مقال

النوافذ المغلقة

خالد رمضان | كاتب مصري
كي نستطيع الربط بين النقد والنقض لابد أن نميز بين الكلمتين من حيث المعنى والمدلول اللغوي، فالكلمتان في الظاهر لا تلتقيان، ولكنك حين تسبر غوريهما، وتتعمق في البحث عن مكنونهما تجد بينهما صلة وثيقة تجمع بين اللفظين .
النقد في اللغة يعني تمييز الجيد من الردئ، تقول نقدت الدراهم أي ميزت بين ما يصلح وما لا يصلح منها .
ثم أطلق هذا اللفظ على دراسة الأعمال الأدبية شعرا ونثرا، والكشف عن مواطن القوة والضعف فيها، ثم إصدار الحكم المناسب عليها .
ونقد الكلام يعني إظهار ما فيه من الحسن والقبح .
إننا نستطيع أن نقول: إن النقد صفة حسنة توضح الإيجابي والسلبي دون اتهام أو تقريع أو انحياز أو اعتداء، إنما يعني التقويم والتصويب .
وينسحب ذلك الحكم على الأعمال الأدبية، والفنية، والمهنية، والحرفية، وكل ما نزاوله في حياتنا اليومية.
وقد يكون النقد داخليا مسبقا قبل إصدار العمل كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما عسّ ليلا فرأى امرأة توقد نارا، فقبل أن يلقي السلام فكر برهة ثم قال :
السلام عليكم يا أهل الضوء، وكره أن يقول يا أ هل النار .
إن النقد المحمود هو ما يسمى بالنقد البناء، وفحواه أن ننتقد العمل الإبداعي لنميز مواطن القوة والضعف فيه، فيتجنب صاحب العمل جوانب الضعف، وما يخل بعمله ليظهر في ثوبه القشيب بصورة تبتهج بها النفوس، وتنشرح لها الصدور، وتقر بها العيون .
أما إذا كان الأمر على خلاف ذلك تحول من نقد إلى انتقاد وهدم، وهو ما يسمى بالنقض يعني الهدم والتدمير، وفيه يكون تصيّد الأخطاء، وإبراز السلبيات، وتسليط العدسات المكبرة على العيوب لذم وانتقاص صاحب العمل، وتشويه ما يقوم به من إبداع، فيبث سمومه القاتلة، ويظهر فحيحها في كلماته اللاذعة، وكما يقول تعالى : ” قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر “
وهذا الناقد يستحق لقب ( الناقد حاقد )
هذا هو النقض الذي نعنيه، وتلك العلاقة بين الكلمتين، حيث تحول ذلك الحاقد من ناقد بانٍ مشيّدٍ رافعٍ إلى هادم مدمر مثبطٍ للهمم متتبعٍ للعورات والزلات .
ومن ذلك شعر النقائض الذي مثّله في الأدب العربي جرير والفرزدق والأخطل والبُعيث إبان العصر الأموي، حيث حرص كل شاعر على هدم صاحبه، وبناء نفسه على أنقاضه .
يقول جرير للفرزدق :
فغض الطرف إنك من نمير
فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فبعد هذا البيت كان الرجل من نمير يذكر اسمه حتى الخمسين ولا يذكر نمير !
ومن قول الفرزدق :
فإنك من هجاء بني نمير
كأهل النار إذ وجدوا العذابا
رجوا من حرها أن يستريحوا
وقد كان الصديد لهم شرابا
إن العلاقة بين النقد والنقض علاقة وثيقة، فقد يتحول الناقد إلى حاسد وحاقد وهادم إذا ركد الرانُ على قلبه، وأكل الحسد نفسه فنقم على من هو خير منه، وحسد غيره على ما أنعم الله به عليه، فتتبع العورات والسقطات والزلات، ونظر بعين غطى البغض عليها فعميت عن الحُسن وأبصرت القُبح .
إن العمل النقدي ليس حكرا على الأدباء ولا الشعراء ولا غيرهم من أرباب اللغة والإبداع، فكلٌّ منا يأتيه دوره ليكون ناقدا فلا تجعل الغيرة أو الحسد يتملكك فتبخس الناس أشياءهم، وتكسر قلوبهم، بل تغلّب على شيطانك، وتوجه بكل عبارات الثناء والإطراء لهؤلاء ، وأظهر لهم كل جوانب الجمال والإبداع، ثم توجه بلينٍ إلى ما تريد نقده وتصويبه.
إن الله سبحانه وتعالى حينما أراد عتاب نبيه صلى الله عليه وسلم قدم له العفو فقال : ” عفا الله عنك لم أذنت لهم “
بل هناك مواضع لا يصلح فيها إلا عبارات الثناء، فإذا سألتكِ صديقتكِ ما رأيك في هذا الفستان ؟
أخبريها بأنه صُنع لأجلها هي، فلا تكدريها ولا توجهي لها عبارات اللوم والتأنيب فإنها لا تستطيع إرجاعه.
إذا زرتَ صديقك في بيته الجديد فلا تقل له : لو كان كذا مكان كذا لكان أفضل، بل قل ما شاء الله تبارك الله، اللهم بارك لك فيه .
إننا في هذه الٱونة قد لا نحتمل النقد البسيط، فهوّن على نفسك وأطلق عبارات المدح والثناء، فالكلمة العذبة تُفتح لها جميعُ النوافذ المغلفة، فتشرق الشمس على تلك القلوب الكئيبة المظلمة، وتقترب المسافات بينك وبين الٱخرين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى