
الكاتب تامر محمد عزت | القاهرة
المنظر ليل.. السابعة مساءً..
مقهى قديم بعدد قليل من الطاولات الفارغة إلا قليلا، رجلين في الخمسين من عمرهما يجلسان في إحدى أركان المقهى البعيدة، وعلى الجانب المقابل تلفاز، وعامل المقهى يروح ويجيء بالمشروبات الساخنة المختلفة لرواد المقهى بالخارج.
عامل المقهي: ماذا تشربون أيها السادة؟
فهمي: ( متطلعا لعامل القهوة) أمهلنا خمسة عشر دقيقة وآتي لنا بفنجانين من القهوة.
عامل المقهي : ( محتارا) حسنا
خالد: ( متأملا المقهي) يبدو أن رواد المقهى لم يحضروا بعد.. لابأس فالهدوء مطلوب أحيانا بدلا من الصخب والخلافات والجدال الغير مثمر
فهمي: (متأملا) هل توافقني أيها الصديق العزيز على أنا الاختلاف في الدين والسياسة قد اتفقنا عليه بدون أن نتفق فعليا! شيء عجيب!
خالد : ( رافعا رأسه) أخيرا تحدثت؟ ( شرد بصره) عندما كنت في الجامعة، قال لنا أستاذ جامعي : ممنوع التحدث في ثلاثة مواضيع، السياسة والدين والجنس. تعجبت يومها لأن حياتنا كانت خليط من كل هؤلاء في السر والعلن، ولكن يبدو أنه يشير إلى العلن حتى لا نقع في المحظور مع أولئك الجواسيس السريين في ذلك الوقت.. مفارقة عجيبة رغم أننا مطالبون بالحوار كي نقرب وجهات النظر أو على الأقل فهم خلفيات الاختلاف لعلنا نصل إلى حل. ولكننا نختار الطريق الأسهل وهو الصمت الانتقائي تجنبا للصدام.
فهمي: (يهز رأسه مؤيدا) أينعم..تجنب المناطق الملغومة؛ كي لا تنفجر في أنفسنا قبل الآخرين، لأن الدين والسياسة يلامسان الهوية والقيم الشخصية العميقة، أما الجنس فهو متاح للجميع في الخفاء أكثر من العلن، ومع ذلك فالسياسة والدين والجنس محاور أحاديث الناس سواء أفراد أو جماعات ولكن الانفجار في العلن مؤرق. السياسة لها منبر إعلامي ضخم، والدين له منبر خطابي فخم.
خالد:(وهو يتلفت حوله) لاتنسى ثقافة المجاملة على حساب المكاشفة، احيانا نضحي بعمق العلاقة في سبيل الحفاظ على هدوء السطح بدلا من توتره واستمرار الود الظاهري بيننا.
فهمي: (يهز رأسه) يا عزيزي.. ضعف أدوات الاختلاف وآلياته قد ينتج كوارث اجتماعية وإلا لم يتواجد الإرهاب والجماعات المتطرفة والأحزاب السياسية.
خالد: ( يتلفت حوله باحثا عن النادل) لماذا يشعلون التلفاز ولا أحد يسمع له أو يشاهده؟ استهلاك بلا معنى، صخب بلا هدف.
فهمي : (التفت ليرى التلفاز) (ابتسم) عادة قديمة منذ أيام الراديو ، محطة قرآن كريم صباحا، نشرة الأخبار ظهرا
.. وهكذا.. الوضع تغير الآن وصار التلفاز بديل الراديو في لعبة العبث التى نحياها.
خالد : ( ضاحكا) لعلنا اتفقنا هذه المرة ضمنيا على أن نتواجد في هذا المقهى القديم نوعا ما.
فهمي : (مبتسما) نعم.. اتفقنا كما أن هناك قطعان اتفقوا على أن يتواجدوا في اماكن مختلفة دون اتفاق مثل المولات المنتشرة، الفكر الجمعي متواجد أينما حل البشر، ومسألة نسبية بينهم.
خالد: ( نظر إلى فهمي) لعلنا من الأقلية، ثقافة الازدحام تبعث عن الجنون بين أفرادها، هل تحسد الآخرين؟
فهمي: ( ثبت عينيه) نعم.. حيث لا يوجد حوار، يوجد إثبات الأنا والذات ولو على حساب الحقيقة.
خالد: (اعتدل في جلسته) لقد وضعت يدك على الجرح تماما، الجميع لا يبحثون عن الحقيقة، بل هي معركة استحقاق، يتحول الحوار إلى منصة لإثبات الذات، تضيع الحقيقة، والاعتراف بالخطأ ماهو إلا هزيمة شخصية، وليس كخطوة نحو الوعي.
فهمي: ( ينظر إلى خالد مباشرة) لدينا اسباب للتمسك برأينا حتى لو كان خاطئا، الارتباط العاطفي بالأفكار لأنها جزء من هويتنا، إذا انتقد أحدهم فكرتي أشعر وكأنه انتقدني شخصيا، وأيضا وهم المعرفة وكل من هو أقل علما، طبيعي أن يكون أكثرهم تصلبا وعِندا، وأخيرا الرغبة في الانتصار، مناظرات رياضية كالتي تراها في التلفاز بعد كل مباراه، سجال وجدال في اللا شيء، لا يوجد مخرجا.. بل يوجد المزيد من الجحود.
خالد:( منتبها) والجمود والتسلف وإعادة وتكرار الآخرين
فهمي:( مبتسما) والانغلاق، والغربة الفردية بين الجماعة، حيث تنقلب الأدوار، الجميع يتكلم.. يمثل.. يكذب.. يغني.. ولا أحد يستمع، تخيل اننا لو طلبنا من كل عازف آله في فرقة موسيقية وهم جالسون معا أن يعزف بمفرده بدون موته ما يريد.. ماهي النتيجة؟
خالد: ( مفكرا) نشاذ.. إزعاج.. صخب.. ثم في الأذان و..
فهمي:( مستطردا) هروب المستمعين..
خالد:(يبحث عن العامل) هل ترى أن العزلة الفكرية أصبحت هي الملاذ الأخير للحفاظ على ما تبقى من الحقيقة؟
(عامل المقهي يلبي نداء خالد والأخير يطلب منه فنجانين من القهوة)
فهمي:( متأملا ابتعاد العامل) العزلة الفكرية قد تؤدي إلى الانتحار يا صديقي
خالد: امممم،إذن فالعزلة الفكرية ليست ملاذا آمنا، كما قد يتوهم البعض، بل هي زنزانه إنفرادية يغيب فيها الضوء والهواء وتؤدي إلى الانتحار المعنوي.
فهمي:(أغمض عينيه لبرهه) نعم. الإنسان كائن قائم على التفاعل، وحين يقطع خيوط التواصل الفكري مع الاخرين، بدعوى اليأس من حوارهم، فإنه يتحول إلى صنم، لا يستقبل اراء جديدة، يفقد معنى الحياة، يتآكل نفسيا، العزلة تُولد وحشة لا تردمها الكتب ولا التأملات المنفردة، لذلك الانبياء نجحوا في دعوتهم الجماعية لأنهم بين الناس، والفلاسفة نجحوا في دعوتهم الفردية واستقطبوا بعض الناس لأنهم بعيدون عن الجموع، وكذلك بعض التيارات كالماسونية.
خالد: ( ينظر إلى العامل ومعه القهوة) هل تعتقد أن هناك طريقا ثالثا يمكننا الحفاظ على الحقيقة دون أن نفقد عقولنا أو أرواحنا؟ طالما الحوار ” معركة ” والعزلة” انتحارا”.
(وضع عامل المقهي فناجين القهوة)
فهمي:(شاردا بعد أن ارتشف رشفة من فنجان القهوة) الخيار المُر.. التعايش والقبول بالأمر الواقع، ليس استسلام، بل آلية للبقاء في عالم لم يعد كما سابقا يقدر العمق، والرضا ليتمكن من العبور وسط الزحام السطحي دون أن يفقد عقله، التعايش مؤلم ولكن السطحية أحيانا تمنع من انهيار، كما أخبرتك منذ قليل، الأمر نسبي، السطحية مثل التطعيم يعمل كحائط صد ودرع من العزلة والانتحار الفكري.
خالد: ( بعد أن ارتشف رشفة قهوة) إنه التعايش الجنائزي حيث نحضر مراسم دفن الحقيقة والمنطق يوميا ومع ذلك نصافح المعزين ونبتسم للجميع.
فهمي: ( حاملا فنجان القهوة) نعم.. الرضا بالواقع هو ضريبة الوعي في زمن الصخب، أن تكون مدركا للمسرحية ومدركا لزيف الأدوار، ومع ذلك تجلس في الصفوف الأولى وتصفق مع المصفقين، ليس جُبنًا، بل هو دبلوماسية البقاء، فلتكن هناك لغة مشتركة وإن كانت تافهه لتتحدث معا جميعا، أخبار الفنانين، الفضائح، الموضه، أي شيء كما يسمونها في هذه الأيام بالـ ترند، الأهم أن تحافظ على سلامك النفسي والعصبي وأن لا يذوب قناع الابتسامة الموجود على وجه السطحية مع الوقت حتى لا يظهر وجهك الحقيقي. طالما أننا لا ننقب في الجذور،سيظل الشجر واقفا حتى لو كان ميتا من الداخل.
خالد:( بعد أن فرغ من فنجان قهوته) إنه الاستقرار الهش.. نحن نفضل أن تعيش في كذبة مريحة على أننا نواجه حقيقة منهارة. ألا ترى معي أن المقهى يزداد عددا منذ أن كنّا هنا.
فهمي: ( دارت رأسه يمينا ويسارا) يبدو أن هناك مباراة ولهذا يتوافدون رويدا رويدا.
خالد:(متأملا ما حوله) إذن السطحية هي الزيت الذي يمنع تروس المجتمع الصدئة من إحداث ضجيج الانفجار.
فهمي: (رافعا صوته تدريجيا)
التاريخ هو دوامة متكررة لنفس الصراعات ونفس الجحود ونفس الأقنعة ولكن بأسماء و مسميات مختلفة، سخرية الوعي يا عزيزي خالد، بينما يحترق المثقف، ذلك المهموم فكريا في أتون الاسئلة، ويقطع مسافات شاسعة من القلق والشك، والقراءة و المجاهدة، ليصل إلى نقطة التسليم أو الزهد أو التعايش تجد الناس البسيطة مثل هؤلاء الذين ينتظرون مباراة دوليه، واقفون عند تلك النقطة بالفطرة دون عناء، البسيط والواعي يقفان بجانب بعضهما البعض في جنازة المنطق، الأول يبتسم لأنه لم ير المأساة، والثاني يبتسم لأنه أدرك عبثية الاعتراض عليها. فلنحسد معا هؤلاء (أشار لجمهور الكره الذين زادوا ) على بساطتهم.. الحسد هنا ليس على امتلاك شيء بل على الخلاص من عبء لا يطاق، البسيط يرى الشجرة فيستظل بظلها، المثقل بالوعي يري فيها صراع البقاء ودورة الحياةوالموت وأثر التغيير المناخي وربما ينسى أن يستظل.
خالد:(واقفا) إذن هيا بنا نكمل سهرتنا بعيدا عن ضوضاء الكرة.
فهمي: ( معارضا) لا.. سنرى معهم المباراة، لقد سمعت أن محمد صلاح سيلعب، مباراة ليفربول وفريق آخر لم انتبه لاسمه. لنتعايش.
(حملا كرسيهما وجلسا بين الجماهير)
-أسدل الستار-

