الهروب.. الوقوف على كتف المدينة

غسان علي عثمان | كاتب سوداني ومقدم برنامج الوراق

هذه خاطرة ولدت في رحلة قصيرة بين مدينة الخرطوم في ثلاث ساعات إلى مدينة واد مدني… ذلك أنه وفي ظل الحبس الاختياري الذي يعيشه إنسان السودان، داخل حيز يطلق عليه مجازاً مدينته المحببة (فلكل منا مدينته تعجبه وتقيده)، يعتقد بل وتترسخ في ذهنه صور جامدة بلا روح، لطبيعة ما يمكنه العيش به وعليه، ومن حسنات هذه الشرور أن تمتلئ بالدهشة كلما قررت الهروب من المعاقل الأسمنتية..

 

مشهد أول:

عند محطة الخروج: هي راحة غريبة تستسلم لها روحك بعد أن تعبر بسيارتك حدود مدينة كل همها أن ترتجل، ترتجل كل شيء حتى وجودها، وبالتأكيد وجودك في جوفها المُر..

وانت تعبر بوابة المدينة خاصتك.. تلتقط آخر أنفاس مشتبكة مع بتاع الدكان.. الزحمة في الفرم (الفرن).. بوليس الحركة قادم نحوك بعد أن يؤدي دور يوليوس قيصر في شكسبير الإنجليز.. يحمر ليك عيونو.. (الرخصة!) تهديها له فيمرر نظره فوقها كماسحة ضوئية وظيفتها اكتشاف الأسباب التي من أجلها جعل لكل شيء رقم سري.. حتى الجسد.. وعند أول انعطافة خارج التفتيش تبدأ روحك في التفتيش عنك من جديد.. وتدير لها كل كؤوس الأمزجة المتصالحة.. وحينها فالميزة التي تؤهلك سودانياً أن تتعامى عن السببية وتكتفي بترديد عبارة ( الله يهون يا سلاااام..) هي حكاية من القدرية المتصفة بشيء من المبدئية..

 

مشهد ثان:

هذا فإن في كل رحلة يقوم بها الواحد منا خارج المدينة المسماة قانونياً بالعاصمة، يعثر في طريقه على معاني أخرى للحياة، أناس مشتولون في كسب الرزق، يفعلونها دون التفاتة لقيم الحداثة المزيفة. إن إنسان السودان طليق المدن وبانيها بذائقته لا يحتاج إلى قاموس من الاصطلاحات التجارية.. فلا رغبة عنده في تحسين جودة بضائعه.. ولا ضرورة البتة في المناداة عليها بصوت عال، فالمنافسة هنا محكومة بالمزاج المُرقم لكل مستهلك.. فالجميع يختارون جهدهم في كسب الرزق دون منازعة.. ولا خوف حتى من عسس السوق الذين كل همهم إجبار الفقراء البقاء فقراء..  

 

مشهد ثالث:

ناسنا بره المدينة لا يستخدمون لغة مرمزة أو خاصة، بل أن ماء حلقهم مرطب بسبب قلة الكلام إلا في مظانه.. إنهم لا يكلفون أنفسهم البتة إجراء أي عملية للبحث عن مقدمات؛ المقدمات التي يرهق إنسان المدينة المفترضة فينا في تقليب دلالتها طمعاً منه في مكسب سريع ينفق بصورة أسرع.. إن مسائلهم الوجودية لا تنتظر سارتر ولا كيرجارد.. هي كده.. زي ما الله خلقها..

وعند أول مطلب لك خارج المدينة.. تعرف كيف أن أهلي يعرفون من المعنى الطلب المباشر (أي عندنا جيب تلفونك‪- صاحبة دكان صغيير لكنه مشحون بالعاطفة، تضع فيه صاحبته ألسنة الخلق جميعهم لتطعمهم من لبن الحداثة ومشتقاته – التلفون في الشاحن يشحن كلو بـ1 جنيه‪.. خلاس.؟!، ورغم ضيق دكانتها إلا أن خلق الله مكدسين كبروفة سريعة ليوم الحشر.. فهي تشحن لهم تلفوناتهم “رسل الحداثة” بالكهرباء ولكنهم يمتلئون بكهرباء أخرى..، وهي مع العرض توزع ابتسامة ثابتة متماهية مع نظرات الخلق الكُتار الواقفين لكنهم يعلمون أنها ستعطي كل ذي حق حقه.. ورغم ذلك لا تعبر هذه البسمات عن شيء سوى اللطف المشحون برقة فطرية‪ متجاوزة لفلسفة الجسد والطاقة..)..

هذه المدينة التي نبقيها في دواخلنا مخادعة جداً، بل ومكابرة بناسها وبلاهم.. فهم إما متسلقون على الكتف دون سبيل لعقلها المختفي حتى عنها.. وإما يتساقطون برغبتهم في خدعة الرغائب لأمة ما بلغت حتى الآن فطامها من خصوصيتها..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى