حتمية صناعة المصطلح العربي في العصر الحديث

ذ. محمد طياف/ المملكة المغربية

     شَكَّلت اللغة على الدوام أساسًا للتواصل، ودربا للإدراك والتفاعل، ومفتاحا للتعارف والتآلف كما ذكر الله جل جلاله: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”. (1) وعلى هذا الأساس فإن التواصلَ لا يتم إلا باللغة باعتبارها مرجعا مشتركا لا مناصَّ منه، فهي خاصية إنسانية وسمة مميزة للبشر على سائر المخلوقات، ويتجلى ذلك من خلال علاقة الفكر باللسان وما يترجمه هذا الأخير من أصوات حاملة لدلالات ومعان لها غايات ومقاصد. ولعل أقرب تعريف للغة ما ذهب إليه ابن الجني في باب القول على اللغة وما هي: “وأما حدُّها فإنها أصواتٌ يعبر بها كل قومٍ عن أغراضهم”. (2) وإن كنتُ أذهبُ أبعدَ من ذلك؛ فهي علم وفن وجمال، وأساس التطور الإنساني حضاريا ماديا وقيميا، ونسق من العلاقات المشتركة في مجالات متعددة.

     أرَّخَت اللغة العربية لنفسها صرحا منيعا يذود عن العلم والثقافة والعقيدة والأدب والحياة العامة للمجتمع العربي، وتعالقت منذ القدم مع لغات متعددة منها الفارسية والهندية والتركية والرومية (اليونانية) حيث الأخذ والعطاء والتبادل اللغوي، أو ما يسمى بالاقتراض اللغوي، أي؛ “ما استعملته العرب من الألفاظ الموضوعة لمعان في غير لغتها”. (3) ، وهو ظاهرة عالمية قديمة بفعل الهجرة والتجارة والقرب الجغرافي ومخلفات الاستعمار وتلاقح الحضارات علميا وثقافيا… ولم تكن العربية تقترض كلمات لسد النقص الحاصل في المفاهيم فقط، وإنما من أجل التنوع اللغوي والتعرف على الثقافات الأخرى المتعددة، على الرغم من وجود ما يغني عنها من الاستعمال، وهذا ما أكده عبد القادر بن مصطفى المغربي حين قال: “والناظر في كلام العرب يجدهم قد استعملوا كثيرا من الكلمات الأعجمية مع وجود نظيرٍ لها بمعناها في لغتهم العربية، وقد لا يكون لها نظير، فوجود النظير لها الذي قد يُغني عنها لم يمنعهم من تعريبها، ولم يحل بينهم وبين استعمالها”. (4) ويمكن تفسير هذا القول بالنظر إلى ثقافة الشعوب ومدى قابليتهم لفتح أبواب التعارف والاطلاع على الثقافات الأخرى، وعدم التقوقع داخل الثقافة الواحدة، وقد كانت الشعوب العربية على دراية تامة بأن الانفتاح اللغوي – بالدرجة الأولى- مهم في تطور اللغة العربية ونموها، فلا يمكن أن تنمو اللغة وتتطور بمعزل عن الاحتكاك اللغوي بالشعوب والحضارات المجاورة. يقول جوزيف فندريس: “تطور اللغة المستمر في معزل عن كل تأثير خارجي، يعد أمرا مثاليا لا يكاد يتحقق في أي لغة، بل على العكس من ذلك فإن الأثر الذي يقع على لغة ما من لغات مجاورة لها كثيرا ما يلعب دورا هاما في التطور اللغوي”. (5) وقد أخذت العربية من لغات أخرى عديد الكلمات خصوصا في بداية تشكلها وتكوينها تدريجيا حتى تنضج ويشتد عودها، فحارب العرب وَحْشِيَّ الكلام وغريبه والصعب منه والثقيل على اللسان وكل ما يمجُّه الذوق، واستبدلوه بالدخيل من لغات العجم من كان عذبا رشيقا خفيف الوقع على الأسماع وحسن الوقع في النفس، والدخيل “لفظ أخذته اللغة من لغة أخرى في مرحلة من حياتها، متأخر عن عصور العرب الخُلَّص الذين يحتج بلسانهم، وتأتي الكلمة الدخيلة كما هي أو بتحريف طفيف في النطق”. (6) ومن أمثلة الدخيل الذي اقترضه العرب وجرى على لسانهم: كالورد (للحوجم) والناي (للزمخر) والياسمين (للسجلاَّط) والبازنجان (للحدج) والأُترج (للمتك) والإبريق (للتامورة) والخيار (للقتد) والخوخ (للفرسك)”. (7)  ولم يزد الاقتراض اللغة العربية وقتها إلا قوة ونضجا، ولم يؤذ عذوبتها ورشاقتها وتداولها، وذلك لعدة أسباب:

  • وجود ما يقابل الكلمات المقترضة، إذ لم يكن الاقتراض إلا في إطار التنوع اللغوي على الأغلب؛

  • كان الاقتراض فيما يسمى بالتبادل اللغوي ولم يكن قصرا من اللغة المانحة؛

  • غنى العربية بالترادف والاشتقاق جعل أغلب الدخيل غير مؤثر.

     لكن هذا لن يمنعنا من القول: إن الدخيل من لغات العجم يشكل خطرا جسيما على لغة الضاد في وقتنا الراهن، وأن الخطورة تكمن في الانجراف المهول نحو هذه المصطلحات الجاهزة، سريعة النشأة والانتشار كسرعة الخلق والإنتاج الصناعي والعلمي والتقني للدول المتقدمة. “لأن وضع اللغة العربية -في اتصالها باللغات الأخرى -في العصر الحديث يختلف اختلافا جوهريا عما كانت عليه قديما. فقد كانت لغة الدولة بدواوينها ومؤسساتها ولغة العلوم والدراسات والأبحاث، لكن تجربتها في العصر الحديث تجربة مرة ترتبط بالنضال الدامي الذي تخوضه هذه الأمة من أجل تحررها سياسيا واقتصاديا وثقافيا، لا سيما من الموجات التي يشنها الاستعمار بوجوهه وأشكاله المختلفة”. (8)

     إن العالم الآن يعيش في غمرة ثورة لغوية وأن التقدم العلمي والتقني يزداد بتسارع كبير، ويبشر بأن الإنسان ربما يقف على أعتاب فجر جديد من الحضارة الإنسانية. وقد أحدث هذا كله تقدما هائلا في طرق الاتصال الفردية والجماهيرية لا سيما في مجال الهاتف واللاسلكي والطيران والإذاعة المرئية والمسموعة والسينما والأقمار الصناعية والنزول على القمر ورحلات الاستكشاف إلى الكواكب فضلا عن التقدم الهائل في تقنيات الطباعة ودور النشر والصحافة… الخ. (9)

     لذلك يمكن القول: إن التقدم التكنولوجي والبحث العلمي والتقني والإنتاج الصناعي أساسه اللغة، فالدول المهيمنة اقتصاديا كأمريكا وروسيا والصين واليابان وفرنسا وألمانيا… هي بالضرورة لغاتها متطورة جدا، وتسير في خط مواز مع هذا التقدم، وتفرض وجودها كأحد أكثر اللغات انتشارا وتأثيرا وتداولا، كما كان الحال بالنسبة للغة الضاد قديما حين فرض العرب أنفسهم قوة في الاقتصاد والعلوم والسياسة والأدب والفنون… لذلك فالأمم تتقدم بتقدم لغتها وتتأخر بتأخرها، “ونحن في الوقت الحاضر إذ نعيش في خضم هذا السباق العلمي والتقني الذي يشمل جميع أنواع المعرفة وبين مختلف الشعوب وعلمائهم من خلال لغاتهم القومية التي لا يتم الإبداع الفكري إلا بها”. (10)

     وإن لم يلق لغويونا نصيبا من التجديد وفق ما يلائم بنيات العربية ومناهجها؛ فإننا لن نبالغ إن قلنا أن اللغة ستضعف وستفقد بريقها، فاللغة المانحة – الآن- لا توزع مصطلحاتها رغبة في التلاقح الحضاري ونشر الثقافة الوطنية، ولم تعد أيضا اللغة المقترِضة مخيرة بين المصطلحات وخفتها وعذوبتها في إطار التنوع اللغوي، بل تجد نفسها مجبرة على الاقتراض لسد الخصاص الاصطلاحي لمنتوج جديد أو ظاهرة جديدة أو مفهوم جديد، فالدولة الحاكمة للاقتصاد العالمي تفرض قصرا لغة الاقتصاد. يقول كولماس فلورمان: “وحيثما يوجد فرق في مستوى التطور فإن الفيض الأكبر من الكلمات المقترضة سوف يكون في اتجاه لغة المجموعة الأقل تطورا”. (11)

     واللغة الأكثر اقتراضا ستكون مجبرة على الاجترار والتبعية والخنوع، وستفقد بنيتها ونهجها وهويتها. وبالرغم من هيمنة اللغة الإنجليزية على الاقتصاد والفن والثقافة والخطاب فهذا لم يمنع الغيورين عليها من التحذير من موجة الاقتراض، فقد كتب السير جون تشيك (sir John cheke)، وهو رجل كلاسيكيات، كتب عن الإنجليزية: “يجب أن تكتب لغتنا نظيفة ونقية، وألا تخلط وتشوه بالاقتراض من لغات أخرى، وإن لم ننشغل بتوليد الألفاظ، وظللنا نقترض ولا ندفع، فإن اللغة ستكون مجبرة على الإفلاس”. (12) فكيف هو الحال بالنسبة للغات دول نامية مستهلكة، أو مثل ما حدث للغات فقيرة معجميا فقدت تداولها وانتشارها في أوساط المجتمع حتى أصبحت غريبة واندثرت ولم يعد لها وجود كلغة الجيديك في جزيرة الملايو، واللغة الأيسلندية التي تخلى عنها أغلب أبنائها تأثرا بالثقافة الإنجليزية، ومثل ذلك لغات أخرى كثيرة.

     وإن كان ما يهمنا هنا هو اللغة العربية فإننا لا نخشى عليها من الانقراض مثل ما نخشاه على لغات أقليات أو شتات عرقيات، لعدة أسباب نذكر منها:

  •  كونها تتوسع جغرافيا يوما بعض يوم، فلم تعد محصورة في جغرافيا الدول العربية فقط بل امتدت إلى إرتيريا والتشاد وجنوب السودان والأحواز وعديد الأقاليم كأزواد في مالي وإقليم (تقراي) شمال إثيوبيا…؛

  • لغة القرآن الكريم والسنة النبوية؛ فهي محفوظة من طرف العرب والمسلمين من خلال شعائر العبادات؛

  • عدد الناطقين بها في الدول الغربية كبير وفي تزايد؛ فهي اللغة الثانية في تركيا وأستراليا، والثالثة في الأرجنتين وفنلندا، والرابعة في بلجيكا، وهي الأكثر انتشارا في فرنسا والسويد…؛

  • عدد المتحدثين بها يشكل 6.6 من مجموع سكان العالم وهذا ليس بالرقم السهل؛

  • عديد الدول الغربية اعتمدت العربية لغة رسمية ثانية مثل كوريا الجنوبية،

  •  أصبحت معتمدة في أهم الجامعات الأوربية والأمريكية.

     وإن كنا لا نخشى على اللغة العربية من الانقراض كما قلنا سابقا، فإننا وبصريح العبارة نخشى عليها من الضعف والاختلاط الذي يشوه طبعها وعذوبتها؛ خصوصا في مقاومة تيار العلوم الدقيقة والمنتجات التكنولوجية والصناعية والتقنيات والطب والهندسة وفي مجال المكننة، وهذا عيب ملحوظ وخطأ جسيم من لغويينا، وليس ظاهرة عالمية بريئة – في وقتنا الراهن-  كما يدعي بعض اللغويين، بل إنها انتكاسة معجمية بعد ركود علمي اقتصادي، وإن كنت أرى أن النكسة اللغوية أشد أثرا وأكثر عمقا، فلا يعقل أن تقترض أغنى لغة في العالم بمفرداتها الدخيل من لغة العجم، وأن تُدخل مصطلحاتٍ أجنبية جاهزة قائمةَ معجمها ك فيلم (Film)، وسينما (Cinéma)، وبورصة (Borca)، ومارشال (Marshal)، وطن (Tonne)، وجنرال (Général وبرلمان (Parlement)، وبطاطا (Batata)، وبنك (Banque)، ودكتور(Docteur) وبوليس (Pólice) وجاكيت (Jacket) وتيليفون (Téléphone) ورادار (Radar) واستوديو (Studio)… ولا أعتقد أن لغويينا الحذقين لم يتفطنوا لهذه الخطورة، تحقيقا للأمن اللغوي، وحفاظا على بنية اللغة العربية وطبعها.

     إن تحقيق نهضة لغوية لن يتأتى إلا بالرجوع إلى اللغة العربية نفسها، بدءا بالتخلي عن استهلاك الكلمات الأعجمية الجاهزة الثابتة (الدخيل)، التي لا تتناسب وطواعية العربية صرفا ونحوا وانسيابيتها نطقا وتعددها بيانا، والكف عن استعمال اللفظ المعرب الذي له ما يقابله في اللغة العربية إحياء للفصيح، لذلك وجب العودة إلى خلق مصطلحات جديدة عن طريق: (1) استقراء التراث-  (2) الاشتقاق-  (3) التعريب- (4) الترجمة بالمعنى.

  1. استقراء التراث:

     يزخر التراث العربي بالعديد من المصطلحات التي من الممكن أن تكون قابلة للاستعمال الحديث وقد تلائم المفاهيم الجديدة من حيث المعاني والدلالات، لذا وجب البحث والتقصي في مضان التراث العربي عن هذه المصطلحات وإعادة إحيائها، وهذا سيحفظ للعربية أمنها اللغوي وسيكرس فصاحتها وبناءها الصرفي والنحوي والبلاغي، وستكون في غنى عن الاقتراض والاختلاط.

  1. الاشتقاق:

     تعرف العربية على أنها أغنى لغة في الكون بمفرداتها، ومن بين أسباب ذلك غناها بالاشتقاق، وقد عرَّف عبد القادر بن مصطفى المغربي الاشتقاق على أنه: “نزع لفظ من آخر بشرط مناسبتهما معنى وتركيبا وتغايرهما في الصيغة. أو يقال هو تحويل الأصل الواحد إلى صيغ مختلفة لتفيد ما لم يستفد بذلك الأصل، فمصدر ضَرْبٌ يتحول إلى ضَرَبَ، فيفيد حصول الحدث في الزمن الماضي، وإلى يَضْرِبُ فيفيد حصوله في المستقبل وهكذا”. (13)

     “أجمع أهل اللغة – إلا ما شد عنهم – أن للغة العرب قياسا، وأن العرب تشتق بعض الكلام من بعض وأن اسم الجن مشتق من الاجتنان، وأن الجيم والنون تدلان أبدا على الستر، تقول العرب للدرع جنة، وأجنة الليل، وهذا جنين أي في بطن أمه. وأن الأَنس الظهور، يقولون آنست الشيء أبصرته. وعلى هذا سائر كلام العرب”. (14)

    يقول: علي عبد الواحد وافي: “ويطلق علماء الصرف اسم الاشتقاق على الناحية التي تبدو فيما يسمونه بالمشتقات أفعال الماضي والمضارع واسم الفاعل واسم المفعول واسم الزمان واسم المكان واسم الآلة”. (15)

     يبدو من خلال ما قاله ابن فارس وعبد الواحد الوافي أن الاشتقاق يصاغ وَفق أوزان وضعها اللغويون؛ وعليه فإن وضع أي مصطلح لمفهوم جديد لا بد أن يراعي هذه الأوزان وأن يصاغ عليها، فكما نرى: الاجتنان على وزن (افتعال) وجُنَّة على وزن (فُعْلة) وأجِنَّة على وزن (أفعِلة) وجنين على وزن (فعيل)، ثم لا بد أن يكون بين المفهوم الجديد وجذر المصطلح المشتق مناسبة في المعنى وإن كانت مجازا. فبين (الجن والاجتنان والجنة والجنين) علاقة الستر الخفاء. فالجذر (جَنَّ) يدل أبدا على الستر.

     ومن أمثلة ذلك: المصدر (السقي)، (والمسقاة والساقية) التي تضخ الماء، (والساقي) لمن يروي ظمأ العطشى علما، (والاستسقاء) صلاة لطلب نزول المطر، وأصيب طفل (بالاستسقاء) أي؛ تجمع سائل في عضو معين من جسمه، والكل من جذر (سَقَيَ) أي ارتوى. والمصدر(الهاتف)، اشتق المصطلح الدال على جهاز التواصل (téléphone) من الجذر (هَتَفَ) أي؛ ما يسمع صوته ولا يرى. فبين الجهاز والمصطلح المشتق مناسبة في المعنى. وأيضا الثلاجة والحافلة والناسخة…

  1. التعريب: 

     “ليس التعريب في اللغة عملا بدعا، وليس وجود اللفظ المعرب في جسم اللغة العربية كوجود جسم غريب في جسم الإنسان من حيث يضره بقاؤه وتجب إزالته”. والتعريب: ” تحويل طبيعي أو تغيير تدريجي يجري على اللغة ويجري بها في ناموس مطرد”. (16) وُجد التعريب مع بداية تشكل اللغة العربية واحتكاكها مع اللغات المجاورة فَعُرِّبت عدة المصطلحات في شتى الميادين من قبيل: فلس معرب من اللاتينية (fallis) . ألماس معربة من (أذماس) اليونانية. البازنجان معربة من السنسكريتية (فانكان) ومن الفارسية (بادنكان). درهم معربة من (درخمه) اليونانية، وغيرها كثير من المصطلحات المعربة، “وليس التعريب مما يشوه اللغة ويحط من قدرها ومنزلتها بين اللغات الأخرى”. (17) إلا أنه ينبغي أن يسير وفق ما يخضع له النظام الصوتي والصرفي العربي قياسا وسماعا، من خلال الأوزان الصرفية المعروفة، من اسم الفاعل واسم المفعول وأوزان صيغ المبالغة وأسماء الزمان والمكان وأسماء الآلة واسم التفضيل والمصادر والصفة المشبهة والمصدر الميمي. هكذا يصير كل دخيل معربا فصيحا، وليس كل مصطلح عربي فصيح ما لم يلحق بأبنية كلام العرب، حتى ولو دأبوا على استعماله وشاع ذكره. كما يجب أن يخلو اللفظ من تنافر الحروف “فأحسن كلام العرب ما بني من الحروف المتباعدة المخارج”.  (18) وألا يكون أيضا غريبا على الأفهام غير مستساغ. ومن أمثلة ما وضع اللغويون في بناء الكلمة: كسر ِسرداب ليلحق ب (شِمراخ) وأوجب الضم في دُستور ليلحق ب (بُهلول) وأوجب فتح السين وتسكين الواو في سَوْسن ليلحق ب (كَوْثر). وعمل العرب على إبدال الحروف التي ليست من حروفهم إلى أقربها مخرجا وربما أبعدوا الإبدال في مثل هذه الحروف وهو لازم لئلا يدخل في كلامهم ما ليس منه فيبدلون حرفا بآخر ويغيرون حركته ويسكنونه ويحركونه وينقصون ويزيدون… فما كان بين الكاف والجيم يجعلونه جيما أو كافا أو قافا كما قالوا (كربج) و(قربق). ويبدلون الباء المخلوطة بالفاء بالباء أو بالفاء نحو (برند) و(فرند). ويبدلون الشين سينا نحو (سروال) في (شروال) لقرب السين من الشين… والحروف المبدلة عشرة: خمسة يطرد إبدالها وهي الكاف والجيم والقاف والباء والفاء مما ليس في كلامهم وهي المخلوطة، وخمسة لا تطرد وهي: السين والشين والعين واللام والراء وكل حرف وافق الحروف العربية. والحاء قد تبدل من الخاء كما في (حب) و(خب). (19) وهذا ما ينبغي أن يسير عليه لغويينا في العصر الحديث حفاظا على فصاحة اللغة العربية وطبعها ومرونتها.

  1. النقل المجازي:

     يصعب أحيانا تعريب مصطلح معين لطوله وتداخل أصواته غير المألوفة بالنسبة لبنية العربية، وبالتالي وجب النقل بالمجاز من خلال إعطاء المفهوم الجديد مصطلحا لمفهوم آخر شرط أن يلتقيا في الدلالة، والنقل بالمجاز هو: نقل لفظ من معنى إلى معنى آخر مع لزوم مناسبة بينهما في الدلالة، سواء أ كان ذلك عن قصد أو عن طريق تطور المصطلح دلاليا في علوم مختلفة.

     ومن شواهد ذلك كلمة (السيارة) التي تدل على القافلة وعلى جماعة من الرُّحل. يقول الله جل جلاله: “وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ” (20) فتم نقل الكلمة مجازا لتدل على شكل السيارة الحديثة ذات الأربع عجلات، والمناسبة بينهما في الدلالة أن كلاهما يسير، وكذلك كلمة (السَّاقُ)، ومنها: ساقُ رِجْل الإنسان (ما بين الركبة والقدم)، فتم نقل اللفظ مجازا إلى ساق الشجرة. وفي الهندسة للضلع. على قد وساقٍ؛ بقوة وعزم. وساقُ البندقية؛ القسم الأسفل المعقوف من خشبها. وكذلك كلمة (العين) ومنها عينُ الإنسان. والعينُ الجارية. وتقنية عين الصقر. والعين؛ كبير القوم وشريفهم… وكلمة (الظَّهْرُ) (خلاف البطن). والظهر طريقُ البِرِّ. والظهر ما غاب عنك. وقرأ القرآن عن ظهر قلب؛ حفظه. والظهر ما ارتفع من الأرض وغلظ. وكلمة (المعالجة): معالجة المريض؛ مداواته. ومعالجة الإعلام؛ استعمال الحواسيب لتحقيق عمليات معقدة تهدف إلى غايات ونتائج. ومعالجة المواد الأولية؛ تحليلها وسبرها. 

     إن النقل المجازي وسيلة مهمة من وسائل التعدد اللغوي والإنتاج الاصطلاحي، وهذا سيفيد طبعا اللغة العربية من حيث الجناس التام، وستتعدد استعمالات الكلمة في مواضيع متعددة.

    بناء على ما سبق فتحقيق نهضة لغوية من خلال الخلق والإنتاج الاصطلاحي؛ سيساعد على تعريب العلوم وتدريسها في الجامعات العربية باللغة العربية الفصيحة، ولا بد من توفير الإمكانات المادية للبحث العلمي الفعال والتكوين المستمر، ولا بد أيضا من تظافر جهود المجامع اللغوية العربية على توليد مصطلحات جديدة تتماشى وطبيعة هذا الخلق العلمي السريع، والعمل على توحيد المصطلحات العلمية، والدعوة إلى تعميم تعريب العلوم على مستوى الجامعات العربية، ولا بد أن ننوه بمجهودات مجمع اللغة العربية بدمشق، ومجمع اللغة العربية في القاهرة، ومجمع اللغة العربية الأردني، والمجمع العراقي، والمجمع العلمي اللغوي السعودي، ومكتب تنسيق التعريب في الرباط، ومجمع اللغة العربية في الجزائر حرصا منها على حماية سلامة اللغة العربية، ومحاولة ملاءمتها وَفق حاجات العصر، وتعريب المصطلحات الأجنبية في مختلف العلوم والفنون، وتعريب التعليم العالي الجامعي، وتأهيل أعضاء هيئة التدريس الجامعي.

لائحة المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم.

  • الخصائص، أبي الفتح عثمان بن جني، تحقيق: محمد علي النجار، الجزء الأول، دار الهدى للطباعة والنشر، بيروت.

  • الاشتقاق والتعريب، عبد القادر بن مصطفى المغربي، لجنة التأليف والترجمة والنشر، الطبعة 2، 1947.

  • جوزيف فندريس، اللغة، ت: عبد الحميد الدواخلي، ومحمد القصاص، تق: فاطمة خليل، المركز القومي للترجمة، ط: 2014، القاهرة-مصر.

  • كلام العرب (من قضايا اللغة العربية)، حسن ظاظا، دار القلم، دمشق، والدار الشامية، بيروت.

  • اللغة العربية والتعريب في العصر الحديث، أ. د. عبد الكريم خليفة، مجمع اللغة العربي الأردني، ط 1، عمان-الأردن، 1987.

  • كولماس فلوريان، اللغة والاقتصاد، تر: أحمد عوض، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، (دط)، 2000 م.

  • الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، ابن الفارس أبو الحسين أحمد بن زكريا، تح: أحمد حسن بسج، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، (د.ط) 1997.

  • فقه اللغة، علي عبد الواحد وافي، نهضة مصر للنشر والطباعة والتوزيع، القاهرة، مصر، ط 3، 2004م.

  • شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل، شهاب الدين الخفاجي، مكتبة الحرم الحسيني التجارية الكبرى، ط 1، 1952.

الإحالات

  • سورة الحجرات، الآية: 13.

  • الخصائص، أبي الفتح عثمان بن جني، تحقيق: محمد علي النجار، الجزء الأول، دار الهدى للطباعة والنشر، بيروت، ص: 33.

  • الاشتقاق والتعريب، عبد القادر بن مصطفى المغربي، لجنة التأليف والترجمة والنشر، الطبعة 2، 1947، ص: 16.

  • المرجع نفسه، ص: 51.

  • جوزيف فندريس، اللغة، ت: عبد الحميد الدواخلي، ومحمد القصاص، تق: فاطمة خليل، المركز القومي للترجمة، ط: 2014، القاهرة-مصر، ص: 348 (بتصرف).

  • كلام العرب (من قضايا اللغة العربية)، حسن ظاظا، دار القلم، دمشق، والدار الشامية، بيروت، (دت)، ص: 79.

  • الاشتقاق والتعريب، عبد القادر بن مصطفى المغربي، ص: 22.

  • اللغة العربية والتعريب في العصر الحديث، أ. د. عبد الكريم خليفة، مجمع اللغة العربي الأردني، ط 1، عمان-الأردن، 1987، ص: 49-50.

  • اللغة العربية والتعريب في العصر الحديث، ص: 13.

  • المرجع نفسه، ص: 14.

  • كولماس فلوريان، اللغة والاقتصاد، تر: أحمد عوض، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، (دط)، 2000 م، ص: 320.

  • المرجع نفسه، ص: 314.

  • الاشتقاق والتعريب، عبد القادر بن مصطفى المغربي، ص: 9.

  • الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، ابن الفارس أبو الحسين أحمد بن زكريا، تح: أحمد حسن بسج، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، (د.ط) 1997، ص: 35.

  • فقه اللغة، علي عبد الواحد وافي، نهضة مصر للنشر والطباعة والتوزيع، القاهرة، مصر، ط 3، 2004 م، ص: 131.

  • الاشتقاق والتعريب، عبد القادر بن مصطفى المغربي، ص: 16.

  • المرجع نفسه، ص: 24.

  • شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل، شهاب الدين الخفاجي، مكتبة الحرم الحسيني التجارية الكبرى، ط 1، 1952، ص: 29.

  • المرجع نفسه، ص: 25.

  • سورة يوسف، الآية 19.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى