شعرية السرد في مذكرات د. شجاع العاني (من أصداء الماضي)

أ.د. مصطفى لطيف عارف| ناقد وقاص عراقي


يجمع المختصون على القول بصعوبة الاتفاق على حد جامع مانع لمفهوم السيرة الذاتية, نظرا لعدم القدرة على التمييز العلمي بين مصطلحات متعددة يقال عنها أنها تنتمي إلى عائلة واحدة, هي السيرة, أو أنها أجناس أدبية صغرى متفرعة من جنس أدبي كبير هو السيرة,مثل التجربة الذاتية أو الترجمة, والسيرة الذاتية, والذكريات, والمذكرات, واليوميات, والاعترافات, وغيرها الكثير من المصطلحات التي تشترك بكونها سردا لحياة شخص يرويها هو بنفسه- وربما يتبرع له آخر بروايتها نيابة عنه كما في السيرة الغيرية- معتمدا على ذاكرته في استرجاع أحداث وموضوعات ماضية, وعلى الرغم من جهود النقاد والعلماء للفصل بين هذه المصطلحات فصلا علميا دقيقا, إلا أننا ما زلنا بإزاء غموض والتباس في تحديد ملامح المصطلحات أنفة الذكر , هذا ما اخبرنا به الصديق عبد الكريم السعيدي, ومما زاد الأمر تعقيدا مسالة التداخل الاجناسي التي هي من صميم النقد الأدبي الحديث , وفي كتاب (من أصداء الماضي) نجد أنفسنا أمام مدة زمنية قصيرة, وحدث مختزل جدا إلى أقصى حد, والذي يكون منطلق لمجموعة من التداعيات, والذكريات المتعلقة بحياة البطل الدكتور شجاع العاني لمدة زمنية عاشها، وكذلك علاقاته الأسرية ,والاجتماعية, والنفسية, وكذا موقفه من الحياة, والناس والسلطة، غير أن هذه المدة الزمنية القصيرة تطرح هي الأخرى بدورها زمنا أطول على مستوى الخطاب الروائي الذي يخضع لمجموع النصوص الأحداث الجزئية المكونة للكتاب ككـل، بحيـث يبـدو لنـا البناء الزمني للكتاب عنصرا معقدا,و شريانا حقيقيا من شرايينها ,استطاع العاني سرد الأحداث الماضية بصورة شعرية ,وشاعرية, وأعطنا صورا فوتوغرافية بأسلوبه المتميز على الكتابة, والسرد, فنراه يقول: نسيت أمي وأبي وأخواني وأهلي, كنت أعيش أجمل الأيام مع (صديقة وجوهرة) اللتين تداعبانني, وترعيانني طوال اليوم, ويمر الوقت ووالدي يرسل في طلبي لأعود إليهم مع زوج عمتي الذي كان فلاحا لديه بستان ويقوم بإيصال الفواكه والثمار إلى المدينة لبيعها, استمر هذا الوضع طويلا, والدي يرسل في طلبي, وأنا أمانع في العودة ربما لشهر أو أشهر الصيف كلها. تمتلك الكتابة السيرية سحرا خاصا يجعلها تنفرد بين أنواع السرود الأخرى بامتلاكها خاصيتي الذاتي, والموضوعي بكفين متوازتين, الذاتي حين تتطابق هوية الكاتب مع السارد, والموضوعي حين تفترق أنا الكاتب, وتحتجب خلفه الشخصية, وتستتر بظلها لتبرز هوية السارد واضحة الشخصية, والهوية الأولى الذاتية هي التي تميز السيرة الذاتية والسير بنحو عام, والمذكرات, عن الرواية طبقا لتقسيم تودوروف وتصنيفه. يبدو أن هناك علاقة عميقة لا مفر منها بين مخطط حياة الكاتب الفرد كحكاية من ناحية, وبين شكل الرواية نوعا أدبيا من ناحية ثانية لكننا يجب أن نلقي مزيدا من الضوء على هذه العلاقة الإشكالية المتزايدة في القص العربي المعاصر; ذلك أنها أضحت سمة مهيمنة على هذا القص ,لقد أصبح من دأب الكتاب أن يستخدموا موادا من حياتهم الشخصية الفعلية, وأن يعلنوا عن ذلك في متن النص الروائي نفسه, ولم يكن من قبيل المصادفة أن أشهر النصوص القصصية في السنوات الأخيرة كانت نصوصا ,سيرا ذاتية, أو شبه سير ذاتية, ومما يجدر ملاحظته هنا أيضا أن هيمنة الصيغة للسير الذاتية جاءت مواكبة لاتجاهات طليعية وتجريبية في الكتابة, لا في الأدب العربي وحده, بل في كل آداب العالم, لقد جاءت هذه الصيغة وكأنها إعادة اكتشاف للعلاقة الخصبة المربكة بين الذات والواقع, بين عالم الداخل ,وعالم الخارج, تناول العاني في كتابه ألمذكراتي ابرز الشخصيات الروائية والشعرية العربية, والعراقية, فهو اعتمد على تقنية الفلاش باك في سرده الأحداث الواقعية التي مر بها في حياته, ومنهم القاص محمد خضير, فنراه يقول: وخلال كتابتي عن المجموعة كنت أتبادل الرسائل مع القاص محمد خضير وكانت رسائله منتظمة والخط فيها جميلا وكأنه خط رسام ومن المؤسف أنني لم احتفظ بهذه الرسائل, وعندما أخبرت القاص بالمعوقات التي صادفتني في نشر المقالة, ونقلت له ما قال عبد الرحمن الربيعي عنه, تأخر في الرد علي, وبعد شهر وردت رسالته وفيها يعتذر عن التأخير الذي مرده كما قال انه أراد أن يضبط انفعاله وهي عبارته كما أتذكر ثم أضاف انه وجد أخيرا أن هولاء ويعني من أساءوا إليه ربما كانوا على حق!!,وكتابة المذكرات فن أدبي يتكفّل فيه الدكتور شجاع مسلم العاني برواية أحداث حياته، ويجري التركيز فيها على المجال الذي تتميّز فيه شخصيته الحيوية، كأن يكون المجال الفني, أو الاجتماعي, أو السياسي, أو الأكاديمي,كلّما كان ذلك ضرورياً وممكناً، ويسعى في ذلك لانتخاب حلقات معيّنة مركّزة من سيرة هذه الحياة، وحشدها بأسلوبية خاصّة تضمن له صناعة نص سردي متكامل ذي مضمون مقنع,ومثير ومسلٍّ، ويحاول العاني الإفادة من كلّ الآليات السردية لتطوير نصّه, ودعمه ما أمكن بأفضل الشروط الفنيّة، على ألاَّ تخلّ بالطابع العام حتى لا يخرج النص إلى فن سردي آخر، فهو يذكر لنا معاناته في كلية التربية للبنات بجامعة بغداد بقوله: حاربني رئيس القسم وحرمني من المناقشات في الدراسات العليا كما حاول حرماني من الأشراف على الرسائل والاطاريح, وعندما كانت تتقدم طالبة أو طالب بإشرافي كان يحاول إخافتهما بأنه سيجلب لهما عبد الإله احمد في المناقشة أو علي عباس علوان وكلاهما يناصبانني العداء وان كان عداء علي خفيا على عكس عداء عبد الإله احمد ,ولا يُشْتَرَطُ على كاتبنا العاني الاعتماد على الضمير الأوّل المتكلّم، بل قد يتقنّع بضمائر أخرى تخفّف من حدّة الضمير المتكلّم وانحيازه، بشرط أن يعرف المتلقي ذلك لكي لا تتحوّل إلى سيرة غيريّة، بحيث يظلّ الميثاق التعاقدي بين الكاتب, والمتلقي قائماً ,وواضحاً، كما ترتكز الكتابة على آلية السرد ألاسترجاعي التي تقوم بتفعيل عمل الذاكرة,وشحنها بطاقةِ استنهاض حرّة ,وساخنة للعمل في حقل السيرة الذاتية , فهو يسرد لنا أحداث العراق بعد عام 2003 , وانتقاله إلى مدينة القائم آنذاك لوجود عائلته الكبيرة في تلك المدينة فنراه يقول: كنت اكتب يوميات لجريدة نرويجية وكان ذهابي إلى القائم يعني حرمان الجريدة من يوميات الحرب على العراق, إذ يومها لم يكن ثمة اتصال عبر الموبايل, بل كان التلفون الأرضي هو المعول عليه كما أن تلفون (الثريا)انتشر في بغداد لدى إفراد يتكسبون منه, فكنت تتصل بالخارج وتدفع ثمنا لذلك بالدولار, لاحقتني الصحيفة إلى القائم وتلقيت اتصالين على الهاتف الأرضي ووصفت لهم الأوضاع في المدينة وحركة الطائرات فوقها ليلا وحياة الناس في الظلام الذي غمر مدن العراق,فينفلت النص عن عالم الكاتب , ومهما كان نص التأليف غرائبيا فنجد ثمة مسافة, تقترب أو تبتعد من الحياة, تفصل بين نص المؤلف,ونص الحياة, ليضع المؤلف حدا فاصلا بين ما يروي ,وما حدث, بين من يروي عنهم,وبين ذواتهم, ويتخفى الراوي وراء صنوف الحكايات والأخبار المتنوعة ,ما تميز به الكاتب الكبير الأستاذ الدكتور شجاع مسلم العاني ثقافته الواسعة, وقدرته الفنية على سرد الأحداث, وإدخاله تقنيات حداثوية في مذكراته, وشخصياته المتنوعة, وأرخ لمدة زمنية مهمة من تاريخ العراق المعاصر ,على الرغم من صغر حجم الكتاب إلا انه كبير في موضوعاته , فضلا عن تميزه بالجرأة في الطرح , والصراحة المفرطة في الحديث عن نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى