نحن والأولاد والبيئة والمجتمع

 د. خضر محجز | غزة – فلسطين

هذه المادة المطولة مهداة لسيدة فاضلة، سألتني سؤالاً عن كيفية اختيار المدرسة أو رياض الأطفال، وتشكو من تصرفات غير لائقة في بعضها نالت بناتها.

فأقول بعد التوكل على الله:

أولا: شراكة لازمة:

ننجب أولادنا، ولكننا لا نربيهم وحدنا، بل يربيهم معنا المجتمع:

والمجتمع شرائح، وفئات، وطبقات، وأحياء، ومدن، وقرى، وحوارٍ، وأزقةٌ. وكل مكان يحتوي بشراً يسمهم بسماته المميزة، التي تختلف كثيراً أو قليلاً عن سمات الأمكنة الأخرى.

سأضرب مثلاً من الواقع الحي، وسأبدأ بنفسي ومجتمعي وعلاقتي مع الأمكنة الأخرى، وملاحظاتي، التي أقدمها قبل استخلاص النتائج.

لكن هذا المنشور لمن يقرأون ويفكرون فيما يقرأون، فقد صار الفيس بوك مجتمعاً مليئاً بأفراد لا يقرأون قبل أن يكتبوا. فأرجو العلم بأنني أتكلم عن نفسي ولا أطلب من الآخرين أن يأخذوا بملاحظاتي، فقد علمت أن حكمة شعب الجبارين تولد مع أطفالهم.

أعيش في حي شعبي، منبثق من معسكر جباليا بقطاع غزة، وسط أناس شعبيين طيبين فقراء مثلي، وأشعر أنني منهم، وهم يشعرون أنهم مثلي.

ولي أصدقاء من أحياء راقية، بعضهم أصيل في الحي، وبعضهم طارئ انتقل من أحياء شعبية تشبه ما أعيش فيه الآن.

حين أشارك في عزاء في الحي الشعبي الذي أقطنه، أو في الأحياء التي تشبهه، أدخل فأجد الناس في العزاء يتضاحكون بصوت مرتفع، ويتغامزون وكأنهم في فرح، فيما أهل العزاء يبتسمون مرحبين بالحضور، والنادل يدور بأكواب القهوة في الورق المقوى.

يمكن القول بأنه لولا الجريدة في مقدمة المكان، لظننتني في فرح.

في البداية أحاول أن أحافظ على اتزاني، فلا أشارك في الكرنفال، لكن طول المكث يسحبني معه إلى المشاركة دون شعور مني. وأهل العزاء ممتنون لما يحدث، ولا يبدون باردة تحرج.

في مرة تالية أذهب لأشارك في عزاء بحي راق في المدينة، ولنقل إنه راق جداً، تجمعني بأهله علاقات صداقة أو زمالة عمل.

أجد الناس يجلسون على كراسيهم بوقار، في صفوف منتظمة، وصوت المقرئ يقرأ القرآن، ولا أحد يقاطعه. وبمجرد أن يتوقف المقرئ، لا يعود الناس إلى الكلام، بل ولا إلى التهامس، وتبدو على وجوههم سيماء الحزن.

لو ضحك واحد هنا، لاعتبره الحاضرون غير متحضر، ولطردته نظراتهم من المكان.

هنا أشعر أنني مشارك في الحزن بطريقة صحيحة، وأستذكر أهلي في الحي الشعبي فأشفق مما يفعلون، وأتمنى لو صاروا مثل هؤلاء.

أنا هو أنا في الحالتين، لكن سلطة المكان كانت هنا غير تلك هناك.

ثانياً: سلطة المكان:

لقد قيل كلام كثير عن تأثير المكان، ربما كان أفضله حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي يقول:

“كانَ فيمنْ كان قبلكم رجلٌ قَتَلَ تِسْعة وتسعين نفْساً. فسألَ عن أعْلمِ أهلِ الأرضِ، فَدُلَّ على راهبٍ، فأتاهُ، فقال: إنَّهُ قتل تِسْعة وتسعين نفْساً، فهل له من تَوْبَةٍ؟ فقال: لا. فَقَتله. فَكَمَّلَ به مائة. ثم سألَ عن أعْلمِ أهلِ الأرضِ، فَدُلَّ على رجُل عالِمٍ. فقال: إنه قَتَلَ مائَةَ نفسٍ، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومَن يحُولُ بينَهُ وبيْن التوبةِ؟ انْطلِقْ إلى أرضِ كذا وكذا، فإنَّ بها ناساً يعْبُدُونَ الله، فاعبُدِ اللّهَ مَعهُمْ، ولا ترجع إلى أرضِكَ، فإنها أرض سُوء. فانطلقَ حتى إذا نصَفَ الطريق، أتاه الموتُ. فَاخْتصمتْ فيه ملائكَةُ الرَّحمة، وملائكةُ العذاب: فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً، مُقْبِلا بقَلبِهِ إلى اللَّهِ. وقالت ملائكةُ العذابِ: إنه لم يعْمَلْ خيراً قَطُّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صورةِ آدَمِيٍّ، فَجَعلوهُ بينهم. فقال: قِيسوا ما بَيْنَ الأرضَينِ، فإلى أَيِّتهِمَا كان أدنى فهو له. فقاسوا، فَوجدُوهُ أدْنى إلى الأرض التي أرادَ، فَقَبضَتْهُ مَلائكةُ الرَّحمةِ”. متفق عليه.

الحديث يقول بأن للمكان تأثيراً في السلوك، فمعاشرة المرء لجماعة السوء جعلت السوء طبيعياً في تصرفاته، حتى قتل الرجل الذي ذهب يستعلم منه عن مسألة دينية، لمجرد أنه أجاب سؤاله بما يعلم. ولو كان هذا التائب عائشاً في بيئة خير لربما ما قتل التسعة والتسعين، ولربما لمنعته حضارته من قتل رجل جاءه مستفتياً. لكنه تعود على السوء في مكان السوء، فعلم ذلك العالم الثاني الذي ذهب إليه يستفتيه بعد المائة، فنصحه بتغيير المكان.

ماذا يقول هذا؟

يقول إن التحرر من سلطة المكان ليس سهلاً، وللمكان تأثيره في التصرفات

الرحيل من مكان إلى مكان يستدعي تعباً وصبراً في التغيير

نلاحظ ذلك في الجماعات الوسيطة، التي انتقلت من الأحياء الشعبية إلى الأحياء الراقية، فهم يبدون دوماً كمن يرتدي بنطلون أبيه الأكبر حجماً

هل يستمر ذلك طويلاً

نعم وقد يستغرق التغيير عند هؤلاء جيلين

وقد يسأل سائل: وما علاقة هذا بما تقوله عن تربية الأولاد؟

فأقول إن له علاقة، يمكن تصورها بالصورة الآتية:

ثالثاً: الجماعات الوسيطة:

حين تنتقل جماعة من مكان، إلى مكان مختلف، وبيئة مختلفة ـ أقصد من الجماعات الوسيطة ـ فإنها ستعاني ويعاني منها الحي الجديد غالباً.

لنفترض أنها انتقلت من مكان أرقى، إلى حي شعبي، بعد أن أخنى عليها الدهر. فماذا سيحدث؟

سيذهب الأولاد العطرون الناعمون الممشوطة شعورهم جيداً، بسراويلهم المكوية، وحقائبهم الجديدة، التي ورثوها من زمن العز، إلى مدرسة فيها أولاد شداد غلاظ يتشاكسون في الفصل وعلى بوابة المدرسة، ويتلفظون بالألفاظ الخشنة التي تخرق طبلة أذن ابن العز الذي صار عليه الآن أن يتعايش مع المكان الجديد.

سيتعذب الأولاد القادمون من بيئة راقية، وسينالهم أذى كبير، إن من نظرات السخرية من زملائهم، شعث الرؤوس، ذوي الأسنان الصفراء، أو من أيديهم طويلة الأظفار، أو من بصاقهم في الفصل والساحات.

ولا أبالغ إذا ما قلت بأن بعض المعلمين سيشاركون في تعذيبهم النفسي، كما لو كانوا يثأرون من طبقة تصوروا أنها استغلتهم، فجاء أوان الثأر منها، فيما (أرواحهم) تشكر الله (العدل) على أن مكنهم من أن يشعروا بالمساواة مع هؤلاء، مساواة تتيح لهم أن يتمكنوا من إيذائهم.

سيتكرر المشهد بصورة مقلوبة، لو كان الانتقال من نصيب جماعة وسيطة معاكسة، انتقلت من حي فقير إلى حي راق:

سيذهب الأولاد إلى المدرسة بحقائب أفخر من حقائب أهل الحي الأصلاء، فمحدثو النعمة تفضحهم أزياؤهم.

وسيرتدون ملابس ملونة قشيبة يبدون فيها مهرجين،فيكتشفهم أبناء المدرسة ويجعلونهم محلاً للسخرية. وكثيراً ما يشارك المعلمون في مهرجان السخرية هذا، من (ابن الفقراء) الذي يحاول أن (يشتري الأصالة بالمال).

هنا كذلك تنشأ مشكلات جديدة هي الأيديولوجيا.

رابعاً: الأيديولوجيا: الأيديولوجيا لها تأثير هي الأخرى.

وأقصد بالأيديولوجيا: “مجموعة التصورات الشمولية، التي تسيطر على أفكار الأفراد ـ في الجماعات المنظمة ـ ويؤمنون بأنها هي السبيل الوحيد لتغيير المجتمع، وفق ما تتصوره الجماعة”.

يوجد لدينا مجموعتان أيديولوجيتان في فلسطين، وهما:

1: جماعة الإسلام السياسي، التي ترى أن واجبها يحتم عليها هداية المجتمع إلى حياته الأفضل في الدنيا، لتضمن له حياة أفضل في الآخرة.

2: وجماعة الشيوعيين الماركسيين، المؤمنين بضرورة فرض الأفكار الاشتراكية على المجتمع، ضمانة لتطوره المادي والحضاري والثقافي، وفق متوالية بالترتيب الذي كتبته.

وتتشابه الجماعتان تشابها يكاد يصل إلى حد التطابق، مع اختلاف بسيط بينهما على اسم سيد قمة الهرم.

أي معلم من المؤمنين بأي من هاتين الأيديولوجيتين، يرى باستعلاء إلى كل من حوله، خصوصاً إذا كانوا من طبقة أعلى من طبقته.

إنه يعوض نقصاً في داخله، حين يتصور أن أفكاره جعلته الأعلى، ممن يرون أنفسهم أرقى منه، وهو يراهم سلالة مستغليه الأوائل.

فالمتدين السياسي تغذى بأفكار (استعلاء المؤمن) الذي لا يعترف بطبقات في المجتمع، غير طبقتي المؤمنين والكافرين، ويعجبه في ذلك أن يسمي نفسه بالمؤمن (صاحب الرداء النظيف) الذي يمد يديه لمن هم في الوحل (أي الذين هم خارج الجماعة) ليستنقذهم منه، ويأتي بهم إلى الجماعة.

إنه يتصور أنه بذلك سيصبح أميرهم، وبذا يسود العبدُ السابق سيده القديم.

والشيوعي السياسي تغذى بأفكار ترى إلى المجتمع باعتباره جماعة متخلفة في طور التطور، وواجبه التنظير لنقلها إلى التغيير الأفضل، ويعجبه في ذلك أن يسمي نفسه بـ(المثقف العضوي) فلا شك أنه سمع بهذا من (غرامشي) العظيم.

هؤلاء يجب التدقيق عند توظيفهم في مؤسسات التعليم الدنيا بالخصوص، لأنهم مؤمنون بأنهم الموكل إليهم أن يرفعوا المجتمع من كفره إلى دينه، أو من تخلفه إلى تطوره.

فعلى الصعيد المدرسي، لن يسمح المتدين لنفسه ـ غالباً ـ بالامتناع عن تقريع الطفلة إن رأى خصلة شعرها من تحت المنديل، فيخشن لها الألفاظ، حرصاً منه على أن تصير على يديه أختا مسلمة في المستقبل.

والاشتراكي الشيوعي لن يرتاح إذا رآها محجبة بقوة، وهادئة لا تلعب كثيراً، ولا تصخب كما لداتها، فيستنتج أنها في حاجة إلى إعادة التكوين، لتصبح إنساناً طبيعياً على يديه. فحين تستعصي عليه، فلا ريب أن من الممكن له أن يقسو عليها.

وفي الحالتين ثمة دوافع خفية سوداء أخرى، يمكن لها أن تكون طبقية عنصرية لا يشعر بها المعلم ضد طبقة البنت أو الولد.

خامساً: اقتراحات الحل:

أسوأ ما يمكن للمصلحين أن يفعلوه في مجتمعات ترى نفسها الأفضل اقتراحات الحلول.

ذلك أنك طوال مراحل العرض والتحليل، تعجب الشعوب الجبارة صوتاً، الخاملة أداءً، فإذا صرت إلى استخلاص النتائج مما لا يعلمون قرروا أن يعلموك هم، وقد طلبوا من قبل أن تعلمهم.

وتلك (فضيلة) الفيس بوك العظيم.

ولكن ما حيلة المفكرين إن طُلب منهم أن يصلحوا ثم ووجِهوا بالإنكار؟

إنه قدرهم..

أود تقديم استخلاصاتي على شكل مجموعة اقتراحات في نقاط محددة:

1: يجب التفكير مليّاً قبل الانتقال من مكان إلى آخر.

2: فإن حدث هذا ـ لما هو معلوم من سُنَّة التطور البشري ـ فعلى المنتقل إلى مكان جديد أن يدرس ثقافة أهله، ويوطّن نفسه على أن يعيش مثلهم. فلا يصحّ أن تتعامل مع مجتمع بثقافة مجتمع آخر، دنوّاً أو عُلُوّاً.

3: وذلك لأن أهل المكان الجديد، إن شعروا ـ من تصرفاتك أو طريقة إخراجك الحروف ـ غير طريقتهم، اعتبروك غريباً عنهم.

4: فإن كنت من طبقة أرقى، تعاملوا معك على أنك محتل يسعى إلى تغييير (كل الخير) الذين عاشوا فيه وآباءهم.

5: وإن كنت من طبقة أدنى رقياً، مَحَضوك احتقاراُ قادراً على أن يقلب حياتك وحياة أطفالك إلى جحيم.

6: اختر المدرسة التي تسجل فيها أطفالك، بعيداً عن المدارس الأيديولوجية التي تُعلّم طفلك أخلافها هي ـ لا أخلاق المجتمع ـ بهدف سلبه منك على المدى البعيد.

8: سيكون ذلك كله صعباً، وسيطول بك الانتظار، لا يُقصّر من زمنه سوى صبرك وحسن اختيارك وقدرتك على التحول النفسي في المكان.

9: حاول أن تُعلّم أطفالك أن يستوعبوا التغيير رويدا رويدا، بالقدوة الحسنة والألفاظ النصوح، فلا تذكر مدرستهم أمامهم بسوء، كي لا تُحصّنهم ضد المربين فيشقوا.

10: وبالمقابل لا تدع للمربين الأيديولوجيين أن ينتزعوا منك أولادك، بل واصل المتابعة وتقديم الملاحظات، والشكاوى إلى إدارة المدرسة.

11: فإن أعياك تغيير سلوك المربي الأيديولوجي، فابحث عن مدرسة أفضل ولو أبعد مسافة. فالمدرسة الأيديولوجية لا تكون فاضلة أبداً.

12: إما إن رأت إدارةُ مدرسة من مدارس شعب الجبارين أن تستمع لما أقول ـ ولا أظن مكتفياً بذاته يفعل ـ فإن عليها أن تتعاون مع الوافد الجديد بالكثير من الحذر.

وأخيراً،

صباح الخير لشعب مكافح لا يرى نفسه جباراً، فيستدعي قصم الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى