تاريخ

قواعد فهم التاريخ.. معالم المنهج وآليات التطبيق (2)

التاريخ بين التقديس و التدنيس

د. طارق حامد

إذا كان الفصل الأول قد أجاب على سؤال “لماذا نحتاج إلى فهم التاريخ؟”، فإن هذا الفصل ينتقل إلى السؤال المنهجي المحوري: “كيف نفهم التاريخ فهمًا رصينًا؟”. الفهم هنا ليس ضربًا من التلقي السلبي، بل هو نشاط عقلي منظم، يحتاج إلى أدوات محددة وضوابط صارمة تحول دون تحوله إلى تأويل اعتباطي أو انزياح عاطفي. فالتاريخ، بوصفه معرفة إنسانية تستعيد الماضي عبر شواهد ناقصة وأدلة قابلة للتأويل، يظل عُرضة للتشويه ما لم يخضع لـ قواعد منهجية تكون بمثابة البوصلة التي ترشد الباحث في رحلته المضنية نحو الحقيقة التاريخية النسبية. هذه القواعد ليست معادلات رياضية جافة، بل هي مبادئ توجيهية تعكس نضج العقل التاريخي وقدرته على التمييز بين السرد والتحليل، وبين الرأي والحجة، وبين الذاكرة والتاريخ.

1. الموضوعية والحياد في التحليل التاريخي: بين المثالية والمنهج

1.1. المفهوم والإشكالية

تُشكّل الموضوعية (Objectivity) الإطار الأخلاقي والمعرفي الذي يطمح إليه أي مؤرخ، ولكنها تظل واحدة من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في فلسفة التاريخ. فالفكرة الكلاسيكية، التي دافع عنها ليوبولد فون رانكه، والتي ترى أن على المؤرخ أن “يروي الماضي كما حدث فعلًا”¹، تعرضت لهزات عنيفة من قبل مدارس ما بعد الحداثة والتاريخ الثقافي، التي أكدت على استحالة فصل الذات العارفة عن موضوع المعرفة. فالمؤرخ يختار موضوعه، وينتقي وثائقه، وينظم سرده، ويصوغ أسئلته من منظور حاضره ومخزونه الثقافي. إذن، أين تكمن الموضوعية؟

1.2. الموضوعية بوصفها منهجًا وليست حالة

الحل الذي تبناه كثير من المنظرين هو الانتقال من فكرة الموضوعية كـ حالة ذهنية مثالية (عقل خالٍ من أي تحيز) إلى فكرة الموضوعية كـ منهج عمل (Methodological Objectivity). فالموضوعية هنا تعني الالتزام العلني والشفاف بقواعد البحث العلمي التي تتيح فحصًا نقديًا جماعيًا لعمل المؤرخ. وهي تقوم على عدة ركائز:

1- الالتزام بقواعد نقد المصادر: تطبيق الخطوات النقدية (الخارجية والداخلية) على كل وثيقة بشكل يمكن تتبعه والتحقق منه من قبل باحثين آخرين.
2- الفصل بين الوصف والتقييم: تمييز الوقائع المجردة عن الأحكام القيمية والأخلاقية التي يصدرها المؤرخ. فذكر أن “الجيش أعدم ألف سجين” يختلف عن وصفه بأنه “ارتكب مجزرة وحشية”، وإن كان الثاني قد يكون استنتاجًا مشروعًا لاحقًا بناءً على معطيات أوسع².
3- والإفصاح عن التحيزات والافتراضات المسبقة: أن يصرح المؤرخ، قدر الإمكان، بالإطار النظري الذي ينطلق منه (ماركسي، ليبرالي، قومي…)، وما قد يشكّل نقطة عمياء في رؤيته. كما يقول المؤرخ البريطاني جون توش: “الاعتراف بالذاتية هو الخطوة الأولى نحو ضبطها”³.
4- الاستعداد لمراجعة النتائج: أن يكون المؤرخ منفتحًا على الأدلة الجديدة والتفسيرات المخالفة، وأن يعدل فرضياته عند تعارضها مع الأدلة القوية.

1.3. الحياد بوصفه إنصافًا وليس حيادًا أخلاقيًا

أما الحياد (Neutrality)، فيجب تمييزه عن اللامبالاة أو الحياد الأخلاقي السالب. فالتاريخ مليء بالظلم والقمع والحروب، والحياد الحقيقي لا يعني التزام الصمت إزاءها. بل يعني الإنصاف (Fairness) في معالجة الأطراف التاريخية. وهو يتجلى في:

(1) محاولة فهم دوافع وسياقات جميع الأطراف في الصراع التاريخي، وليس فقط الطرف الذي نتعاطف معه.
(2) تجنب الأسطرة (Demonization) أو التقديس (Hagiography)؛ أي عدم رسم صورة للشخصية التاريخية كشر مطلق أو كخير مطلق.
(3) عرض الحجج والروايات المختلفة للحدث، حتى تلك التي تتعارض مع رؤية المؤرخ النهائية، وذلك لكي يتمكن القارئ من تكوين رأي مستنير.

الخلاصة، أن الموضوعية والحياد المنهجيين هما جهد دؤوب لـ العدالة الإبستمولوجية، وضمان أن يكون الحكم التاريخي مبنيًا على أساس متين من الأدلة والاستدلال، وليس على الهوى أو الأيديولوجيا الخفية.

2. أهمية السياق التاريخي الشامل: المفتاح لفك شفرة الماضي

2.1. لماذا السياق؟

الحدث التاريخي ليس جوهرة منعزلة في صندوق، بل هو جزء من نسيج معقد من العلاقات. فـ السياق التاريخي (Historical Context) هو الإطار الزماني والمكاني والاجتماعي والثقافي الذي يغمر الحدث ويمنحه معناه. القراءة المجتزأة التي تنزع الحدث من سياقه تشبه مشاهدة لقطة ثابتة من فيلم دون معرفة ما قبلها وما بعدها؛ مما يؤدي حتمًا إلى سوء الفهم أو التقدير الخاطئ. يقول المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل، أحد رواد مدرسة الحوليات: “الأحداث هي مجرد رغوة على سطح الأمواج العميقة للتاريخ، أما التيارات الحقيقية فهي تلك البنى الاقتصادية والاجتماعية طويلة المدى”٤. وهذا يؤكد على أن فهم “الرغوة” (الحدث) لا يكون إلا بفهم “التيار” (السياق البنيوي الطويل).

2.2. مستويات السياق

يمكن تفكيك السياق التاريخي إلى مستويات متداخلة:

· السياق السياسي والعسكري: طبيعة الدولة (إمبراطورية، سلطنة، مملكة…)، هياكل السلطة، التحالفات الداخلية والخارجية، طبيعة الصراع وموازين القوى العسكرية في تلك الحقبة.
· السياق الاقتصادي والاجتماعي: أنماط الإنتاج السائدة (زراعة، رعي، حرف، تجارة)، توزيع الثروة، التركيبة الطبقية، علاقات السيد بالعبد، الإقطاعي بالفلاح، التاجر بالحرفي. فكثير من التحولات السياسية تكمن جذورها في تحولات اقتصادية بطيئة.
· السياق الثقافي والفكري والديني: نظام المعتقدات السائد، القيم الأخلاقية الاجتماعية، مستوى ونطاق التعليم، سيطرة أفكار معينة (كفكرة الجبرية أو القدرية في عصور الضعف)، وطبيعة الخطاب الديني السائد وتأثيره على السلطة والمجتمع.
· السياق الحضاري الأوسع: موقع المنطقة من العالم، تفاعلها مع الحضارات المجاورة، طرق الاتصال والتأثير المتبادل.

2.3. خطأ الإسقاط المعاصر (Anachronism)

أخطر ما يهدد فهم السياق هو مغالطة الإسقاط المعاصر، أي حكمنا على الماضي بمعايير الحاضر وأفكاره. فهذا يؤدي إلى إصدار أحكام أخلاقية مجحفة أو تفسيرات مشوهة. على سبيل المثال:

· الحكم على تحالفات بعض القبائل مع قوى خارجية في التاريخ الإسلامي بأنها “خيانة وطنية” يفترض مسبقًا وجود مفهوم الدولة القومية الحديثة بحدودها السيادية الجامدة، وهو مفهوم لم يكن موجودًا بهذه الصورة في العصور الوسطى حيث كانت الولاءات قبلية أو دينية أو شخصية.
· تفسير الصراعات المذهبية التاريخية فقط من منظور عقائدي بحت، مع إغفال أبعادها الاجتماعية والاقتصادية (صراع على الموارد، النفوذ، الامتيازات) التي غالبًا ما تكون المحرك الأقوى.

السياق، إذن، هو تصحيح للنظرة، وهو الذي يمكننا من فهم لماذا اتخذ الناس في الماضي قرارات تبدو لنا اليوم غير عقلانية أو غير أخلاقية. إنه دعوة إلى التواضع التاريخي، وإدراك أننا لو وُضعنا في نفس الظروف، لربما تصرفنا بشكل مشابه.

3. التعامل مع المصادر: نقد المصادر وتمحيص الروايات

3.1. المصادر: المادة الخام والمشكلة الأساسية

المصادر التاريخية، بشتى أنواعها (كتب تاريخية، وثائق رسمية، مذكرات، شعر، نصوص أدبية، آثار مادية، شواهد أثرية…)، هي النافذة الوحيدة التي نطل منها على الماضي. ولكنها نافذة معتمة جزئيًا ومشوشة. فهي:

(1) انتقائية: فمن يكتب التاريخ؟ غالبًا النخب الحاكمة أو المثقفة. مما يعني أن صوت العامة، والفلاحين، والنساء، والمنهزمين، غالبًا ما يكون غائبًا أو هامشيًا.
(2) ذاتية: الكاتب يسجل ما يراه مهمًا من وجهة نظره، ووفق أهدافه (تمجيد الحاكم، تبرير فعل، نشر مذهب).
(3) ناقصة: أكثر الأحداث لم يسجلها أحد، والكثير مما سُجل فُقد.

لذلك، فإن التعامل مع المصادر ليس مجرد جمع، بل هو عملية تحقيق قضائي دقيقة، تسمى علم نقد المصادر أو المنهج النقدي التاريخي.

3.2. مراحل النقد: الخارجي والداخلي

طور المؤرخون منهجًا ذا مرحلتين رئيسيتين:

أ. النقد الخارجي (نقد السند): ويهدف إلى التحقق من أصالة المصدر وصلاحيته.

(1) تحديد الهوية والنسبة: من كاتب النص الحقيقي؟ هل هو الشخص المنسوب إليه؟ (مشكلة الانتحال والوضع في التراث). ما تاريخ تحريره بالضبط؟
(2) سلامة النص: كيف وصل إلينا؟ ما هي سلسلة النقل (النسخ)؟ هل دخل عليه تحريف أو تصحيف أو سقط؟ وهذا يحتاج إلى علم فقه النصوص (Textual Criticism).

ب. النقد الداخلي (نقد المتن): ويهدف إلى تقييم محتوى المصدر ومضمونه بعد ثبوت أصله.

(1) الكفاءة: هل كان الشاهد (الراوي، الكاتب) في موقع يسمح له بمعرفة الحدث؟ (هل كان حاضره؟ هل توفرت له المعلومات؟).
(2) المصداقية: هل الشاهد صادق عادة؟ وما هي دوافعه وتحيزاته المحتملة؟ هل يكتب لتمجيد سلطان؟ أو لنصرة مذهب؟ أو لتسجيل انتصارات قومه؟ تحليل الدوافع هو قلب العملية النقدية.
(3) الدلالة: ماذا قصد الكاتب بمصطلحاته في زمانه؟ فمصطلح “الحرية” أو “الأمة” أو “الطائفة” كان له دلالات مختلفة عبر العصور.

3.3. الترجيح بين الروايات المتضاربة

عند تعارض روايتين أو أكثر للحدث الواحد، يلجأ المؤرخ إلى قواعد الترجيح، التي قد تشمل:

(1) تقديم رواية الشاهد العيني على رواية من بلغه الخبر.
(2) تقديم الرواية الأقل تحيزًا أو التي لا مصلحة مباشرة لصاحبها فيها.
(3) تقديم الرواية المؤيدة بشواهد وقرائن من مصادر مستقلة أو من نوع مختلف (كالتأييد الأثاري للرواية النصية).
(4) ملاءمة الرواية للسياق التاريخي العام المعروف من مصادر أخرى.

هذا المنهج المتشكك والتدقيقي هو ما يحول التاريخ من حكايات (Stories) إلى تاريخ (History).

4. التعددية في القراءة وتجنب الأحادية في التفسير

4.1. ضد التفسير الأحادي البسيط

التاريخ البشري شديد التعقيد، وهو نتاج تفاعل عشرات العوامل المتزامنة. لذا، فإن أي تفسير يختزل حدثًا كبيرًا (كـ “سقوط دولة”، “قيام ثورة”، “انهيار حضارة”) في سبب واحد (الغزو الخارجي، المؤامرة، فساد الحاكم، الجفاف) هو تفسير قاصر ومضلل. هذا التفسير الأحادي غالبًا ما يخدم أغراضًا أيديولوجية (إلقاء اللوم على “الآخر”، أو تقديم قرية تبسيطية للجماهير)، ولكنه يخون الحقيقة التاريخية.

4.2. التكامل بين مستويات التحليل والتخصصات

الفهم الشامل للحدث التاريخي يتطلب النظر إليه من زوايا متعددة، والاستعانة بمعطيات وتفسيرات تخصصات معرفية شقيقة:

(1) التحليل الاقتصادي: يكشف عن أزمات الإنتاج، التضخم، توزيع الثروة، والتي غالبًا ما تكون المحرك الخفي للاضطرابات الاجتماعية والسياسية.
(2) التحليل الاجتماعي: يدرس تحولات البنى العائلية والطبقية، ودور الجماعات والحركات الاجتماعية.
(3) تاريخ الأفكار والثقافة: يتتبع تطور المفاهيم والأيديولوجيات السائدة وكيفية استخدامها لتبرير السلطة أو تحديها.
(4) التاريخ البيئي: يدرس تأثير المناخ، الأوبئة، الموارد الطبيعية على مجرى الأحداث.

فثورة ما، مثلًا، لا تفهم فهماً وافيًا إلا بدراسة أسبابها الاقتصادية الطويلة (أزمة زراعية، ضرائب باهظة)، والتحولات الاجتماعية المصاحبة (صعود طبقة وسطى، تذمر الفلاحين)، والأفكار الحاضنة لها (أفكار تنويرية، خطاب ديني إصلاحي)، والحدث المحفز المباشر (مجاعة، هزيمة عسكرية).

4.3. التعددية بوصفها غنى وليس فوضى

التعددية في القراءة لا تعني أن كل التفسيرات صحيحة بالتساوي، أو أن الحقيقة التاريخية غير موجودة. بل تعني أن الحقيقة التاريخية مركبة ومعقدة، وأن كل منهجية تسلط ضوءًا على جانب منها. مهمة المؤرخ الناضج هي التركيب (Synthesis) بين هذه الرؤى الجزئية لبناء صورة أكثر اكتمالاً وثراءً. إنه يشبه من يفحص تمثالاً من جميع الزوايا، بدلاً من الاكتفاء بنظرته الأمامية فقط.

خاتمة الفصل: نحو منهجية متكاملة

قواعد فهم التاريخ الأربع – الموضوعية المنهجية، والتزام السياق، ونقد المصادر، والتعددية التفسيرية – ليست قوالب جامدة يُطبق أحدها بمعزل عن الآخر. بل هي شبكة مترابطة من الضوابط التي تعمل معًا. فالموضوعية تتحقق عبر نقد المصادر، ونقد المصادر لا يكون ذا معنى دون فهم السياق، وفهم السياق يتطلب نظرة متعددة الأبعاد. تطبيق هذه القواعد هو ما يميز العقل التاريخي الناقد من الذاكرة الجماعية العاطفية. وهو الجهد الذي لا يقدم لنا الماضي “كما كان” – فهذا مستحيل – بل يقدم لنا أكثر الروايات تفسيرًا وتنظيمًا للأدلة المتاحة، في إطار من الشفافية والصرامة المنهجية. إنها، في النهاية، أدوات نقدية نسلح بها أنفسنا ضد الاستخدامات المغرضة للتاريخ، ونساهم بها في بناء وعي جماعي أكثر عمقًا وتعقيدًا بحاضرنا، انطلاقًا من فهم أكثر إنصافًا لماضينا.

هوامش الفصل الثاني

¹ Ranke, Leopold von. Geschichten der romanischen und germanischen Völker von 1494 bis 1514. Vorrede zur ersten Ausgabe, 1824.
² انظر في هذا التمييز:Bloch, Marc. Apologie pour l’histoire ou Métier d’historien. Armand Colin, 1949, p. 102. (مارك بلوك، دفاعًا عن التاريخ أو مهنة المؤرخ، ترجمة: سليم حداد، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007، ص 135).
٣ Tosh,John. The Pursuit of History: Aims, Methods and New Directions in the Study of Modern History. 6th ed., Routledge, 2015, p. 132. (جون توش، السعي وراء التاريخ: أهداف، مناهج واتجاهات جديدة في دراسة التاريخ الحديث، ترجمة: عبد الرحمن عبد الله الشيخ، العبيكان، الرياض، 2018، ص 178).
٤ Braudel,Fernand. Écrits sur l’histoire. Flammarion, 1969, p. 11. (فرنان بروديل، مقالات في التاريخ، ترجمة: مطاع صفدي، وزارة الثقافة السورية، دمشق، 1993، ص 23).
٥ للمزيد حول منهج نقد المصادر في التراث الإسلامي والعالمي،يمكن الرجوع إلى: العقيقي، نجيب. المستشرقون. دار المعارف، القاهرة، 1980، ج3، ص 120-145. وكذلك: السبيعي، فهد. منهج البحث التاريخي. دار المريخ، الرياض، 1992، ص 75-130.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى