تاريخ

الغربال

بقلم: د. محمود رمضان

بيده الخشنة سلم على، هو الغرابلي، أو صانع الغرابيل كما يقولون، دعوته لفنجان شاي في المقهى، وقال: ورثت مهنة الغرابلي أبا عن جد، وما يضحكني حقا ويثير سخريتي هو مقولة النساء «يا مآمنة للرجال يا مآمنة للميه في الغربال»، مع أن جميع النساء لا يمكن أن تستغني عن الرجل والغربال.
كنا نصنع الغربال من جلود الأبقار أو الجمال، وبعد تجفيف الجلود ودباغتها نقطع الجلود لشرائح رفيعة تشبه الخيوط، ونجدل هذه الخيوط على شكل شبكة، ونضع حولها إطارا ثم نلصق الشبكة بالإطار الخشبي جيدا ونقطع الزوائد، وتختلف مسام الغربال طبقا للغرض المستخدم فيه، فهي ضيقة في غربال ومتسعة قليلا في آخر، وبالطبع مقاسات الغربال مختلفة.


وهناك من يخلطون بين الغربال والمنخل، فالأخير يستخدم لنخل الدقيق، ومسامه ضيقة للغاية، ومصنوع من المعدن، لكن للغربال استخدامات متعددة، منها فصل الحبوب الكبيرة عن الصغيرة، وتنقيتها من التراب والشوائب، وتزدهر تجارته في مواسم الحصاد، وكما تعلم ففي القاهرة حي المغربلين، فيه يتم صناعة الغربال بأنواعه المتعددة، ولم ينقطع شراء الغربال حتى الآن ولكن تجارته قلت عن ذي قبل.
عمال البناء أيضا يشترون نوعا محددا من الغرابيل، لغربلة الرمال وتنقيتها من الحصى والأحجار الصغيرة لضمان الحصول على رمل نقي وهو ضروري للبناء الجيد.
وظهرت غرابيل مستوردة من الصين وغيرها، وهي رخيصة الثمن، لكنها كانت (هوجة)، فقد اكتشف المصريون مدي جودة غربال بلدهم عن المستورد، وفي الريف لايثقون إلا بالغربال المصنوع يدويا، ويقبل على شراء الغربال تجار الحبوب، فالغربال بالفتحات الضيقة لغربلة القمح والأرز، وذو الفتحات الواسعة لغربلة الفول والفاصوليا واللوبيا وغيرها.
وكنت أقف مع جدي في محله وهو يصنع الغربال وأسمع النسوة وهن يساومن جدي على ثمن الغربال، تقول إحداهن: أنا فقيرة يا حاج، واللي ما يشوفش من الغربال يبقى أعمى، ده أنا لا لابسة دهب ولا حتى فضة، يضحك جدي ويعطيها الغربال بالسعر الذي حددته، ويقول لها بشرط ألا تقولي يا مآمنة للرجال يا مآمنة للميه في الغربال، فيثير موجة ضحك بين زبائنه.
وورث أبي المحل عن جدي، وورثت المحل عن أبي.
ولاتزال هناك عادة لجميع النساء في الريف والمدن، حتى في الأحياء الراقية، وهي شراء غربال مساحته واسعة وخيوطه من الحرير وملون بألوان مبهجة، وفيه يضعون المولود في سابع يوم ولادته، ويعملن السبوع، وتضع النساء الوليد في الغربال ويهزونه ويدقون بالهون بجواره وتضعه والدته على الأرض وتخطي من فوقه سبع مرات لمنع الحسد عنه، كما هو معروف في التراث الشعبي، وبالطبع سيدات الزمالك والمهندسين والتجمع الخامس يسمعن عن هذه العادات ويجلبن سيدات من الأحياء الشعبية للقيام بهذه الطقوس المبهجة في فيلاتهن وشققهن الفارهة، ويغنين للمولود:
حلقاتك برجالاتك
يا سلام سلم على شرباتك
كل الخفة معاك فى اللفة
خلى شويه يا واد لاخواتك
برجالاتك برجالاتك
ياللى طلعت لبابا يا نونو
يحميك ربي من الحاسدين
شفت عيونك هي عيونه
قلت حيطلع بس لمين
قولوا وغنوا.. برجالاتك
كما يغنين في سبوع المولود في العادات والتقاليد المصرية أيضاً:-
يا ختى عليه وعلى اللي جابوه
قمر الدنيا صبح قمرين
هو الخالق الناطق أبوه
رشوا الملح عليه من العين
ونهيص له .. برجالاتك
وهذه العادات والتقاليد المبهجة لن تندثر، والسيدة المصرية لن تتغير طباعها، أيا كانت، سفيرة أو وزيرة أو حتى بائعة جرجير، كلهن يقلن: يا مآمنة للرجال يا مآمنة للميه في الغربال، ومع ذلك يشترين الغربال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى