآف غالانت بكواليس اغتيال كلٍّ من القيادي السياسي لـ«حماس» إسماعيل هنية والقيادي العسكري لـ«حزب الله» فؤاد شكر ليلةَ اليومِ الأخيرِ من شهر تموز / يوليو الفارط (ودونما إبلاغٍ مسبَقٍ لأمريكا ذاتها)، كان ذلك القنُّ العتوفُ المعنيُّ قد تنطَّع في تعليق اجتراريٍّ آخرَ حتى على مستوى العبارات (ناهيك عن مستوى المفردات) بأن ما يُعلنه هذا الكيان الصهيوني عن نشاطه الاستخباري لا يُعَوَّلُ عليه قطُّ لأنهُ ببساطةٍ تضليلٌ لتشويهِ وجهِ الحقيقةِ (وذاك بعد تقويم أسلوبهِ الركيكِ، بالطبع).. وهكذا، فإن ذلك القنَّ العتوفَ المعنيَّ لا يعي جزافيةَ أو مزاجيةَ هكذا تنطُّعٍ خلوٍ من الاستنادِ إلى معرفةٍ علميةٍ حقيقيةٍ يُعَوَّلُ عليها لأن ترامب كانَ، ولمَّا يَزَلْ، يظنُّ أن بحوزتهِ قوَّةً كافيةً لفرضِ ما يبتغيهِ على الدولِ المَنِينَةِ بالتحديدِ، وأن الدولَ التي رفضت ما أقرَّهُ لتهجير الغزِّيِّينَ من أرضهم سوفَ تكونُ طوعَ بَنَاِنِهِ – وتيك، إذن، هي التحدياتُ التي يواجهها جلُّ الشعبِ الفلسطينيِّ أوَّلًا وآخِرًا، فلا معنى هنا للجوء الجبانِ والرعديدِ إلى الشجبِ والتنديدِ أو إلى تكرارِ اللغوِ الانهزاميِّ المملِّ عن تمادي قطعانِ الصهاينةِ في إجرامهم وعن دعمهم الأمريكيِّ بالمال والسلاح بلا حدود، وكلُّ ذلك باتَ قدَّامَ الأبصَارِ والأسماعٍ هراءً أسخفَ حتى من سُخْفِ ترامب ذاتِهِ، مما استوجبَ تعاملًا مختلفًا جذريًّا مع تلك التحديات..
وعلى سبيلِ مثالٍ آخَرَ فيما لهُ مسَاسٌ بالقضايا الأولى (قضايا السياسةِ) أيضا، فإن ذلك القنَّ العتوفَ المعنيَّ ليس لهُ أنْ يُدركَ من قريبٍ أو حتى من بعيدٍ أنَّ إسماعيل هنية بالذات قد تمَّ اغتيالُهُ عمدًا بطريقةٍ من الطرائقِ الاستخباراتية الصهيونية (وبالاستعانةِ بالطرائقِ الاستخباراتيةِ الأمريكيةِ كذلك)، على الرغم من اتخاذِ كافَّةِ الاحتياطاتِ والتدابير الأمنية اللازمةِ لهكذا خطبٍ محفوفٍ بالأخطار بطبيعةِ الحالِ.. ذلك القنُّ العتوفُ المعنيُّ ليس لهُ أنْ يُدركَ، إذن، أنَّ ثَمَّةَ احتمالًا واردًا بتورُّطِ جهازِ استخباراتِ الدولةِ المضيفةِ (أي إيران) في عمليةِ التصفية هذه كذلك، حتى وإن ظلَّ احتمالٌ ورادٌ كهذا من قبيل التكهُّن أو الحَدْس أو التخمين، وليس غير هكذا قبيل – ناهيك هنا، بالطبع، عن أنَّ عملاءَ جهازِ استخباراتِ الدولةِ الصهيونيةِ (أو الـ«موساد» מוסד) كانوا قد جرى زرعُهم في أماكنَ حسَّاسةٍ شتَّى من منطقة الشرق الأوسط ولا شكَّ في هذا بتاتًا، وذلك من أجل إتمامِ ومن ثمَّ إنجاحِ عملياتِ اغتيالٍ وتصفيةٍ من هذا العيار الثقيل.. ذلك القنُّ العتوفُ المعنيُّ ليس لهُ أنْ يُدركَ، في الأخيرِ وليس في الآخِرِ، أنَّ الفارقَ الجوهريَّ الكبيرَ في هذا السياقِ، وللأسفِ الشديدِ، لَفارقٌ جليٌّ كلَّ الجلاءِ، حتى بالنسبةِ إلى المبتدئينَ والأشقياء، بين عصاباتٍ صهاينةٍ يخطِّطون ويعملون على تنفيذ مخطَّطاتِهم في غياهبِ الصَّمْتِ والخفاءِ، وبينَ مجموعاتٍ «أَعَارِبَةٍ» لا يجيدونَ في سياقِ كهذا إلَّا «الدرقعاتِ» مقترنةً بتهديدٍ أو وعيدٍ وإلا الجعجعاتِ منفصلةً بلا طحينٍ جديدٍ دونما الاِستثناءِ – اللهمَّ، والحقُّ لا بُدَّ من أن يُقال ها هنا، اللهمَّ خلا استثناءِ ما كانَ الصَّناديدُ من فصائلِ المقاومةِ الفلسطينيةِ ذواتُهُمْ يخطِّطونَ لهُ من تخطيطاتٍ كانت قد أبهرت جيشَ العدوِّ ذاتِهِ أيَّما إبهارٍ في كلٍّ من السابقِ واللاحقِ وحتى في أوجِ اشتدادِ شوكتِهِ أمريكيًّا وأوروبيًّا وكذاك «عربانيًّا» في ارتكابِ جرائمِ القتلِ والقنصِ والقصفِ والتدميرِ وما إلى ذلك.. فماذا يُتَوَقَّعُ في الختامِ، إذن، من قِنٍّ عتوفٍ متأسلم دعيٍّ كان قد أقسمَ علنًا بأنه لن يسمع إلا كلامَ اللهِ طوالَ شهرِ رمضانَ الفضيلِ، ولكنَّهُ لم يتوقَّفْ عن ارتداءِ الأقنعةِ الزائفةِ لكي يقتاتَ على فُتَاتِ ألاعيبِهِ البَخْسَةِ والبئِيسَة؟؟..
———–
ملاحظة هامة:
هذه المقالات التي يتمُّ إعدادُها في مجال النقد الإعلامي والصحافي تحديدا إنما كانت، وما زالت، تصدر تباعا في المركز الإعلامي الفلسطيني المتميِّز، «الإعلام الحقيقي» Real Media، هذا المركزِ الكائنِ أصلا في حيِّ الرمالِ من مدينةِ غَزَّةَ الأَبِيَّةِ بالذات.. ولكنْ، إذْ يعترينا القلقُ الشديدُ والحزنُ الأشدُّ من هول القتل والدمار اللذين يُمَارَسَا بحقِّ أخواتنا وإخوتنا من الشعب الغَزِّيِّ الكُمَيْتِ والهُمَامِ من طرف أنجاس العدو الصهيوني الفاشي العنصري الإجرامي والهمجي والبربري هو الآخَرُ على مدى أكثر من حَوْلٍ ونيِّفٍ من الزمان الآن، يبدو أن مركز «الإعلام الحقيقي» هذا قد توقَّف عن إصدار موادِّهِ الإعلامية والصحافية حتى إشعارٍ آخَرَ منذ اندلاع «طوفان الأقصى» المُزَلْزِلِ في اليوم السابع من شهر تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2023 (وهذا اليوم بالذاتِ قد شهد الذكرى السنوية الأولى لهذا الحدث الجلل في اليوم السابع من شهر تشرين الأول (أكتوبر) من العام الفائت 2024).. وكلُّنا، في هذا، أملٌ وتطلُّعٌ وتشوُّفٌ على أحرّ من الجَمْرِ في عودة هذا المركز الفريد إلى نشاطه المعتاد في المستقبل القريب – وإنَّهُ لَسَمِيعٌ مُجِيب.