النقد النفسي للنص الأدبي والتفكير البنيوي للا وعي النص

بقلم : عماد خالد رحمة | برلين

    لم يتوقف علم التحليل النفسي عن إظهار نتائج مبهرة في تعاطيه مع الأعمال الفنية بما فيها الإبداعات الأدبية من شعر وقصة ورواية ومسرح، وقد شجع ذلك عدداً كبيراً من النقاد على اعتماده كنمهج من مناهج النقد الأدبي ومدارسه، فطبقوا وفقاً لذلك الكثير من نظريات علم النفس والتحليل النفسي، من أجل مقاربة النصوص الأدبية الإبداعية، كنظرية اللاشعور وعقدة إلكترا وعقدة أوديب الشهيرة.
    وهكذا فقد ساهم التحليل النفسي وبعده المنهج النفسي في النقد الأدبي مساهمة كبيرة في مقاربة كثير من الأعمال الأدبية في العالم، انطلاقاً من أعمال الفنان والمخترع الإيطالي ليوناردو دافنتشي،الذي عاش في عصر النهضة، والتي قاربها فرويد محاولاً تأكيد نظريته في اللاشعور ، ومروراً بأعمال أدبية هامة، وجد النقاد في مفهوم الليبدو مدخلا لتحليلها بشكلٍ علمي، فاعتبروا الكاتب أو الأديب يمارس نوعاً من الإسقاط أو التحويل في أعماله، بهدف التخلص من عقده النفسية ومكبوتاته الباطنية اللاشعورية، وانتهاءً بنقاد عرب كبار ، وجدوا في هذا المنهج ضالتهم، فوظفوه لمقاربة النصوص الأدبية الإبداعية بعمق بسيكولوجي لا غبار عليه، وكان رائدهم في ذلك
الأديب والمفكر والصحفي والشاعر المصري، محمود عباس العقاد. والناقد الفلسطيني يوسف سامي اليوسف .
     لذا يمكن اعتبار المنهج النفسي، هو الذي يستمد آلياته النقدية من نظرية التحليل النفسي، حيث يُعنى بإختبار النص الأدبي للبحوث والدراسات النفسية، إذ يتم تحليل نفسيات الكتّاب، وخصائص شخصياتهم بالاعتماد على كتاباتهم وحياتهم الخاصة والعامة .حيث يمكن اعتبار
   المنهج النفسي في دراسة النصوص الإبداعية الأدبية، بمثابة تدقيق وتمحيص للنصوص الأدبية، وربطها ارتباطاً وثيقاً بالحالة النفسية للكاتب التي أنتجها، والأخذ بعين الاعتبار، دواخل وبواطن الشخصيات، والعقد النفسية التي قد تؤثر فيها، وكذا المكبوتات والمضمرات التي تسعى إلى تفريغها من خلال مسارات عدة .
     الجدير بالذكر أن الطبيب النمساوي سيغموند فرويد يعتبر من أبرز رواد المنهج النفسي، ومن أشهر مفاهيمه التي طرحها هي (اللاوعي، والأنا والأنا الأعلى والهو، وعقدة أوديب، ثم عقدة إلكترا) .
     أما من البارزين في هذا المجال بعد الطبيب فرويد فهما الفرنسيان شارل مورون صاحب مفهوم الأسطورة الشخصية، وجاك لاكان المحلل النفسي الشهير الذي كان من أبرز رواد هذا المنهج ،غير متناسين ما قام به فرويد من إجراء تطبيقات المنهج النفسي على النصوص الأدبية التي أنتجها الأديب الروسي دوستيوفسكي وهي تطبيقات هامة ورائدة بخاصة دراسته الهامة حول رواية (الإخوة كارامازوف)، ثم الدراسات المعمقة التي قام بها المترجم والناقد الأدبي الفذ تشارلز مورون ،حيث قام مع زميليه إي إم فورستر وفرجينيا وولف ،بالاستفادة من النقد الأدبي التحليلي النفسي. واشتهر بكتابه (علم الجمال وعلم النفس) .كما تم دراسة النتاج الأدبي الذي كتبه راسين وما أنتجه الشاعر والناقد الفرنسي ستيفان مالارميه ‏، الذي ينتمي إلى تيار الرمزية. والمعروف عن الشاعر مالارميه غموضه الكثيف ، وغيرها الكثير.
     لقد تعددت مذاهب النقد الأدبي وتنوعت تبعاً لتعدد مرجعياته النظرية ومدارسه، وتنوع منظوراته المنهجية، فمن تلك المذاهب، المذهب النقدي النسقي الذي يهتم بالنص ذاته، والمذهب النقدي السياقي الذي يهتمُ بما يحيط النص من مؤثرات خارجية. إضافة لوجود عدة مناهج نقدية كالبنيوية والبنيوية التكوينية، والنقد الاجتماعي والفني والتاريخي.
    لقد اتجهت الدّراسات النّقدية المعاصرة إلى العمل على استثمار منجزات علم النّفس وتطبيقاته المتعدّدة، حتى غدا علم التّحليل النّفسي أحد روافد النّقد الأدبي الذي لا غنى عنه، في دراسة عملية الإبداع الأدبي والفني للتعرف على نفسية المبدع ودواخله وهواجسه وعوالحه النفسية والروحية، ودراسة تأثير العمل الأدبي على نفسية المتلقي، لأنّ هذا المنهج يعتبر النص الأدبي المنتج تعبيراً صادقاً عن شخصية الكاتب وتكوينه النفسي، الذي تحركه دوافع لاشعورية لإبداع نصه، وهو نوع من التعويض عن الرغبات المكبوتة في أعماقه وهي رغبات منسية، لم يستطع الكاتب إشباعها في الواقع بسبب العوائق والعراقيل الاجتماعية والثقافية والدينية والأثنية (الأنا الأعلى) التي واجهته وما تزال، فوجد في الأدب والفن تنفيسا عن مكبوتاته ورغائبه الباطنية وهواجسه، وقد أخضع الطبيب النمساوي سيغموند فرويد نصوصاُ أدبية وأعمالاُ فنية للتحليل النفسي كما أسلفنا، مثل رواية (الجريمة والعقاب) للأديب الروسي دوستيوفسكي،(فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي)، هو الروائي وكاتب القصص القصيرة والصحفي والفيلسوف الروسي. وهو واحدٌ من أشهر الكُتاب والمؤلفين حول العالم.
      كما أجرى فرويد تحليلاً للعديد من لوحات الفنان والمخترع الإيطالي ليوناردو دافنشي ، واستشف أنها تعبر تمام التعبير عن نفس تعاني المرض والكبت الجنسي على وجه الخصوص، وذلك لأنّ (اللاشعور) هو مستودع الرغبات المكبوتة في الداخل التي تتفاعل في الأعماق بشكلٍ متواصل، ولكن لا تطفو إلى مستوى الشعور، إلا إذا توفرت لها الظروف المناسبة والمحفزة لظهورها وتجليها .
   في هذا السياق لا يمكننا إغفال الدور الكبير في مجال النقد الأدبي المعتمد على علم النفس والتحليل النفسي للنص الأدبي الإبداعي الذي قام به عالم النفس السويسري ومؤسس علم النفس التحليلي كارل غوستاف يونغ، وألفرد آدلر وجاك لاكان، وشارل مورون الذين طوروا العديد من الدراسات في هذا المنهج وغيرهم.
   في المجال التطبيقي لعلم نفس النقد العربي، يمكن أن نستحضر الدراسة التي قدمها محمود عباس العقاد لشخصية الشاعر العربي أبو نواس ،الذي يعدّ من أشهر شعراء عصر الدولة العباسية ومن كبار شعراء شعر الثورة التجديدية. في كتابه: (أبو نواس الحسن بن هانئ) مرتكزاً على التحليل النفسي في فهم مزاج الشاعر الفطري، والإبانة عن طبيعته، فخلص إلى كون الشاعر نرجسياً وعاشقاً لذاته.
   كذلك الأديب والناقد المصري محمد محمدالدسوقى النويهي، الملقب بمحمد رشاد النويهى، الذي تناول عقدة أوديب عند الشاعر نفسه،
    كما تتبع شخصية الشاعر محمد النويهي من خلال كتابه ثقافة الناقد الأدبي عندما تتبع شخصية الشاعر أبو الحسن علي بن العباس بن جريج،وقيل جورجيس، المعروف بابن الرومي شاعر من شعراء القرن الثالث الهجري في العصر العباسي، من أجل رسم ملامحه السيكولوجية. وكذلك ما قام الناقد المصري عز الدين إسماعيل في كتابه الرائد (التحليل النفسي للأدب).

     وكذلك دراسة الكاتب والناقد والمفكر والمترجم السوري جورج طرابيشي: (عقدة أوديب في الرواية العربية)، ودراسة الشاعر اللبناني المعاصر خريستو جورج نجم(١٩٤٢م) بعنوان: (النرجسية في أدب نزار قباني). وكذلك الناقد والأكاديمي والمترجم المغربي حسن المودن الذي ترتكز أعماله على التحليل النفسي للأدب من خلال كتابه الهام بعنوان : (لاوعي النص في روايات الطيب صالح، قراءة من منظور التحليل النفسي). وغيرها من الإنجازات التطبيقية لعلم التحليل النفسي .
     كما ظهرت مدرسة نقدية لها أهمية كبيرة ولها إنجازاتها المتفردة في مجال علم نفس الإبداع مسترشدة بكتاب (الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر لمصطفى سويف) نقطة الارتكاز الجوهرية لأعمال هذه المدرسة العامة .

    في الختام نرى أن التحليل النّفسي للفنون والآداب وجهة مهمة للنقاد والمتخصصين، لمقاربة العمليات الإبداعية المتنوعة، وتشريح الذات المبدعة تشريحاً علمياً ممنهجاً، وما يكتنفها من غموض وأسرار مكتنزة داخل النفس البشرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى