الفرعون التعيس. . توت عنخ آمون

فريدة شعراوي | باحثة في التاريخ | مصر – الإسكندرية

لم يكن يعلم الملك الشهير إخناتون بأنه حين استيقظ فى بلاط عاصمته الملكية “آخت آتون” على الخبر السعيد الذى كان ينتظره منذ سنوات طويلة بميلاد ابنه الوحيد توت عنخ آتون، أن هذا المولد سوف يحصل على شهرة كبيرة ويصير أشهر شخصية وملك على وجه الأرض فى العالم كله بعد اكتشاف مقبرته الرائعة كاملة فى وادى الملوك فى البر الغربى لمدينة الأقصر فى 4 نوفمبر عام 1922م.

وأن حياته سوف تحيط بها التعاسة والحزن وعدم التوافق والتجاهل والإهمال، وأنه سوف يتعرض للخيانة والتآمر على حياته، وكذلك على تراث أبيه الملك إخناتون.

وأن زوجته وأرملته “عنخ إسن آتون “سوف تعامل أسوأ معاملة، وأنها سوف تتعرض للاضطهاد والانزواء فى زوايا النسيان إلى أن تموت وحيدة مهملة حزينة، وأنه سوف يتم تدمير واغتصاب آثارها ومحو ذكراها إلى الأبد من قبل “موت نجمت” زوجة حور محب.

لقد كانت اللعنة هى مصير إخناتون وعائلته، وبدأت اللعنة عملها بمحاصرة حياة إخناتون وغموض وأسباب اختفائه وتدمير آثاره ومحو ذكراه.

وكذلك حاصرت زوجة أبيه الملكة” نفرتيتى” التى كرهت غالبًا توت عنخ آمون بشدة من أعماق قلبها، لأنه صار ولى العهد والملك القادم لمصر بدلاً منها أو من إحدى بناتها العديدات أو بدلاً من ابنها الوريث الذكر الذى فشلت أن تنجبه لإخناتون لست مرات.

لقد كان التآمر على أشده فى حياة أبيه الملك إخناتون من رجال القصر الذين رأوا فى توت عنخ آمون خطرًا كبيرًا يهدد حياتهم وحياة إلههم الأكبر آمون إذا استمرت عبادة آتون، رب إخناتون، وبعد اختفاء إخناتون الذى كانوا ينافقونه ويؤمنون بإلههم الأزلى آمون سرًا، ويكرهون إخناتون وإلهه المفروض عليهم بالقوة الإله آتون المتمثل فى قرص الشمس . . و لى ملحوظة هامة :

لم يكن اخناتون يعبد قرص الشمس فى ذاته ، و إنما استخدمه كرمز للإله الذى تصفه اناشيده ، فيقول : كلية القدرة و تجاوز كل الحدود و الصفات . . وهذا طبعا ينطبق على كل الآلهة المصرية والتى تتجاوز الألف وخمسمائة معبود . . نعود لتوت وعائلته.

لقد عاش الأمير توت عنخ وحيدًا يلعب بمفرده أو مع أخواته بنات نفرتيتى فى قصر أبيه الملكى فى تل العمارنة، مات الأب الملك إخناتون فى ظروف غامضة، وحل الاضطراب بأرض مصر وبالقصر الملكى، وعمت الفوضى البلاد وسيطر القلق والحزن على العباد، وثار الكهنة والشعب أيضا بمختلف طبقاته، فقط تسلم إخناتون مصر دولة ذات نفوذ، يمتد لمساحات تفوق حدودها، فماذا فعل لا شئ على تراث أبيه إخناتون، ووصفوه بالملك المهرطق أو المارق من تل العمارنة.

وصار توت عنخ آتون، ابن السنوات التسع، ملكًا على عرش مصر فى ظروف صعبة، تزوج توت عنخ آتون من أخته الأميرة عنخ إسن آتون، ابنة أخناتون ونفرتيتى التى فعلت ذلك كى تضمن ألا يخرج العرش من حيز الأسرة وأجبروا توت عنخ آتون على تغيير اسمه إلى توت عنخ آمون واسم زوجته إلى عنخ إس إن آمون، وترك توت عنخ آمون تل العمارنة، وأصبحت مدينة أشباح ينعق فيها البوم وتسكنها الطيور الجارحة ويملأها الفراغ والخواء والعدم.

وعاد توت عنخ آمون إلى العاصمة التقليدية طيبة، وأدار البلاد من العاصمة الإدارية العريقة منف، وبدأ قائد الجيش “حور محب” بنشاط وهمة وحماسة لا يحسد عليها حملة كبيرة لتدمير آثار إخناتون وإلهه الأشهر آتون.

وتحت ضغط الإجبار، بدأ توت عنخ آمون فى سياسة ترميم ما دمره أبوه إخناتون، فأعاد للآلهة الأخرى وكهنتها مكانتها، ورجع عن سياسة أبيه تمام، وانقلب على أبيه والحزن يعتصر قلبه،

وحملت زوجة توت عنخ آمون فى توأم، بنتين لكن الحمل لم يكتمل، ودفنتا معه فى مقبرته ولم يكتب للفرعون الذهبى أن يولد له وريث ذكر يرث عرش آبائه وأجداده العظام، لقد كان توت عنخ آمون مريضًا، وكانت لديه مشاكل فى قدميه وساقيه، وكان يعاني من “الفلات فوت”.

وككل الملوك الفراعنة المحاربين تم تصوير الملك توت عنخ فى مشاهد عسكرية، غير أن الحقيقة أن قادته العسكريين هم الذين قاموا بالحرب، وأهمهم قائد الجيش الجنرال العظيم حور محب، دفاعًا عن الوطن وإظهارًا لقوة مصر العسكرية خصوصًا فى الفترة المضطربة بعد وفاة الملك إخناتون.

 

وذات يوم، كان توت عنخ آمون يتريض فى صحراء منف وكان يركب الخيل، وكان يقود عربته الحربية، فسقط من فوقها، فأُصيب ساقه، ومات بعدها بفترة قصيرة متأثرًا بتلوث جراحه ومرض ساقيه وقدميه، وبعد الوفاة غير المتوقعة لتوت عنخ آمون فى سن صغيرة بعد حكم لتسع سنوات، كتبت أرملة توت عنخ آمون إلى ملك الحيثيين تطلب منه أن يرسل لها أحد أبنائه كى تتزوجه، لأنها ترفض أن تتزوج من خدمها: الأب الإلهى العجوز” آى” أو من قائد الجيش حور محب، وفى رأيها، لم يكن هناك بمصر أحد يليق بها أو يدانيها فى الشرف والنسب والمكانة كى تتزوجه ابنة الملك إخناتون وحفيدة الملك أمنحتب الثالث.

وفى البداية، لم يصدق ملك الحيثيين أذنيه، وظن أنها خدعة من الملكة، لأنه يعرف أن المصريات لا يمكن أن يتزوجن من غير مصرى، ولما تقين من صدق الأمر، أرسل لها بالفعل ابنه، ولما علم قائد الجيش حور محب وآى بذلك، أرسلا إلى حدود مصر الشرقية من قتل الأمير الحيثى، وفشلت محاولة عنخ إس إن آمون، وأُجبرت على الزواج من العجوز آى كزوجة ثانوية إلى أن ماتت، وتم اغتصاب آثارها وتدمير ذكرها من قبل زوجة حور محب الملكة موت نجمت، وكذلك قام حور محب بحملة كبيرة لتدمير آثار الملك توت عنخ آمون وكذلك آثار خليفته الملك آى كى يقضى على تاريخ أسرة إخناتون وخلفائه.

إن حياة توت عنخ آمون كانت مليئة بالحزن والدراما والمأساة، على قصته بعد الوفاة واكتشاف مقبرته التى جعلت منه أسطورة الأساطير وأشهر الملوك وأعظم الشخصيات في العالم أجمع عبر العصور والأزمان، وأضافت نقطة منيرة وحيدة فى حياته التعيسة التى كانت عبارة عن سلسلة من المآسى والأحزان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى