رواية: ” أسد أم جفيل الأعرج ” (1)

طارق المأمون | السودان

في “سوق أهراس” ..السوق الشهري الذي يجتمع له باعة ومشتري السباع المفترسة و المروضة و أعضائها الثمينة كرؤوس السباع و أنيابها و جلودها و ما غلا منها و ندر من كل الدنيا , يعقد كلُ أول أسبوع من أول شهر قمري ويستمر لمد عشرة أيام , ينفض بعدها ليعقد في موعده أول الشهرالقادم , ويكاد يكون مهرجانا لا يتم فيه البيع و الشراء فحسب بل تقام فيه المهرجانات الراقصة و حلبات المصارعة و سباقات الخيل و الإبل و بيع النوادر من التحف و العطور التي يكون أغلاها عطر دم الغزال ” المسك ” و عطر دم الحوت ” العنبر” , و بهذاالسوق جناح لأخشاب الأثاث و للأخشاب الطبية التي تقصد من بلاد الدنيا المختلفة و أخشاب العطر كالصندل و الطلح يَبعثُ إليها خدم الأمراء والأميرات و الملوك الوفود من أماكن و دول بعيدة غالبا ما تكون وراء البحر الأبيض المتوسط … كما تزدهر فيه تجارة الرقيق الذين يُجلبون عبر حملات منظمة يقوم بها تجار و نهّابة يتخصصون في اصطياد الشباب من الجنسين , أو تتبع أخبارالحروب في كل الدنيا القريبة ليقومو بشراء أسراها من الطرفين فإما أن يتم مقايضتهم مع ذويهم مقابل ثمن يزيد و ينقص حسب وضع الأسير و إما أن يباعوا في أسواق العبيد المنتشرة في الدنيا و هذا السوق أحدها بل ومن أكبرها .
و يستبشر الناس إن وقع السوق يوم جمعة أو خميس لما فيهما من بركة و فضل على بقية الأيام . و بالسوق حوانيت للزينة يقصدها الرجال كما النساء و حمامات للرجال و للنساء تعنى بنظافة البشرة و تجميلها و العناية بالشعر بالزيوت الأفريقية التي لن تجدها مجتمعة إلا هنا , يأتي بها التجار و الصيادون من أدغال أفريقيا البعيدة , ملحقة بأبنية المنازل التي تستضيف الوفود من كل مكان يعمل بها ولدان و جواري بمواصفات خاصة رقيقي الأيدي و الحواشي حلوي اللسان و الكلام جميلي الوجه و الطلة , هذه النزل لها درجات و مقامات فنزل الأمراء ليست كنزل عامة الأغنياء و من باب أولى ليست كنزل العامة من تجار و مشترين و عابري سبيل , فالأولى تكون على مرتفعات شرقي السوق مطلة عليه كما و تطل على أودية خلابة المناظر يتدفق منها الماء تنأى بهم عن سماع الضجيج و زحمة الباعة و المشترين والمتطفلين لها طرق معبدة مرصوفة تسع خيلهم و بقالهم ذوات العربات الفارهة , و الثانية أقل منها ارتفاعا و أقرب مكانا للسوق و تشرف على متنزه جميل أعد بعناية لمقام ذوي المال و الأخيرة تجاور السوق بل وتجدها أحيانا بداخله ;
و سوق “أهراس” مصدر ضخم للروايات و القصص والأساطير التي ينشط رواتها في أيام هذا السوق يتخذون لهم مواقع يتحلق الناس حولها اشتهر منهم رواة بعينهم يقصدهم طالبي الأساطير و معرفة أخبار الدنيا, و يجعلون لهم مترجمين توضع لهم منابر خاصة يؤمها أصحاب اللغات و اللهجات المختلفة الذين يقصدون هذا السوق ليزيدو ثقافتهم ويرووا نَهَمهم حول ما يجري في الدنيا و خصوصا الأوربيون منهم , و يقصدها كذلك جواسيس ملوك و سلاطين ودايات و رؤساء دول مختلفة حيث يجدون بعض الأخبار و الروايات التي تشجع المغامرين منهم على خوض حروب أو تثنيهم عنها فقد نشط طلاب المجد و التوسع منهم ..
يجلس هؤلاء الرواة مع الصيادين و التجار الذين جابوا البلاد و الغابات يأخذون منهم قصصهم و أحاجيهم و الروايات و المغامرات التي كثيرا ما يزيدها أصحابها ليعطوا بعض المجد و النبوغ و السيرة لأشخاصهم فيعيدون صياغتها أضافة و حذفا , تشويقا و تهويلا لتخرج بثوب قشيب تصحبه موسيقا “القنيبري” و “الهجهوج” … و بأختصار هذا سوق للذين يحملون من الأموال الكثير و للذين يحملون من الشغف المثير.
و كان لقصة الأسد الأعرج جمهور خاص بعضهم يأتي من وراء البحار البعيدة و أخرون من البلدان التي ترهق الخيل القوية في طلب الوصول إليها , يأتي كل شهر ليعرف الجديد من أخباره و تغلبه على الصيادين الذين لا يخلو شهر من خبر منهم أو عنهم يزيد في إثارتها , فقد أصبح الأسد بطلا أسطوريا , له جمهور كبير يؤيد و يتتبع و يفرح لانتصاراته على الصيادين من مختلف جنسياتهم , كما اشتهر صيادون قلة عبر هؤلاء الرواة منهم علوش و المحمداني و حسان من الشمال كما يأتي من العمق الأفريقي صيادون أشاوس يعرضون نتاج صيدهم منهم موجيانا و شيانقا و كوباكي…. كما جذب الأسد مغامرين أوربيين ليخوضوا الأدغال الأفريقية تحركوا من بلدانهم خصيصا لأجل صيده فقد كان وقع قصص هؤلاء الحكواتية كبيرا على نفوس السامعة ,خصوصا و أن بعض القصص يكون لها شواهد حية كصياد حي موجود يرونه ماشيا في السوق و ليس من الخيال , أو أسد شجاع يرونه مكتوفا بين المعروضات أو رأس فيل و السيف الذي جزه بل و الصيادين الذين تمكنوا منه …بل و أحيانا يؤكد الغلو في هذه القصص و إثارتها تأثرهم فرحا و حزنا بغياب صياد لموت أو لجرح أو مواصلة مطاردة , و كثير من الصيادين يحملون جروحا غائرة أو ظاهرة يتباهون بها إظهارا لشجاعتهم في وجه الأسود .. ينسجون حولها القصص الدالة على استبسالهم و شجاعتهم في مواجهتها كأنها هي التي قصدتهم لا هم من اعتدوا عليها و روعوها بالأسر أو القتل يجيئون إلى مواطنها الآمنة من بلدان بعيدة لا لشيء سوى لأذاها.
و قد كانت الجبال المحيطة بالسوق و غاباتها المخضرة مدار العام مسرحا لعمليات صيد كبير زاد من حماسها ذلك الأسد المرعب الذي لم يستطع عليه أمهر الصائدين و الذي أطلق عليه الحكواتية لقب “مراد باي” تشبيها له “بمراد باي” العظيم الذي سمت به همته من العبودية و الرق الى حكم تونس كلها .. خلق هذا الأسد حماسا غريبا لطلاب البطولة و السمعة الحسنة و المغامرة… حتى أن بعض مضاربي السوق وضعوا مبلغا كبيرا لمن يأتي به حيا و مبلغا كبيرا و لكن أقل منه لمن يأتي به ميتا , و كان كلما جاءت بعثة صيد أو جماعة صائدة أو صيادون منفردون و قليل ما هم , يتكاثر حولهم الناس ليأخذوا الأخبار طازجة عنهم قبل نقلها للحكواتية و لكن الصيادين كانوا لا يخبرون أحدا غيرهم , فهم يدفعون لهم مقابل ذلك ثم إنهم يقومون بتمجيدهم و الدعاية لهم أمام الزوار خاصة الأوربيون الذين يدفعون أثمانا عالية مقابل صيد الصياد ذي السمعة الماجدة… و كان يحرص كل صائد أن لا يعود خالي الوفاض من خبر أو قصة عن ذلك الأسد “مراد باي” حتى و إن لم يقابله أو يتعرض لموقف معه فإنه يجلس هو وزمرته الصائدة ينسجون قصة من وحي الخيال تقارب الواقع لينقلوها الى الحكواتية… فقد كان عيبا كبيرا أن يرجع صياد دون أن تكون له قصة أو مغامرة مع هذا الأسد مما أضاف للأسد الأعرج أبعادا أسطورية لا نملك غير أن نقول أنه يستحقها…
أصبح الأسد الأعرج “مراد باي” بركة على بقية الحيوانات التي كسد سوقها و قلت أسعارها و وبالا على الأسود التي تناقص عددها بشكل ملحوظ حيث كثر صيدها و تهافت الصيادون عليها وعرفوا مخابأها و أماكن تواجدها و عاداتها و أزمان توالدها و طرق تناسلها و حياتها الإجتماعية و مصايفها و مشاتيها … و ابتكروا طرقا مبتكرة لصيدها و تفننوا في ذلك و صنعوا آلات ذات إمكانيات متخصصة تفلح في تشتيت انتباه الأسد الأعرج فقد صنعت خصيصا له , إذ شكلت حمى الأسد الأعرج في منطقة الشمال و الغرب الأفريقي ظاهرة اجتاحت حتى المجتمعات الثقافية و الدينية و أصحاب المهن الإقتصادية المختلفة التي لا علاقة لها بالصيد كالزراعة و الرعي…و تباهى الأغنياء باقتنائهم لجلود الأسود و أنيابها و رؤوسها رغما عن نهي الوعاظ في المساجد عن ذلك و اعتبارهم أن هذا من السخط و اللعنة الإلاهية , و أصبح من كسوة العروس اللازمة فَرْو جلد الأسد الذي يوضع زينة في البيت أو يتخذ كسجادة صلاة أو تعمل منه الأحذية و أواني حفظ و تبريد الماء بدلا عن جلود الأبقار و الماعز بل و صنعت منها الآلات الموسيقية الفخمة… و كل هذا يباع في سوق أهراس ثم منه الى الأسواق الأوربية و الأسواق الداخلية التي لا يقصدها إلا علية القوم و علية القوم فقط..
غير أن هذه الموجة الشرسة التي استمرت لأربع سنوات حسوما تزيد و لا تنقص أدت الى هجر الأسود للغابة المتاخمة للسوق , و ابتعادها في العمق الأفريقي جنوبا و غربا و شرقا عبر امتداد الغابات و الصحاري و اقترانها مع بعضها البعض , فاصبحت طلعات الصيادين تتأخر لشهور تكاد تقارب السنة مما جعل الحماس يفتر عن سابقته و أصبحت قصص الأسد الأعرج تكاد تندثر إلا من حكواتي يؤلف قصة حوله جذبا للمستمعين يشوبها عدم الصدق و قلة السامعة.

شكل وجود الأسد الأعرج أو “مراد باي” لغزا محيرا و تحديا مثيرا للهواة و المحترفين من الصيادين , لا تجد له مكانا محددا فهو كثير الحركة و التجوال في غابات الجبال المحيطة بالسوق فمن وجده بجبال “صالح” لن ينكر على من رآه بجبال “أولاد مؤمن” و لن يغالط إن ادعى ثالث سماع صوته المميز في جبال “أم العظائم” , و كثيرا ما يروي صياد عن ظهوره المفاجئ له كالجني في “عين دالية ” يعدو عليهم بسرعة فائقة تكاد تسابق السهم المنطلق منقضا على رامٍ أو ناقضا لشراك أو مثيرا لرعب بزئيره الذي تتجاوب معه الأسود و السباع فتزأر بعده مأوبة مثيرة الرعب في قلب كل من سولت له نفسه اقتحام مملكته , و كم من مرة يعد الصياد و فريقه الشراك الجعدلية المحكمة لصيده ثم يختبئون خلف شجرة أو صخرة فيفاجأ الجميع بتخطيه الشرك و ظهوره أمامهم مباشرة وجها لوجه بلا عازل أو ملجأ و سرعان ما يتجمع الأسود و السباع المختلفة إثر زأرة واحدة تدلهم على مكانه و صيده من الصيادين الضحايا فتصبح الغابة كلها أسودا… فلا يملكون غير انتظار رحمة الله التي عزمت صحبتها “لمراد باي” و قبيلته دون الصياد و زمرته , و لكنها أي رحمة الله تتدخل فتصرف عنهم الأسود زهدا فيهم و إعلانا للإنتصار عليهم فيُشيِّع المنتصرُ المهزومَ الى خارج الغابة مطرودا ذليلا تاركا سلاحه و شراكه خلفه بعد معركة بسيطة الهدف منها رمي سلاح العدو و طرده ليس إلا , يقتل فيها من يقاوم و يجرح فيها من لا يعلن استسلامه بسهولة… و لذلك أصبح من مسلمات صيد الأسود في تلك النواحي الاستسلام ورمي السلاح و رفع اليدين الفارغتين و التقهقر رويدا رويدا الى إن تُأمن غضبة “مراد باي الأعرج ” إذا ما خانك الحظ و رماك قدرك في مثل هذا الموقف المهيب ..و لكن الويل لك إن كانت هذه المرة هي المرة الثانية التي ترى فيها في مثل هذا الموقف…..
يتبع….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى