اليعسوب

سيد عباس غلاب | مصر

اللوحة للفنان: مات تالبرت

      اليوم، يوم غير عادي، فهو يوم زفاف الملكة، واليعاسيب تتجهز لذلك السباق الجنسي المميت، خضت هذا السباق من قبل في عالمي، وفزت به، وأسفر عن يرقتين.

     طارت الملكة ليبدأ السباق؛ اليعاسيب تطير خلفها، ترى من يفوز؟ّ! .. من يكون العريس القتيل اليوم؟! يعلم نهايته المحتومة ولكنه يسير نحوها دون إرادة منه، فيرمونات الملكة قوة قاهرة لا تستطيع الضحية مقاومتها، جاذبية الأنثى يا عزيزي  تثير فينا شبقًا يبدأ ولا ينتهي إلا بالموت، وذلك الكبرياء الذكوري الكامن فينا لا يكتمل إلا بالأنثى، لا نكتفي ولا نمل، طالما تعذبنا وشقينا، ولكننا لا نتوقف أبدًا، وكأن تلقيح الأنثى هو شهادة –لا تقبل الشك- لتمام ذكوريتنا، وهن يعلمن ذلك، فيأتوننا منه فلا نستطيع الفكاك.

     الكون حولنا  أنثوي بامتياز، فالطبيعة أنثى، والأرض أنثى، السماء أنثى، والشمس ….، واللغة ….، والمجرات ……..، و….، و…،  أما الذكر فله وظيفة واحدة يؤديها ويموت، فالرجل بالنسبة للمرأة ” ليس سوى وسيلة لإنجاب الأطفال”.

     الرجل الأول انتصر على الشيطان، وهزمته امرأة، أشد ابتلاءات الأنبياء كانت على يد النساء، “أكثر أهل النار من النساء”، الحياة فيلم معاد يبدأ بأن تلدنا امرأة وينتهي بالموت على يد أخرى، والرجل تام الدين تام العقل، والزواج يذهب بنصف دينه وكل عقله.

****

      الآن يبدأ السباق أنا الذكر الأقوى بلا منازع، أنا الأسرع الأكثر فحولة، أرأيتم كل الذكور خلفي الآن، لا يستطيعون مجاراتي، رائحة فيرمونات الملكة تملأ أنفي، يزيد شبقي، تزيد سرعتي لا أبالي بأي شيء إلا باللحظة الآنية، ها هي تبتسم لي، تتيح لي المجال للاقتراب، وأنا أعتليها أشعر بأنني أملك الدنيا، أشعر بذكوريتي بفحولتي، تهمس لي، وهي في قمة نشوتها: أنت الذكر الوحيد في هذا الكون.

ونتهاوى معًا كأننا نتراقص على وقع موسيقى مجنونة مبعثرة النغمات، عطر زفاف الملكة خدرني أصابني بالنشوة أمتصه، وتمتص رحيق ذكوريتي، فترتقي و

أ

      ت

             ه

                    ا

                          و

                                  ى.

      ماذا فعلت بي تلك اللعينة، تبًا لذلك الكائن الذي تكمن قوته في ضعفه، تبًا للأنثى ونون النسوة ولتاء التأنيث المربوطة، والتاء الساكنة المفتوحة، فتحت لتقتلع ذكوريتي كي تتأكد أنني لن أصلح لأخرى بعد اليوم، وتركتني أتهاوى.

       وبعد انتهاء الملكة مني، تعود للخلية، تقبل عليها الوصيفات ينظفنها، يزلن عنها أي أثر لي؛ يحرقن أوراقي، يمزقن أشعاري وطموحاتي وخططي المستقبلية، يحطمن صوري، يمحون من الوجود ذكري، وتصير الملكة أمًا للطائفة، ملكة متفردة دون ملك ينازعها ملكها، فهل سمعتم يومًا عن ملكٍ للنحل؟!، هل سمعتم عن الطبيعة الأب.. عن اللغة الأب.. بالطبع لا فهي الطبيعة الأم واللغة الأم، حتى القمر نسبوا الفضل في ضيائه إلى الشمس.

      البويضات خصبت، اليرقات يكبرن يصبحن عذراوات، يشبهن الملكة الأم، وأنا الأب أصل وجودهم،لا أثر لي، لولاي لفسدت بويضات الملكة، وما أصبحت الملكة أمًا أو حتى ملكة، يرقاتي يأكلون لحمي حيًّا، يمتصون آخر قطرة من دمي؛ فأتهاوى، أنا الذكر المنتصر… أموت، واليعاسيب المهزومة… تعيش….!

        وتعيش الملكة قوانين الخلية في صالحها، الطبيعة، قوانين الأسرة، والأحوال الشخصية، التاريخ والجغرافيا، الأهل … الأقارب… الوصيفات … ذلك كله ينتصر للملكة، ال”فيمينيزم”  ترفع راياتها على قبور الرجال.

     فتزيد سرعة التهاوي … أصبح بلا بيت.. بلا أبناء، بلا حاضر أو ماضي أو مستقبل، فقد نالت ما تريد، والخلية تدين لها بالفضل والولاء:

– تعيش الملكة…! تعيش الملكة…!

        الخلية ..لها، الأبناء.. لها، البيت.. لها، النفقة والأثاث.. لها، الكون والطبيعة.. لها، والموت لي .. الموت لكل الذكور …! الموت لكل الرجال، وتعيش المرأة .. تعيش الأنثى تسمو بسقوطها الأنثوي، وأسقط برفعتي الذكورية، يقترب القاع، تنظر لي بتشفٍ وأنا  أ..ت.. ش.. ظ.. ى، وفي اليوم التالي تدخل في سباقٍ جديد.

تمت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى