
تامر محمد عزت | القاهرة
اختفى القمر في تلك الليلة، ليلة المحاق، حيث يقع القمر بين الشمس والأرض ويصبح غير مرئي، ندلف مع الظلام إلى غرفة تجلس فيها فتاتان، ضوء اباچوره خافت يضيء المكان على استحياء ، الفتاتان تجلسان على الأرض في وضع القرفصاء، اعمارهما تجاوزت الثلاثين، آنسات، اصابهما الملل من الحكايات المكررة، قررت احدهما أن تبتكر لعبة جديده في غياب القمر، حيث قالت:
ما رأيك أن نغمض أعيينا بعصابة ونبوح بسر خطير لا يُقال إلا مرة واحدة في العُمر وبشرط أننا بمجرد رفع العصابة سننسى ما قلناه؟، رحبت صديقتها بمنتهى الإثارة والحماس وقامت وبحثت عن قطع قماش ووحدتها أخيرا وبدأت الأولى في الاعتراف.
” كنت صغيرة جدا، عندما أخبرني خالي بهذا السر، لم أتجاوز السادسة من العمر، خالى، كاتب الأغاني المشهور، حكى لي أن كانت له صديقة محبه للغناء والشعر الغنائي، ولأنها بنت، كانت تخجل من عرض ما تكتبه على الملحنين والمطربين، فأخذ خالي إحدى الأغاني وبعد عدة جولات وعدد من الصعوبات التى واجهها، وجد أخيرا مطرب أحب كلمات الأغنية التي عرضت عليه، ولكنه نسبها لنفسه، علمت صديقته بتلك الواقعة وصُدمت،واجهته بعنف، اعترف أنه كان جبانا ليقول الحقيقة، ولكنه أحب اللعبه، أن يُكتب اسمه في ألبوم غنائي كلمات/ ….. …..
غناء وألحان المطرب… .. … .. سحرته الفكره وخاصة أن نالت عليه العروض من بعض المطربين والملحنين، وزار صديقته في منزلها بنية الاعتذار وتقديم الأسف ووعدها بأنه سيعرض كلماتها فيما بعد لهؤلاء.
القصة كما رواها خالها:
قامت من فوق كرسيها، وقد عادت إليها الحياة، وعادت بمفاجئة له، أن لديها دفتر أغاني، فيه العديد من كلمات أغاني متنوعة ما بين الحب والهيام والغرام والفراق،أمسكت بالدفتر ولعب الشيطان برأسي، ماذا لو كانت كلها تُكتب باسمي، الشهره، البرامج، الصحف، المجلات، أبواب واسعه فُتحت فجأه ووجد نفسه يراها وهو ينال شهادات التقدير، والجوائز المتنوعة، سرعان ما تبدلت وتحولت، وكأن مس شيطاني استحوذ عليّ، وقمت بخنق الصديقه، لم استوعب ما حدث إلا بعد أن ذهب الشيطان بعيدا يضحك عما اقترفته من جريمه، لم يتبق مني غير بقايا إنسان، وسحبت الجثة، ومن فوق ، شرفة الطابق السابع، ألقيت بها. بعدها وقفت عند الباب، باب الشقة وكأنني لازلت واصلا واطرق الباب بعنف ، سمع الجيران طرقاتي وابلغتهم أنها لا ترد، كسرنا الباب ودخلنا بسرعة، لنجدها غير موجود، وبعد بحث قصير، صعدت الشائعة وكأنها حقيقة، أنها انتحرت.
عدنا إلى الغرفة مرة أخرى والصمت يطبق على المكان، هواء ثقيل قد تواجد، أنجزت الفتاه وافصحت عن سرها وكأنها كانت خلف ستار، كانت تحكي وقلبها يضطرب، ودقاته تقفز من قلبها إلى قلب صديقتها، سر لا يمكن أن يُعاد التحدث به مرة أخرى، وبعد فترة وجيزة هدأت الاجواء وعادت الفتاة إلى حالتها الطبيعية وقالت لصديقتها: حان دورك.
خلف تلك العصابة تجمدت الملامح وقالت:
لم تكن خالتي تسكن وحدها في شقتها، كانت أمي في زيارة مفاجئة لها، تواسيها على ما حدث، الحب هو تكلم، خالتي كانت تحبه حبا كبيرا، كما يقولون الحب الأعمى، الرجل في ريعان شبابه، وسيما، محبا للفن والموسيقى، أشعار رامي والحان السنباطي، يتحدث عن أشعار الغناء مثل الأشعار العربية، ولأنها كانت تكتب الشعر الغنائي أعطته كلماتها مع قلبها، كانت أمي لديها عندما علمت بخيانته، وعندما طرق الباب، دخلت هي و اختبأت، ورأت كل شيء، الغدر والخيانة والقتل، نعم، خالك قتل خالتي، كانت أمي حاملا للمرة الثانية، اختبأت خوفا على جنينها، وخافت من الازدحام المفاجيء، خافت من قول الحقيقة، خافت من الموت، خافت أن تكون التاليه، وقصت لي حكايتها وأنا صغيره في السادسه من العمر، لم أفهم الكثير وقتها وكما كانت القصة ثقيلة فوق كاهلك.. كانت كذلك بالنسبة لي.
ساد الصمت الطويل بينهما، الهواء سار أثقل من ذي قبل، القدر جمع بين فتاتين لم يكن لهما دور في الحياه غير الاستماع لكارثة كبرى، هل ذلك تأثير الفراشة، ببطء رفعت كلا منهما العصابة التي اخفت العيون لتتواجه مرة أخرى ولكنهما سيقرآن بعضهما بشكل جديد.
طرقات باب الغرفة افزعهما، وقفا مشدوهين عندما فتح الباب واضيء مصباح الغرفة وسؤال طُرح :
العشاء جاهز.. هلا انضممتا إلينا؟
خرجنا من الغرفة حيث دخلنا تاركين الفتاتين مع خال إحداهما.




