جميل السلحوت يكتب:” مرحلة عشتها” من أدب الرحلات والسيرة الذاتية (6)

ومن البلدان التي زرتها العاصمة السوفييتيّة موسكو

فيأواخر حزيران –يونيو-العام 1984م ونتيجة لمعاناتي المتواصلة من تقرّحات القولونإضافة الى قرحة في المعدة، سافرت إلىالاتّحاد السّوفييتي باعتباره دولة عظمى ومتقدمة، وصديقة للشّعب الفلسطيني وللشّعوب المضطهدة، وجاء قراري بناء على نصيحة المرحوم بشير البرغوثي الذي كان أمينا عاما للحزب الشيوعي الفلسطينيّ، وهو من رتب لي اجراءات السّفر.

في قبرص:

طرت من مطار اللد الى مطار لارنكا في قبرص على متن شركة الخطوط البريطانيّة، ومن لارنكا استقليت سيّارة الى نيقوسيا العاصمة القبرصيّة…وفي الطريق ما بين لارنكا ونيقوسيا شاهدت تربة جيرية قاحلة كالبراري الصّحراوية في بلادنا، وفي قبرص مقود السّيّارة على اليمين، وليس على اليسار كما هو في بلادنا، ويسير السّائق على يسار الشّارع وليس على يمينه كما هو في بلادنا أيضا، وفي نيقوسيا اتّصلت بالأستاذ نعيم ناصر الذي كان يعمل في الهلال الأحمر الفلسطيني، وتحديدا في مجلة بلسم الصّادرة عنه، فرافقني إلى السّفارة السّوفييتية حيث زودوني بتذكرة سفر في الدّرجة الأولى على متن شركة الخطوط الجوّيّة السّوفييتيّة”إير فلوت.”

أمضيت في نيقوسيا ثلاثة أيام، وغادرتها في اليوم الرّابع، وفي اليوم الثاني لوصولي، وقبل أن ألتقي الاستاذ نعيم ناصر، خرجت باحثا عن مطعم لأتناول طعامي، فشاهدت مطعما مكتوبا عليه:”طعام عربي وهندي” فدخلته….نظرت الى لائحة الطعام واخترت اسما طويلا، فأنا لا أعرف اسماء الطعام بالانجليزية، فسألني النادل:Do you want hot food?فأجبته:نعم..وكنت تعلمت في المدرسة أن Hotتعني ساخن، واذا بالرجل يأتيني بطعام هندي مثلج لم أشاهد مثله سابقا ولا لاحقا، فقلت له:I told you that I want hot food not like thiseفاعتذر الرّجل وأخذ الصّحن وأضاف إليه الكثير من الشّطة الحارقة، أكلت من أطراف الصّحن وفمي يحترق من نار الفلفل والشّطة…دفعت الحساب وغادرت المطعم جائعا….مشيت في الشّارع وشاهدت أشخاصا في(أكشاك)يشوون اللحوم على قارعة الطريق، ولديهم بعض الطاولات، يضعون سيخا من اللحوم بعظامها يزيد وزنه على الكيلو غرام….وثمن السّيخ مع زجاجة مشروب مع الخبز باوند واحد-يعادل دولارين- أكلت واستمتعت، واستمرّيت آكل كل يوم وجبتين، وفي اليوم الثالث وبعد أن أنتهيت من طعامي مرّ بي شخص ملتح يرتدي ثوبا وسروالا على طريقة الباكستانيين، فسألني الرّجل بلغة عربيّة فصحى بعد أن طرح عليّ السلام:

هل أخي مسلم؟

ولما أجبته بالايجاب عاد وسأل:

هل تعلم ماهي اللحوم التي تأكلها؟

 فأجبته: نعم إنّها لحوم خراف لذيذة.

فقال: كلا إنّها لحوم خنزير، وكلّ هذه “الأكشاك” التي تراها لا تشوي إلا لحوم الخنازير ولحوم الأرانب،فاستغربت ذلك، مع أنّني كنت أظنّ أنّ اللحوم الصّغيرة هي لحوم دجاج، ولو كنت أعرف لحوم الخنزير لما أكلتها…شكرت الرّجل وكانت تلك هي الوجبة الأخيرة لي في تلك الأكشاك.

في موسكو:

في مطار موسكو وجدت شخصا اسمه فيكتور في استقبالي على سُلّم الطائرة،اصطحبني في سيّارة سوداء إلى قصر الضّيافة الجديد، وهو فندق راق جدا ومكون من طبقات عدّة، يحيط به سور عالٍ، وله بوابّة يحرسها ضبّاط، ولا يسمح بدخوله الا للشّخصيّات الرّسميّة المحليّة، ولضيوف الدّولة المقرّرة لإقامتهم فيه، وفيكتور هذا يجيد العربيّة بطلاقة، بل إنّه يجيد مختلف اللهجات العربيّة المحكيّة، ويفاخر بأنّه ترجم كتاب(خريف الغضب) للأستاذ محمد حسنين هيكل، كما أنه يفاخر بأنّه علّم الشّاعر الكبير محمود درويش في المدرسة الحزبيّة في أوائل سبعينات القرن العشرين.

أمّا غرف الفندق فإنّها مرتّبة بشكل فاخر جميل ولافت، وفي كلّ غرفة تلفاز، وطاولة عليها أوراق وأقلام لمن يريد كتابة أيّ شيء، وفيها ثلاجة تحوي عددا من زجاجات العصائر والمشروبات الرّوحيّة والغازيّة، وكلّ زجاجة تفتح كانت تُستبدل بأخرى فور خروج نزيل الغرفة منها، وتقوم على خدمة نزلاء الفندق حسناوات يرتدين الملابس البيضاء، تماما مثل ممرضات المستشفيات، وكلّ طابق من الفندق يتكوّن من جناحين، يفصل بينهما مساحة فيها طاقم جلوس فاخر، لمن يريد استقبال الضّيوف….عدا عن لوبي الفندق الموجود في الطابق الأوّل، أمّا المترجم فإنّه لا يدخل غرفة الضّيف، وينتظر في اللوبي دائما.

دهشة:

ممّا أثار استغرابي في يومي الأوّل أنّني رأيت فتاتين ممّن يعملن في خدمة الضّيوف تتزاحمان على أخذ كيس نايلون، وضعت فيها السّجائر التي اشتريتها من طائرة الخطوط الجوّيّة البريطانيّة، التي سافرت على متنها من مطار اللد الى مطار لارنكا، ولم أعرف إلا لاحقا أنّ أكياس النايلون لم تصل إلى الاتّحاد السّوفييتي في حينه، كما أنّ المترجم فيكتور كان سعيدا جدّا بالآلة الحاسبةالبسيطة، التي كانت مرفقة كدعاية بكرتونة سجائرKent التي اشتريتها من الطائرة البريطانيّة، ومع أن ثمن الآلة الحاسبة لا يتجاوز الدّولار، وهي في متناول أيدي طلاب المدارس في مختلف دول العالم، إلا أنّها لم تكن متوفّرة في أسواق الاتّحاد السّوفييتي، لكن المفجع أنّ ورق التواليت في حمامات الفندق الفاخر هو ورق مصقول، ممّا يعني أنّ ورق التواليت بجميع أشكاله المعروفة غير موجود أيضا.

ومن المدهش أيضا أنّ المحلات التّجاريّة الضّخمة، بما فيها المخازن الحكوميّة الواقعة في ساحة الكرملن، والتي تحتوي بضائع مستوردة وبسعر رخيص جدّا، ولا يدخلها إلا كبار رجالات الدّولة، أو الضيوف على الحكومة، والحساب في المحلات يتم بقوائم عليها خرز ملون، أمّا الآلات الحاسبة بجميع أشكالها فهي غير متوفّرة في السّوق، وليست في متناول أحد….حتّى السّيّارات”الأوتوماتيك” غير معروفة أيضا.

في المستشفى:

لا أعرف لماذا يطلقون عليه مستشفى”اللجنة المركزيّة” فلربما لأن العلاج فيه مقصور على كبار رجالات الحزب الحاكم، وضيوف الدّولة القادمين إليها طلبا للعلاج.

والمستشفى عبارة عن أبنية عدّة جميلة ومتعدّدةالطوابق، وتحيط بأحد جوانبه غابة، تدخل منها الحيوانات كالخنزير البرّي، وغزال الرّنة، إلى ساحة المستشفى، وقد شاهدت غزال الرّنة أكثر من مرّة في ساحة المستشفى، ويقرع الحراس أجراسا محمولة بأيديهم وهم يطاردون الحيوانات لإعادتها إلى الغابة، وحدائق المستشفى جميلة ورائعة، وتتوسّطها بحيرة صغيرة، فيها عدد من طيور البط، التي تتكاثر في قنّ مبني لها بشكل جميل.

وأحد الأبنية مخصّص للحجر الصّحّيّ، حيث يحجز فيه المصابون بأمراض معدية، أو من يُشك به أنّه مصاب بمرض معد.

ومن طريف ما سمعته مباشرة من شخص ترأس الوفد الأردنيّ لمؤتمر الشبيبة الشيوعيّة في بداية سبعينات القرن العشرين، أنّه أصيب باسهال، وذهب للحمام مرّتين أثناء تناوله لطعام الغداء في الفندق، فاحتجزوه في قسم الحجر، حتى انتهت نتائج الفحوصات بانتهاء المؤتمر.

بناية تشخيص الأمراض:

في المستشفى بناية مجهزة بالآلات الطبّيّة، وفيها غرف للمرضى ينامون فيها حتّى يتمّ فحصهم وتشخيص أمراضهم، ومع أنّني أحمل تقارير طبّيّة عن تشخيص حالتي المرضيّة من مستشفى المقاصد الخيريّة الاسلاميّة في القدس، ومستشفى هداسا الاسرائيلي في عين كارم غربيّ القدس، الا أنّهم أعادوا إجراء الفحوصات، حيث مكثت يومين وليلة في تلك البناية، وفي غرفة النّوم في المستشفى سريران، واحد لي، وآخر يشغله شخص من أوزبكستان.

وفي مساء اليوم التالي نقلوني إلى قسم المرضى الأجانب الذي يشغل الطابق الأوّل من البناية الرئيسة، وكلّ نزلائه ليسوا من الاتحاد السوفييتي.

العلاج بالأعشاب:

في المستشفى قدّموا لي يوميّا كأسا مغليّا من أوراق شجرة مزروع منها الكثير في ساحة المستشفى اسمها”شاي” ويقولون أنّها مفيدة لكلّ الأمراض…وفي هذا القسم مترجمون لمختلف اللغات التي يتحدّثها النّزلاء.

وفي تلك الفترة كانت موسكو لا تظلم ليلا إلا في حدود الحادية عشرة، وتشرق شمسها قبل الرّابعة صباحا، حيث يستيقظ السّكان على نعيق الغربان التي تُعد بالآلاف.

وبالرغم من العناية الفائقة التي كانوا يقدمونها للمرضى، إلا أنه كان واضحا تخلّف الأدوات الطبّيّة المستعملة في المستشفى، والتي لا تختلف عن الموجودة في الكثير من المستشفيات الحكوميّة في الدّول النّامية، ممّا أعطى انطباعا بأنّ هذه الدّولة العظمى، تنفق أموالها على سباق التّسلح في الحرب الباردة، وأنّها لم تتطوّر في أمور أخرى كثيرة، وهذا هو أحد أسباب انهيار الاتّحاد السوفييتي لاحقا.

أمّا الشيخ داود عريقات المبعد من الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1975، وكان يقيم في دمشق، والتقيته صدفة في المستشفى، فقد كان ينقل خارج المستشفى يوميّا ليفحصه الدكتور فيودروف طبيب العيون الأشهر على مستوى العالم.

المرأة السّوفييتية:

شاهدت في طريقي من مطار موسكو إلى الفندق نساء يعملن في تعبيد الشّوارع جنبا إلى جنب مع الرّجال، كما شاهدت في ساحة المستشفى نساء يعملن على آلة الحفر”الكومبريسة” التي تحتاج الى رجال أقوياء، كما شاهدت نساء يعملن في البناء.

مأساة إيمان:

في المستشفى التقيت الطبيبة العراقية إيمان سلام عادل، وهي طبيبة متخصّصة في جراحة الأعصاب الدّقيقة، كانت مريضة في المستشفى تتلقى العلاج، ووالدها سلام عادل المعروف باسم”الرفيق فهد” كان الأمين العام للحزب الشّيوعي العراقيّ، وعندما استولى البعثيّون على الحكم أعدموه، وتمّ تهريبها هي وشقيقها وكانا طفلين مع والدتهما إلى سوريا ومن هناك إلى الاتّحاد السّوفييتي، حيث تربّيا وتعلما وعاشا هناك، وإيمان فتاة حسناء شديدة الفخر بعراقيتها وبعروبتها، وهي حزينة لأنّها أمّيّة باللغة العربية، التي تتحدّثها بطلاقة.

وقد شاهدتها أكثر من مرّة تخرج قطعة قماش من جيبها تشمّها وتعيدها، فحسبت أنّها تستنشق مخدّرات، ولما جالستها مرّات، تجرّأت وسألتها عن المادّة التي تشمّها عشرات المرّات في اليوم، فأخرجتها لأراها وهي تبكي وتقول:

هذه خصلة من شعر طفلي الذي حرموني منه.

وحدّثتني أنّها افتتحت عيادة طبّيّة في دمشق، وتردّد على عيادتها بطل سباحة سوريّ، أصيب بكسر في عموده الفقريّ عندما قفز ليلا في بركة سباحة أُفرغت من مياهها دون علمه، فأحبّت ذلك الرّجل وتزوّجته وأنجبت منه طفلا، غير أنّ أهل الزّوج انقلبوا عليها وأجبروا زوجها على طلاقها، وجرّدوها من طفلها الذي تعيش على رائحة خصلة من شعره، كانت إيمان ترسم الحزن خريطةَ تعاسةٍ على وجهها الجميل.

فايق ورّاد:

في المستشفى زارنا المرحوم فايق ورّاد الأمين العامّ للحزب الشّيوعيّ الأردنيّ في حينه، وكانت برفقته زوجته رقيّة النّجّاب، والحقيقة أنّه حضر إلى المستشفى لتلقي العلاج، حيث كان مصابا بجلطة دماغيّة، وقد أعطوه رعاية خاصّة في المستشفى، فخصّصوا له غرفة في الطابق السّادس، وهناك قال له المرافق السّوفييتي: أنت ضيف مهمّ يا رفيق، لذا خصّصنا لك الغرفة التي توفّي فيها الرّفيق أندروبوف الرّئيس السّابق للإتّحاد السّوفييتي.

فردّ عليه فايق ورّاد ساخرا: الله يطمنك”يطمئنك” يا رفيق.

في المستشفى:

مكثت في المستشفى حوالي الشّهر، ولم أجد أيّ جديد طبّيّ في مساعدتي على الشّفاء، بل بالعكس فقد شعرت أنّني سأعود كما جئت، ولينصحني الأطبّاء السّوفييت بمواصلة العلاج في مستشفى هداسا الاسرائيلي، وهذا ما حصل.

 وفيالمستشفى قابلت الموسيقار اليونانيّميكيس ثيودوراكيس الذي كان يعتبر نفسه صديقا وفيّا للشّعب الفلسطينيّ،الذي أعاد عام 1981م توزيع الموسيقي للنّشيد الوطنيّ الفلسطينّ”فدائيّ” الذي ألّفه الشّاعر سعيد المزيّن، وفي المستشفى كان يرقد السّيّد محمود الأيوبي رئيس وزراء سوريا الأسبق، والذي كان لا يخالط أحدا.

ومن اللافت في المستشفى أنّ الممرضات والأطباء والطبيبات كانوا ينظّفون القسم يوميا في العاشرة ليلا، وعندما استفسرت عن سبب ذلك، قالوا لي هذه ديكتاتوريّة الطبقة العاملة، فالسّيادة كانت للعمّال، وهذه أيضا إحدى الأسباب التي أدّت إلى انهيار الاتّحاد السّوفييتي لاحقا.

وفي القسم كانت عشرات الكتب لمؤلفين روس المترجمة إلى العربيّة، والصّادرة عن دار التّقدّم، فقرأتها كاملة.

بيت لينين وضريحه:

في اليوم الثاني لخروجنا من المستشفى، وجدت مترجمة للعربيّة شابّة، وخريجة حديثا من معهد اللغات، فقد تغيب المترجم فيكتور لوفاة قريب له، كانت هذه المرّة الأولى لها التي ترافق فيها ضيفا عربيّا، ولا تتكلّم إلا باللغة الفصحى، اصطحبتني إلى الساحة الحمراء-ساحة الكرملن- حيث ضريح لينين قائد الثّورة البلشفيّة، تنزل بضع درجات …تشاهد الجثمان المحنّط…وتخرج من مدخل آخر، والناس يصطفّون بالدّور في صف يبلغ مئات الأمتار؛ ليلقوا نظرة على جثمان لينين، الذي يحرسه عدد من الضّبّاط، في حين أنّ ضيوف الدّولة والحزب لهم الأولويّة، فلا يصطفّون على الدّور، ويبدو أنّ لينين لم يكن يحبّ التّصوير، فالصّور المنشورة له هي صور جثمانه المحنّط، وفي جدار الكرملن هناك بقايا رماد مع لافتة صغيرة لبعض المشاهير، كالرّؤساء السّابقين، وكرائد الفضاء يوري غاغارين الذي اخترق الجاذبيّة الأرضيّة للمرّة الأولى في العالم،وزرنا الكنيسة الذّهبيّة الواقعة في طرف الساحة الحمراء، وفيها تماثيل تزن أطنانا من الذّهب.

وبعدها استقلينا السّيّارة الرّسميّة إلى بيت لينين، وهو بيت عادي من طابقين، كان يشغله محافظ موسكو زمن القيصر، وعندما استولى الشّيوعيون على الحكم في اكتوبر 1917 سكنه فلاديمير ايليتش لينين قائد الثّورة، وأثاثه لا يزال فيه، وفي حديقته عدد من مقاعدخشبيّة عاديّة، كما فيها مشربان، واحد للماء البارد، والثاني للصّودا.

ومن المعروف أنّ لينين لم ينجب أبناء فكان يعيش في البيت هو وزوجته فقط.

متحف موسكو:

في اليوم الثاني اصطحبونا لزيارة متحف موسكو، وهو متحف واسع جدا وغني بموجوداته، ومن اللافت أنّه يحتوي على مخلفات القياصرة التي لم تمسسها يد السّوء، لأنّها ملك للشّعب، وهم يمثّلون مرحلة تاريخيّة من حياة الشّعب الرّوسي، وهناك تمثال لافت من ذهب وبالحجم الطبيعيّ لأحد القياصرة وهو يمتطي حصانا….ويحتاج المرء إلى ساعات طويلة كي يرى موجودات المتحف بشكل سريع جدّا….وقد أكبرت فيهم هذا الرّقيّ الحضاريّ، وتذكرت حزينا الانقلابات العسكريّة التي كانت تحدث في بلداننا العربيّة، وتمحو كلّ أثر تركه النّظام السّابق، وفي المتحف رسالة ملك اليمن الإمام يحيى حميد الدّين إلى لينين، والتي يعترف فيها بالثّورة البلشفيّة، حيث إنّ اليمن هي الدّولة الأولى التي اعترفت بهذه الثّورة نكاية ببريطانيا التي استعمرت عدن وما عرف بجنوب اليمن، والرّسالة مخطوطة بريشة وبحبر أسود، وممّا جاء فيها:

بسم الله الرّحمن الرحيم

من أمير المؤمنين يحيى حميد الدين إلى رئيس الكفرة والملحدين فلاديمير ايليتش لينين.

بعد الاتكال على الله قررنا الاعتراف بثورتكم الكافرة، ولكم دينكم ولي دين.

فكتب لينين بخطّ يده على الرّسالة” لا أستغرب كيف دخل الاستعمار دول العالم الثالث ما دام هذا فهم قادتهم…اكتبوا له ردّا مهذبا يليق بالملوك”

المسارح:

عند المساء كانوا يصطحبوننا الى أحد المسارح، ومسارح موسكو بذاتها تحفة فنّيّة، وكانوايحجزون لنا في الصّفّ الأوّل، ومن أجمل ما رأيت رقص الباليه على خشبة مسرح البولشوي-الكبير-وهو المتحف الأجمل والأكبر والأحسن إعدادا وتجهيزا في العالم.

العرب في الفندق:

في فندق الضيافة، كان المرحوم خالد الحسن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وبصحبته عدد من أفراد أسرته، نساء وأطفالا وشبابا، شاهدته في غرفة الطعام بصحبة تيسير قبعة القياديّ في الجبهة الشّعبيّة، الذي التقيته في السّجن عام 1969م كما أنّه يعرف الشيخ داود عريقات، فقام وصافحنا في حين تجاهلنا المرحوم خالد الحسن؛ لأنّه لا يعرف أحدا منّا، كما أنّ وزير الدفاع الكويتي والوفد المرافق له كانوا يشغلون جناحا كاملا في الفندق، لكنّني لم أقابل أيّا منهم.

أمّا خالد بكداش الأمين العام للحزب الشّيوعيّ السّوريّ، وكان شيخا هرما فقد كان هو وابنه وصبية لم أعرف إن كانت ابنته أم هي زوجة ابنه.

في برج موسكو:

 زرنا برج موسكو الذي يرتفع 450 مترا، وصعدنا بمصعد سريع جدا، لا تشعر بحركته، وفي قمّة البرج مطعم دائريّ، يدور ببطء ليرى المرء معالم موسكو، فتذكّرت مصعد كليّة الزّراعة في جامعة موسكو، عندما دعتنا ماجدة البطش وزميلتها الطالبة السّورية إلى وجبة”مقلوبة” حيث حسبت أنّ البناية ستنهار فوق رؤوسنا من الصّوت المزعج جدا الذي انطلق من المصعد.

في الولايات المتّحدة الأمريكيّة

أكثر بلد زرته هو الولايات المتّحدة الأمريكيّة، فقد زرتها 26 مرّة؛ لتواجد سبعة من إخوتي هم وأزواجهم وأبناؤهم وأحفادهم، وابن عمّي محمد موسى فيها، ولاحقا في العام 2001م التحق بهم ابني قيس، حيث التحق بإحدى الجامعات الأمريكيّة ” دومينيكان” في شيكاغو، ودرس الاقتصاد والتّجارة الدّوليّة، وعمل في شركات “برمجة”، وتزوّج هناك من فتاة تونسيّة. تجوّلت في ولايات ومدن أمريكيّة عدّة، ولفت انتباهي نمط الحياة الأمريكيّة الذي يختلف كليّا عن السّياسة الخارجيّة الأمريكيّة، وأكثر ما لفت انتباهي هو نظام التّعليم الأمريكيّ المتطوّر والمتجدّد في مختلف مراحله، والتّعدّديّة الثّقافيّة في ذلك البلد، والحرّيّات الشّخصيّة للأمريكيّين التي يضمنها الدّستور ويحميها القانون، وتطبّق على الجميع، وقد كتبت عن مشاهداتي في أمريكا كتاب:

في بلاد العمّ سام، من أدب الرّحلات، منشورات مكتبة كل شيء-حيفا2016.

******

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى