عن مراقبة الامتحانات 1974

مصطفى سليمان | سوريا

 

كنت أراقب امتحانات الثانوية العامة للطلاب الأحرار، وبينهم رقباء في الجيش. كان أحد الطلاب يضع على رأسه حطّة – كوفية- شماخ… على رأسه ويرتدي عباءة ( مثل لورنس العرب!) سألته عن السبب فقال إنه تعرض لحادث في رأسه ولا بد من وضع الكوفية لأسباب جراحية صحية والعباءة – الدشداشة للراحة الجسمية ومناسبة الكوفية.

كان لا يكتب شيئاً قط ، فقط يحملق في الفراغ بعينين زائغتين كأنه نبي ينتظر الوحي. ثم يمد يده من جيب العباية. يطول الوقت فيخرج سيجارة . ثم يمدها لوقت أطول ويخرج قداحة . ثم يبدأ الوحي . فيبدأ الموحَى إليه بكتابة متدفقة وسريعة .

كنت أقترب منه وأقرأ ما يكتب . كانت المادة جغرافيا : لغة سليمة. معلومات دقيقة جداً . مصطلحات وأسماء جبال وأنهار وتضاريس عن روسيا صعبة جداً . أُعجِبت به . واستغربت معاً . شككت بأمره . تركت له حرية التصرف . كنت أدير له ظهري وأراقبه من صورته المعكوسة على زجاج النافذة المطلة على الشارع، متظاهراً بالتجاهل. وكان معي زميل (خارج التغطية)؟؟ !!!.

وقفت مرة عند الطالب دون حراك . شك في شكي!. وقُبَيل انتهاء الوقت بدقائق معدودة تركت القاعة ليطمئن أكثر. أخبرت أفراد الشرطة العسكرية في المركز

( كان كثير من الطلاب عساكر) . أعلمتهم بهواجسي واستنتاجاتي الغريبة!!.

ذهب معي ثلاثة منهم. وبدخولنا القاعة كان ( العسكري النبي ) الموحَى إليه يهم بالخروج السريع . وعندما رآني مع الشرطة العسكرية هبط إلى مقعده مشلول الساقين لأنه أدرك أنني اكتشفت سر وحيه!!

اقتادوه إلى غرفة خاصة. جردوه من عباءته وكوفيته … ويا للهول! كان مدجَّجا بأشرطة تسجيل مع جهازَي تسجيل صغيرين جداً على فخذيه !!؟؟ كان الكتاب كله مسجلاً بصوت الوحي!! وعندما كان يتظاهر بإخراج السيجارة والقداحة كان يدير الشريط ويستمع إلى الوحي من سماعتين في أذنيه !! ويكتب… كتابه المقدس؟؟!!

طلبوا كتابة تقرير. كتبته . كان الرقيب في الجيش ينظر إلي نظرات حمراء كعين الجحيم !! اقتادوه خارج المركز. ولا أدري ماذا حدث معهم ومعه ؟؟ .

كان زميلي ( خارج التغطية ) يشغلني حتى هذه اللحظة : لماذا كان صامتاً لا مبالياً ؟ هل كان متواطئاً ؟؟ جباناً ؟ لست أدري !!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى