فكر

إشكاليات التحديث الثقافي في فلسطين

سعيد مضيه | فلسطين

قضية التحديث الثقافي موضع حوارات لم تدخل بعد حيز التنفيذ العملي. تقحم على الحوارات مغالطات مضللة متفرعة عن تعمد ترويج مفهوم مغلوط للثقافة ولوظيفتها الاجتماعية، خاصة في مجتمع يصارع صنوف التخلف كالمجتمع الفلسطيني يمكن للأضاليل ان تنطلي عليه. تتعقد مشاكل المجتمع الفلسطيني وتتشابك مع مؤثرات العدوان الصهيوني المتواتر عبر أكثر من قرن في اجتهاد مستند الى إصدارات لمفكرين عرب في قضايا التخلف الاجتماعي عبْرتُ عن رؤية لمشروع التحديث الثقافي للمجتمع الفلسطيني، من شانه ان يرشد عمليات المقاومة الوطنية للاحتلال الصهيوني ومشاريعه الاقتلاعية. فقد تورطت المقاومة عبر ثلاثة ارباع القرن من المواجهة المباشرة للاحتلال الصهيوني في اخطاء ساعدت المحتلين على قضم المزيد من الأراضي الفلسطينية وإدخال شعب في سجن يقيد إمكاناتهم لتقرير المصير. والمشروع الرؤية لم يحظ بالاهتمام ، نظرا لإغفال موضوع الثقافة بالكامل من قبل الفصائل المسلحة التي تحصر الاهتمام بإعداد الكوادر المسلحة وتغفل كليا دور الجماهير الواسعة في إسناد المقاومة على أقل تقدير، وكذلك المساهمة الفعالة من خلال مقاومة شعبيه في إفشال مخططات الاحتلال الإسرائيلي. المقاومة الشعبية هي الفريضة الغائبة لمجتمع محاصر ومقطوع عن بعده الاستراتيجي، تنهض وتتعثر، إذ تواجه بالسلاح المتفوق المنفلت من رقابة القانون الدولي وإجراءاته الرادعة.
التخلف شامل لجميع نواحي الحياة الاجتماعية في فلسطين، يفشي ثقافة معطوبة . الثقافة منهج تفكير وأساليب في معالجة الأمور والقضايا بالاسترشاد بالمخزون المعرفي والقيمي؛ ومن ثم فالثقافة بوصلة تحدد المسار وتقيّم الوقائع والأحداث وترسم مسار السلوك والتفكير. ما بين الثقافة ومجمل النشاطات البشرية علاقة وشيجة ، والفشل في إداراة اي منها يفشي تخلفا عن مواكبة روح العصر وقضاياه. لهذا ينطوي تحديث الثقافة على الضرورة الملحة. فما هي منطويات التحديث الثقافي؟
–يجيب الفصل الخامس وألأخير من الكتاب على السؤال؛ إذ يختزل منطويات التحديث الثقافي بمفهوم “ثقافة التحرر الإنساني”، ويطرح خطوطا عريضة ونقاطا مفصلية، ذلك لأن الثقافة محيط واسع بلا ضفاف . .”وظيفة الثقافة تصليب طاقة الصمود لدى الجماهير، وذلك بتكريس قطاعات الاقتصاد والتربية والثقافة لتعزيز الصمود وإفشال مخطط الاقتلاع العرقي”.[128]. في فلسطين ينبغي أن تضطلع الثقافة بواجب التصدي بتفكير استراتيجي ، يمرحل ويخطط وينظم ويصد بنجاح مخطط التهجير القسري الذي ينفذه الاحتلال
التحديث الثقافي مشروع شامل لكل قطاعات الحياة؛ غير ان تحديث التربية والتعليم ينطوي على أهمية خاصة ، نظرا لارتباطه بتنمية العنصر البشري، محور التنمية الاجتماعية، به ولأجله يتم التحديث .”وظيفة الثقافة الوطنية هي التحرير الإنساني، وتلك مهمة السياسة الوطنية التقدمية. تعرج المسيرة التقدمية على خدمة التعليم كي تطورها؛ وأولى المهمات في هذا الشأن تصفية الأمية. في اوساط الأميين يسهل التضليل؛ ترادف أمية الحرف وتتعايش معها امية سياسية ودينية. أن”أهم نماذج الهيمنة ليست اقتصادية بل ثقافية –تربوية وتكمن في جانب المعتقدات والقناعات “. هذا ما ركز عليه الاهتمام، أواخر القرن الماضي، عالم الاجتماع الفرنسي الشهير، بيير بوردو؛ “عاب على مثقفي اليسار استهانتهم بالأبعاد الرمزية والتربوية للنضال… تحذير عالم الاجتماع موجه لمثقفي فرنسا وأوروبا؛ ويكتسب التحذير اهمية أعظم في مجتمعاتنا الموبوءة بالتخلف الثقافي وتسترشد بثقافة العصر الوسيط؛ حيث تقتضي الضرورة بإلحاح شديد وضع التربية في بؤرة الاهتمام… . ان تطوير مناهج ونظم التعليم، وتحسين اداء المنافذ الإعلامية تفتح عهد الانعتاق الثقافي و تفتح مواهب الإبداع والنقد. تقضي الضرورة وضع شئون التعليم في قلب اية فكرة حيوية للسياسة، يعني ان تحتل التربية المركز في اي محاولة لتغيير الوعي. ينبغي على المشتغلين في علوم التربية مراعاة الكرامة الشخصية لطلبتهم، بإشاعة علاقات الاحترام المتبادل داخل الفضاء المدرسي. التعليم الجيد يستبدل التلقين بالحوار ، ويستعيض عن تكثيف المعلومات بالتدريب على البحث والتعلم الذاتي . الانسان الباحث، والمبادر والنقدي يحدوه الاعتماد على الذات والتعلم المستدام وارتياد مرافق الثقافة من معارض ومكتبات وفنون بدل تزجية الوقت في تسلية عقيمة او في المماحكات، هو الانسان الذي ينتعش به ومعه المجتمع.”[135]
التحديث الثقافي تجديد للحياة الاجتماعية في جوانبها المتعددة، وفقا لمنهجية علمية ، ” توجب مواصلة التفسير العقلاني للمتشابه من النصوص المقدسة، وذلك نظرا لكونها رؤية تقارب الواقع الموضوعي اجتماعيا وتاريخيا، تأخذ بالاعتبار تناقض مآل السلفية الأولى في تدهورها مع نهوض وإشعاع مدرسة فقهية سبقت، استندت الى التفسير العقلاني للمتشابه من آيات القرآن”. طبيعي أن الفهم العقلاتي للفقه لا بد وأن يواكب نشوء وتطور ثقافة مدنية جديدة، أي “التجديد الثقافي والعقلي الذي تملك قوى التغيير الاجتماعي أدواته ومفاتيحه، وتستطيع الدفع به سواء على طريق التربية المدرسية والارتقاء بالتعليم ، أو البحث العلمي أو الاستثمار في الثقافة الأدبية والفنية المتقدمة، او عبر إثراء وعي الجماهيرفي النضال التحرري التقدمي وصنع سعادتها.[133 ]
يعطي المفكر الماركسي الراحل، محمود امين العالم، بعدا امميا للثقافة ؛ ترك لنا وصية إثر تحليل نظام الليبرالية الجديدة في زمن مبكر. “إن جوهر حركة عصرنا الراهن المباشرة الآنية تمضي باتجاه النضال المشترك بين القوى المنتجة والمبدعة والديمقراطية والتقدمية في العالم من اجل القضاء على الهيمنة الأميركية وعلى الوضع غير الإنساني، وضمان حق كل بلد في العالم في اختيار طريقه الخاص للتنمية الشاملة الاقتصادية والبشرية والثقافية والابداعية، وتوفير الموارد بين مختلف الخبرات والتجارب السياسية والتنموية والثقافية بين شعوب العالم” [128].
ودعا جوزيف مسعد الى تنشيط التضامن الأممي ، لا ان نستجديه ، إنما “ينبغي أن نكون جزءا من واحدة من من اكثر الحركات الفكرية دينامية وتقدمية، سواء كانت حركات ثقافية أو جمالية أو فلسفية . ينبغي ان نجعل هذا العالم مكانا مناسبا لنا، وأن نتحمل المسئولية عن مصيره.”[131].
حيث أن الثقافة المكافحة نقدية لا تهادن، وتشحن الوجدان والوعي الجمعيين بضرورات التغيير وآلياته ، فإن “شغيلة الثقافة صنف من المثقفين محكوم بالمكابدة، وفي أهون الحالات تقاطعهم وسائل الا تصال الجماهيري واسعة الانتشار..”[139] .
الثقافة هي ما نعيش به، وما نحيا من أجله. منظومة الثقافة محيط بلا ضفاف، والتحديث الثقافي يوسع إطار الثقافة كي تشمل الحداثة والمدنية والعصرنة والدستورية والمؤسسية والمواطنة الفاعلة ومرجعية القانون والعقلانية والطبيعة. وهي كذلك التفكير الاستراتيجي و المراجعة النقدية والتقد الذاتي.[139] تتطور الثقافة بالإنسان ومن اجل الإنسان. من أجل مواطنة حرة يكون فيها الإنسان محور عملية التنمية الثقافية والاجتماعية. [140]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى