المؤتمر الوطني الشعبي للقدس.. و رؤية فيصل الحسيني

نهاد أبوغوش | رام الله – فلسطين

في ضيافة الرئيس محمود عباس ومشاركته المباشرة إلى مشاركة هيئات ومنظمات عربية وإسلامية، عقد المؤتمر الوطني الشعبي للقدس، بعد جهود مثابرة بذلتها اللجنة التحضيرية للمؤتمر الذي شارك فيه المئات من شخصيات القدس وممثلي القوى السياسية والمؤسسات الأهلية، والجهات الرسمية والكفاءات الذين تزخر بهم المدينة المقدسة.

ولعل أبرز ما طمح إليه المنظمون والمشاركون هو الانتهاء بشكل توافقي إلى اعتماد وثيقة برنامجية، وتشكيل هيئة موحدة تمثل مرجعية عليا للقدس بما ينطوي عليه ذلك من بعد سياسي وطني وملفات عديدة تلامس قضايا المواطنين وهمومهم، وتجسد انتماء المدينة وأبنائها لشعبهم الفلسطيني كما تبرز المكانة التي تمثلها القدس ليس لسكانها والمنحدرين منها فحسب، بل لكل الفلسطينيين أينما كانوا، ولعموم العرب والمسلمين والمسيحيين في أرجاء المعمورة.

من الواضح أن هذا المؤتمر انعقد في مرحلة عصيبة وحرجة، أبرز معالمها الانقسام الفلسطيني واشتداد التصعيد الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني وأرضه وقضيته، ولا نبالغ إذا أردفنا أن القدس هي أبرز ضحايا تضافر هذين العاملين شديدي الخطورة والأثر ( الانقسام والتصعيد) وإذا شئنا أن نلخص مظاهر هذه الآثار السلبية والخطيرة نورد ما يلي:

-غياب الحضور السياسي الفلسطيني في القدس، إضافة إلى غياب العنوان الممثل لهذا الحضور، وقد استفحل هذا الغياب منذ رحيل القائد الوطني فيصل الحسيني، ثم ازدادت فداحته مع إغلاق المؤسسات الفلسطينية وأهمها بيت الشرق، ثم استكمال جدار الفصل وما أدى إليه ذلك من تشديد عزلة المدينة عن محيطها الفلسطيني.

-تفاقم المشكلات المعيشية لمواطني المدينة القاطنين ضمن حدود البلدية الإسرائيلية بسبب الضرائب الباهظة وتدني مستوى الخدمات الاجتماعية في ميادين الصحة والتعليم والخدمات العامة، ومشاكل البناء والتخطيط الهيكلي، والمساس المنهجي من قبل الإدارات الاسرائيلية بمجمل الحقوق المدنية، وانتشار المخدرات والآفات الاجتماعية، يقابل ذلك عزل مجموعة كبيرة من القرى والبلدات في محيط القدس عن مدينتها ومركز حياتها وهذه البلدات التي ارتبطت تاريخيا بالقدس تحولت إلى جزر معزولة وتعاني بشدة من غياب المرافق والخدمات وأماكن العمل التي كانت توفرها المدينة.

-اشتداد الهجمة على المدينة وهويتها وطابعها العربي الفلسطيني الإسلامي المسيحي، عبر سياسة تهويد وأسرلة منهجية تمثلت في منع المواطنين من وصول أماكن العبادة، والتعرض للمقدسات، والاستيلاء على الأراضي والعقارات، وزرع البؤر والتجمعات الاستيطانية في قلب المدينة وإحاطتها بجدار استيطاني من المستوطنات والتجمعات الكبرى.

-ضعف الفعاليات والأنشطة الوطنية في القدس على كافة المستويات الكفاحية والاجتماعية والثقافية، فالمدينة تغلق أبوابها ومحلاتها عند ساعات الغروب، والسلطات الاسرائيلية تبدي حساسية مفرطة تجاه أي نشاط أو فعالية من شأنها إعادة الاعتبار للقدس بوصفها مركز حياة الفلسطينيين وعاصمتهم، ولا شك أن عوامل عدة تساهم في هذا الأمر من بينها الرحيل الطوعي للمؤسسات ( وحتى للأفراد والكوادر) عن المدينة، وتنازع المرجعيات القائمة، وغياب التنسيق بين القوى والمؤسسات الأهلية، والقيود التي فرضتها اتفاقات أوسلو ومن بعده باريس على النشاطات الفلسطينية.

-وتدهور الاقتصاد المحلي للمدينة بعد استكمال عزلها بالجدار يقابله المزيد من ربط حاجات المواطنين بمراكز غرب المدينة اليهودية..

ثمة إذن مواجهة مستمرة وصراع ومحتدم منذ أربعين عاما على هوية المدينة وطابعها وبالتالي على مستقبلها الذي سيحسم في مفاوضات الوضع الدائم، وكل من يعرف الوضع في القدس أو يتابعه من قريب أو بعيد، يدرك أن إسرائيل حققت العديد من النقاط لصالحها في هذه المواجهة، وبالتالي لصالح مشروعها للحل النهائي، أما نحن الفلسطينيين فعلينا الاعتراف بكل أسف وأسى بأننا بددنا الكثير من نقاط القوة التي في حوزتنا، وافتقدنا عمليا ونظريا الخطط المرحلية والاستراتيجية، ولم نستفد من نقاط القوة كما لم نحسن مراكمة الإنجازات، ولعل الإنجاز الوحيد الذي يمكننا الاعتزاز به هو البقاء والنمو الديمغرافي، أما تفسير كل ذلك فهو بسيط ايضا : فقد عملت كل الهيئات والأجسام والمؤسسات الإسرائيلية ( بما يشمل الحكومات المتعاقبة والبلدية، والجمعيات الاستيطانية والمرجعيات الروحية وحتى المستثمرين ورجال الأعمال وعلماء الآثار) بشكل موحد وضمن خطة استراتيجية هدفها تهويد القدس، بينما كانت الجهود الفلسطينية مفرقة، مشتتة، ارتجالية، موسمية ومحكومة بردود الفعل الآنية.

خلال هذا الصراع، الذي اتخذ طابعا متصاعدا بعد اتفاق أوسلو، اتخذ ملف القدس لدى الفلسطينيين واحدا من مفهومين وهما اعتبار الحضور السياسي في القدس شأنا ديبلوماسيا وجاهيا تجري معالجته باختيار من يمكنه استقبال زوار المدينة ولقاء القناصل باسم القيادة السياسية العليا وضمن توجهاتها، أو تحويل ملف القدس إلى مجموعة من الوسطاء بين القيادة والمواطنين، وفي هذا الإطار يجري توزيع بعض المساعدات والمنح وإصدار القرارات التي تعالج مشكلات فردية، وفي أحسن الأحوال قطاعية، دون أن تتجه السياسات في الحالين لمعالجة شاملة لقضية القدس بما تمثله من أبعاد متداخلة.

كانت لدى الراحل الكبير فيصل الحسيني رؤية متكاملة تتناول قضية القدس بكل مكوناتها: من الحضور السياسي وتنظيم الفعاليات، مرورا بالصحة وصناديق المرضى والتعليم والقضاء والرياضة والشباب، ولم يكن يخشى المجاهرة بحلم فرض بلدية مقدسية عربية كأمر واقع، وإيجاد نظام من التسيير الذاتي الذي يقود إلى فك ارتباط المدينة باسرائيل، ولكن الرؤية ظلت مجرد رؤية، وغابت مع رحيل صاحبها، فهل يمكن لمؤتمر القدس، ومرجعيته العتيدة، أن يستعيد الرؤية، ويعيد التعامل مع القدس كقضية شاملة تخص كل الفلسطينيين ، بل هي قضية الفلسطينيين؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى