مقال

ماذا ورائك يا عصام؟

خالد رمضان| صلالة – كاتب مصري
مثلٌ وحكمة؛ أما عن مورد ذلك المثل، فإن أول من أطلقه هو الحارث بن عمرو، ملك كندة، حينما سمع عن جمال تلك الفتاة الشيبانية أم إياس ابنة عوف بن محلّم، وما حباها الله تعالى به من جمال الخَلْق، والخُلق، وما جُمع لها من رجاحة العقل، ورزانة الفكر، وفصاحة اللسان، وقوة البيان.
فدعا امرأة من كندة تُدعى عصام، وقال لها: اذهبي فائتيني بخبرها .
ذهبت المرأة إلى أمها أمامة بنت الحارث فقصّت عليها الخبر، فقالت الأم لابنتها: أي بنية، هذه خالتك أتت لتنظر إليكِ، فلا تستري عنها شيئا .
خرجت المرأة من عند الفتاة تقول : “ترك الخداع من كشف القناع
فصارت تلك المقولة مثلا أيضا . فلما أقبلت عصام على الحارث بن عمرو، بادرها بقوله:
ماذا ورائك يا عصام؟ وكانت المرأة فصيحة جدا فقالت:”لقد صرّح المخْضُ عن الزبد”
والمعنى لقد جئتكَ بكل ما يسرك، ويشرح صدرك، ثم استرسلت تصف الفتاة بصفات لا توجد فيمن سواها.
ماذا ورائك يا عصام؟
كلمة قالها ذلك الملك ليعلم ما جاءت به المرأة من أخبار كان ينتظرها لتبهج قلبه، وتسعد نفسه. وقد جاء المثل بصيغة المؤنث، ولا ضير في ذلك فالأمثال متواترة بصيغتها ولا تتغير ولا تتبدل عبر العصور والأزمان .
ثم صرّحت تلك المرأة بمأثورة ولا أروع، حيث قالت:”ترَكَ الخداعَ من كشفَ القناعَ”
وهو مدحٌ لمن صادقك، ولم يخدعك. ولم تتوقف المرأة عن إرسال الحكم والأمثال فقالت:”لقد صرّح المخْضُ عن الزبد”
بمعنى أن بعثتي جاءت بالخبر اليقين، ووقع سهمك حيث أطلقت، فلقد أحسنت اختيار الفتاة من بين سائر فتيات عصرها.
ماذا ورائك يا عصام؟
ماذا وراء تلك الجهالة الجهلاء، والضلالة العمياء التي نخبط فيها خبط عشواء، نتيه في الأرض، فلا نحدد لنا وجهة، ولا نرصد لنا هدفا، متقطعين، متفرقين، والمنبتُّ لا أرضا قطع، ولا ظهر أبقى.
المنبتُّ ذلك الذي انقطع عن أصحابه وقت السفر، والظهر، الدابة التي يمتطيها.
أشبهنا أصحاب الكهف في سباتهم العميق، وكأننا ضُرِبَ على ٱذاننا فلا نسمع، وصُكت أعيننا فلا نبصر، أو كأننا أُلقينا في غيابات الجب، فلا صوت إلا صوت الحشرات، وطنين البعوض .
لقد أسمعتَ إن ناديت حيا
ولكن لا حياة لمن تنادي
ماذا وراء إلهائنا بالشاشات، والجوالات، واللابات، والوصلات، والسيارات، والساحات، والجروبات، والشاتات، والاسكرسنات، والحوالات، والتحويلات، والحفلات، والسهرات، واللقاءات، وتلك القصص والروايات؟ ليس وراء هذه الترهات إلا الحسرةُ والندامة، والخيبة وضياع الهيبة، والكرامة.
متى نقول قولتها؟ “صرّح المخْضُ عن الزبد”؛ نقولها حين نصحح أخطاءنا بأيدينا، حينما نحدد لنا هدفا وغاية، بداية ونهاية. حين نستبدل حياة الٱمال، والأحلام بحياة السوام، والعوام، حينما يصرخ بداخلنا صوت من الأعماق ينادي:
إني أنا العربي ميراثي عتيد
في السماحة والشجاعة والندى
قد كنت والدنيا ظلام دامس
للناس نبع هداية بل سيدا
ولسوف أرفع للعروبة عزها
وأذيق كل مكابر طعم الردى
ماذا ورائك يا عصام؟
ورائك شعب عريق، يغلي دم الأحرار في شريانه، يحمل بين جنباته مفاخر ٱبائه، ومٱثر أجداده، يرفع على كاهله تاريخا تليدا سطره بدمائه، وعقول أبنائه، ومن أضاؤوا الدنيا وهي مظلمة،وأحيوها وهي جرداء قاحلة، فساقوا لها علوم الطب، والكيمياء، والفلك، والرياضيات، والهندسة وعلوم اللغه.
ماذا ورائك يا عصام ؟
ورائك صلاحُ الدين الأيوبي، وسيف الدين قظز، والظاهر بيبرس، وسليمان القانوني، ومحمد الفاتح، وهارون الرشيد، وخالد بن الوليد، ورجال كالجبال الرواسي يقول فيهم القائل:
شُم العرانين أبطال لبوسهم
من نسج داود في الهيجا سرابيلُ
يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم
ضرب إذا عرّد السود التنابيلُ
ليس ورائنا إلا كلُّ خير، مهما ادلهمت الخطوب، أو أجهدتنا المحن والخطوب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى