في ذكرى الإسراء بين إبراء و الرستاق

سالم بن محمد بن أحمد العبري
صبيحة السبت يوم 17 يناير 2026م، الموافق 27 من رجب 1447 للهجرة النبوية قصدنا مبكرين إلى ولاية إبراء تلبية لدعوة الأخ الشيخ سيف بن عامل المسكري للتهنئة وحضور عقد قران ابنه (محمد)، وكنت أتقدم للوصول باكرا إلى مقرّ الدعوة قبل أن يزدحم المباركون ومخافة أن يحجزو المقاعد الرئيسة فنُحرج الداعي وأنفسنا بالجلوس في أماكن بعيدة.

وقد كان وصولنا إلى (سبلة العلاية) قبل الموعد المحدد بالواحدة ظهرًا بنصف ساعة، فوجدنا السيارات قد غصت بها الساحات التى تخدم المجلس أو القريبة منه فأبعدنا سيارتنا وسيارة الأخ الشيخ هلال السيابي، وإذا بمدخل السبلة وفنائها الخارجي قد امتلأ بجمهور المهنئين، وهم يتقاطرون في صفوف جماعات وزرافات وكأننا ندخل إلى قاعة (الأوبرا) أو مسرح (البيك دلي).

لقد جاهدنا أنفسنا حتى نصل إلى دورنا في التسليم والتهنئة، وسألنا أنفسنا أين نجلس وكيف نتعرّف على أحذيتنا عند الخروج، من هذا الجمع الغفير بلطف، ولو أنّ الجموع أفسحت لنا لكان الأمر عسيرًا، وإن كان همي أن أضع حذائي في فناء نافذة بالمجلس لأهتدي له سريعا. ولكن أذن صاحب الدعوة لنا بالدخول والتحية، وبدأنا بالتسليم على الداعي وإخوته وأبناء عمومته، ثم رحّب بنا كبير المنظمين وأفسح لنا موضعنا بالصف الأول على يسار العاقد والأقربين.
وقد تأخر العاقد قليلا عن قراءة الفاتحة بعد أن زفت الرزفة الشعبية العريس إلى كرسي التوثيق المرغوب، وكنت أستأنس بالحديث مع الأشياخ الذين جاوروني من محافظات الشرقية والداخلية والظاهرة من أمثال الحاتمي حول المياه وأحاديث أخرى متناثرة بين أيام الماضي السحيق والزمن المعاصر من الماضي، حكايات تعدد الزوجات وقصصها والشيخ الصقري الذي ترك الجبل واختار الصحراء الشاسعة ونزل بها وانشأ (فلج عز) وبلغته (عز) وهو فلج داؤودي ينبع من طوي عدي ويمر إلى الغرب من قرى المضيرب.
ثم أذاع كبير المنظمين بدء العقد قبيل النصف بعد الواحدة ظهرًا، وكان يتسابق وحاملي الحلوى وأدلة القوة والفناجين الورقية غير المحببة لي، ولم يطل العاقد في التقديم، كما أفعل حين أعقد على بعض أبناء أهلينا إذ أعتبرها فرصة لتوجيه الأبنا للاختيار والصحبة والمودة، حتى قال الشيخ هلال السيابي حين عقدنا بالعراقي على ابني أخي زهران (أحمد ومحمد): هذه خطبة ومقالة توجيه اجتماعية وتاريخية حيث أشرت لماذا العلامة إبراهيم العبري تزوج من (عبيدات) العلامة جاعد بن خميس الخروصي وغيرها من الاستدلالات، وما كادت تفرغ حافظات الحرارة الممتلئة بالقهوة عند مدخل السبلة مؤذنة بانتهاء العقد حتى تقاطر المضيفون بطاولات تضوع بها الصواني للأرز والذبيحة لمن لا يقدر على النزول والقعود جالسا القرفصاء، وإذا بكثير من المنظمين يجرون الشيخ هلال السيابي إلى الطاولة، ثم يمينا لي وأقول أنا قادر على الجلوس للطعام، ولكن منظم الحفل يسند يدفعنا دون أخذ رأي المحيطين بنا ، والإجابة قد تكون إكرامهم وتتلاقي الأيدي لغرف الطعام للأفواه، وقد ظهر الجزء الأمامي وكأنه قرطاس من الشحم لكن الداخل المختلط. بعظم أنسب ثم انتهينا من مأدبة الاحتفال ثم خرجنا إلى الوضوء وصلاتي الظهر والعصر وقد بدأ الحشد يتدافع ويبارح المكان ونتبعهم وإذا بالمشايخ اصطفوا للتوديع بعد المباركة لـ(محمد). والسبلة كانت للمسجد أقرب إلى الشارع الداخلي الذى كان جزءًا من الشارع الموصّل إلى (ولاية صور) فصلينا وعدنا أدراجنا إلى السيب وبركاء وإلى تلبية دعوة الاحتفال بالإسراء المعراج بولاية الرستاق.

فصلينا المغرب والعشاء جمعًا في مسجد المصلحين وهذا هو الرجل الذى غادرنا منذ ما يزيد على 30 عاما وكان ذا مال قياسا على أموال محيطه وقد جمعه قرشا قرشا من أعمال تبدو صغيرة؛ لكن الله ينمّيها حين يبارك فيها على أيدي عباده المؤمنين البسطاء، فنقلهم من حال إلى حال وكان هو من بقايا المصالحة من قرية (قلعة المصالحة) إحدى قرى ولاية الحمراء، بل هي أقدم من ولاية الحمراء و ربما هي و(بلدة العارض) و(قرية بني صبح).
انتقل راشد بن حميد إلى الرستاق، ومَنَّ الله عليه بالشراء، فصار منظر العيون ومبتغى الحالمين، فلما توفي كان والدنا الشيخ عبدالله بن مهنا قد ركن إلى الراحة بعد أن تجاوز السبعين وقد يكون أثر عليه موت ابنه أحمد أثرا كبيرًا رغم صبره القوي إذ كان خارج الحمراء في (دبي) لما أتى خبر وفاة أحمد وصاروا يتهامسون ليخفوا الخبر عنه حتى يصلوا البلد ولكنه أحسّ أمرا يخفونه عنها فانهال عليهم زاجرا ومحتسبا، فلمّا أبلغوه أمر وفاة ولده كان كجبل الطور تحملًا وبركة.
نعم كان حاله ذاك يسعده ويثبطه والجماعة يلحون عليه للحضور من شهر إلى شهر، والناس يتناجون كيف ستحل هذة التركة، ربما اتصل أحد الأشخاص بالعم محسن بن زهران يريدون منه أن يسعي للوالد ليدفعه للتقديم دون تأخي, فذهب له وكان عادة يلتقي صباحا مع مكتب الوالي بحي (طوي سليم) فأبلغه انتظار الجماعة له ليوزع تلك التركة فلما أحسه متريثا قال له: مرنا نذهب أنا وسالم بن محمد بن أحمد وكنت عضوا بمجلس الشورى في الدورة الأولى، فكتب خطابات ولم ننتريث بل بكَّرنا للذهاب يوم الجمعة الأول من أغسطس من عام 1994 وكان اليوم التالي هو السبت حين أخذ بالدوام الذى عرف بمحمد يوسف كان طويلا غير معتاد ولذلك أُلغي بعد فترة ليست بطويلة.
حرصت أن أحزم الأمر بيد الضبط والعدل, فلم نترك للأفراد المعتدين بصور التحيز والمحاباة وثمن الأتركة بثمن العدل المراعي للعائد الحالي وطبيعة المستقبل لها، ثم عرضنا أن نضع العائد الشهري للابن من 300 إلى 350 ريال وللأبناء من 150 إلى 175 و ما إن كتبنا التفاصيل حتى أخذت نفس أوراق القسمة إلى المحكمة القديمة عند جامع المحكمة وكان القاضي الشيخ عبدالله بن سالم بن راشد الخروصي أي بن الإمام سالم فوق في مكتبه وختم الأوراق، ولم ينبس أحد ببنت شفة إلى الآن حيث أمرنا الله بالأخذ بالعدل والمساواة والحزم والرضا الذى حرصنا عليه وقُضي الأمر الذى فيه تستفيان,
بعد قضاء الصلاتين كان الأخ سعادة حمد الضوياني يستعجل وصلونا لنبدأ الحفل بليلة الإسراء والمعراج الذى دعا له سعيد الذكر الأخ حمدان الضوياني، قلت نحن بالباب، فلما سلمنا بإشروا بالاحتفاء وكان بمثابة إيماني بالقلب والجنان وليس بطول الكلام، قدم المقدم للقاء بكلمة موجزة ثم دعا المنشدين لإنشاد صوفيّ فلما اكتفى المنشدون بدقائق معددوة كادت الأيد أن تمتد إلى للقهوة والطعام الممدودين أمامنا من المغرب، لكن الشيخ والمتحدث المبلغ قام من مخبئه في الصف فقال لا تترك هذه الفرصة في هذه الذكرى العطرة بالإسراء والمكان والزمان الآن ملتهبان، فقدم مداخلة بليغة ومؤثرة، فقلت له أين كنتم حين تخطب خطبة الجمعة التى قُرِأتْ. بالأمس في المسجد والتى كانت باردة برود الشتاء وكان يلزم أن يكون الدعاء الذى دعا به المتحدث الأول؛ لأن الواجب بحده وليس بأعلاه يستوجب ذلك القدر من الدعاء.
تقدمنا الأخ معالي الشيخ عبدالله البكري لنحتسي القهوة المبسطة المختارة وكأنه يقول إلى القاء آخر.



