يدا بيد نحو مجتمع أفضل

صباح بشير | فلسطين

تمثل الإناث نصف سكان العالم وبالتالي نصف إمكانياته، وعلى الرغم من مرور أكثر من قرن على النشاط النسوي إلا أن النساء في مجتمعاتنا العربية لا زالت مستمرة في مواجهة التهميش وعدم المساواة، تلك اللازمة لإطلاق إمكانيات المجتمع السليمة.  يعود السبب لعدم إحراز تقدم حقيقي في مجال حقوق المرأة في العالم العربي لصمود النظام الأبوي وخضوع المرأة للمعتقدات الثقافية والتقاليد السائدة في هذه المجتمعات، كذلك للسلطة القائمة على الطبقية  والجنسانية.

منذ نهاية القرن التاسع عشر بدأت نساء الطبقة الوسطى والنخبة في دخول معترك الحياة العامة، وذلك من خلال تأسيس الجمعيات الخيرية والنقابات النسائية التي دعت للمزيد من الحقوق في الزواج والتعليم، لم تكن هؤلاء النسوة  “يقاومن النظام الأبوي” بل رأين أنهن يساهمن في النضال ضد التخلف، فأصبح ظهور المرأة علامة رئيسية للهوية بالنسبة للطبقات الوسطى الناشئة وتجسيدًا لمفهوم الحداثة.

المفكر المصري قاسم أمين رأى أن وضع المرأة المسلمة أحد أسباب التخلف، وفي كتابه تحرير المرأة عام1899م، كتب أن المرأة هي العمود الفقري للمجتمع، وربط أسباب التخلف بنقص تعليم المرأة والحجاب وخضوعها للرجل، ثم بدأ في الدعوة إلى ضرورة رفع مكانة المرأة من منطلق وطني وأخلاقي، وألقى باللوم على التقاليد في اضطهاد المرأة، واستخدم النصوص القرآنية لإثبات حقوقها.

يقع اللوم على عاتق النزعة المحافظة المتزايدة منذ نهاية السبعينيات، فقد كانت الخمسينات حتى السبعينات من القرن الماضي تشهد نظرة أكثر علمانية، وربما كانت ثورة 1979م في إيران هي المحور الأكثر وضوحًا في التوجه نحو التعصب، أما الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979م فاستخدم الجماعات والأيديولوجية الإسلامية المتطرفة لمحاربة الشيوعية، كما أدى استمرار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى تغذية التطرف، ومن أفغانستان حتى المغرب، اكتسبت الحركات المحافظة أرضًا خصبة مما زاد من ترسيخ الفكر الديني المتشدد الذي كان في جوهره كارهًا للمرأة.

صعود الحركات الراديكالية بعد عام 1967 م –  مصر نموذجا

عند التفكير في الاضطرابات التي انطلقت بعد عام 1967م ، والتي كشفت عن بعض أوجه التشابه المثيرة للاهتمام مع الفترة من 2011م حتى 2013م ، فقد أدت هزيمة عام 67م إلى التشكيك في شرعية المشروع العربي وإلى حقبة جديدة في السياسة العربية.  في مصر أطلقت الصدمة العميقة العنان لحركات معارضة جديدة بسبب الغضب من تلك الهزيمة، وذهبت مطالب المتظاهرين والطلاب الراديكاليين إلى أبعد من ذلك، فقد نادوا بمزيد من الحريات السياسية، كانت قضايا حقوق المرأة وتحريرها تخضع للأهداف الوطنية والسياسية لمقاومة الإمبريالية والاستبداد والنضال من أجل العدالة الاجتماعية، أقرّ قادة الحركات بضرورة حشد النساء للمشاركة كوسيلة لتحديث المجتمعات العربية، نجحت هذه الحركات في حشد الشابات للمشاركة في النشاط السياسي، وأتاحت الاضطرابات التي أعقبت عام 1967م فرصًا لتجاوز المعايير السائدة بين الجنسين، وخلقت بيئة اجتماعية متغيرة بدأت فيها الحركات النسوية والاجتماعية بالظهور لتحدي الوضع السياسي والجيوسياسي والاجتماعي، ومع أن هذه الحركات كان لها مواقف إشكالية من الناحية الأيديولوجية تجاه المساواة بين الجنسين، إلا أنها وفرت أرضية لتجاوز المعايير السائدة للاحترام الجنساني، من خلال المشاركة في المظاهرات وتحدي السلطة، هكذا قامت النساء بمواءمة أدائها للبنى الجندرية الجديدة مع مقاومة الوضع الاجتماعي والسياسي والجيوسياسي في ذاك الوقت.

بعد توقيع الرئيس أنور السادات معاهدة السلام مع إسرائيل في عام 1979م ، بلغ الدعم الأمريكي لمصر مليارات الدولارات كمساعدات كانت تستهدف في حقيقتها الثورة المضادة والقوى السياسية الراديكالية والنوع الاجتماعي، حاول الرئيس السادات تقويض الحركات السياسية الراديكالية من خلال السماح للإسلاميين بالعمل علانية في حرم الجامعات، كان دعم السادات للطلاب الإسلاميين وتقاربه الأوسع معهم وسيلة لمواجهة تأثير الجماعات السياسية الناصرية واليسارية، وكان بمثابة إشارة للانفصال عن نظام التحديث العلماني لعبد الناصر الذي كان  يشجع على نسوية الدولة، تعكس هذه المواقف تنامي النزعة الاجتماعية المحافظة التي كان يحث عليها الإسلاميون، وعلى الرغم من ذلك بدأت المنظمات والمبادرات النسائية المستقلة بالازدهار، فمثلا قامت نوال السعداوي بتأسيس جمعية تضامن المرأة العربية التي طرحت موضوع العنف ضد المرأة، وبذلك أتيح الدور لعودة ظهور الجمعيات النسائية المستقلة في مصر مما أعطى للمرأة مساحة للتعبير عن خطاب جندري جديد.

في عام 2000 م اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ثم بدأت الحركات الشعبية في الظهور، لم تكن قضايا حقوق المرأة على جدول الأعمال، إلا أن المرأة قد برزت في هذه الحركات على عكس الحركات الثورية بعد عام 1967م، وللأسف لم تكن هنالك  أي محاولة لإدراج قضية المرأة.

في مصر وبين عامي 2011و2013 م تمكنت النساء من إعادة إدخال “قضية المرأة” في الحركات الشعبية وذلك استجابة لزيادة العنف ضد الناشطات، وفي ظل حكم المجلس العسكري والإخوان المسلمين، برزت المنظمات النسائية الجماهيرية، كانت الناشطات المصريات في الطليعة، يناضلن من أجل العدالة الاجتماعية والديمقراطية، رفعن مطالب خاصة بالنوع الاجتماعي وفيما يتعلق بمشاركة المرأة وسلامتها الجسدية، نجحت النساء في دمج وتحويل معايير النوع الاجتماعي إلى مطالب بتغيرات اجتماعية وسياسية أوسع، وتحرك نظام ما بعد يوليو 2013م لتوسيع حقوق المرأة من خلال الدستور وقانون مكافحة التحرش الجنسي لعام 2014م ، هكذا جسدت مشاركة المرأة في الحركات الراديكالية التحول الاجتماعي والسياسي، بما في ذلك تغيير المعايير الجنسانية.

على الصعيد الاقتصادي

 من الخطأ عدم ربط الأبوية والذكورية بالطبقية والقهر الاقتصادي والاجتماعي، فالسبب الرئيسي للخسائر الاقتصادية هو الحواجز القانونية المستمرة والأعراف الاجتماعية التي تعيق وصول المرأة إلى فرص العمل والابتكار، فقد ثبت أن تمكين المرأة يحفز الإنتاجية والنمو الاقتصادي، إذ يمكن للمرأة أن تسهم في اقتصاد البلاد، لأن عمالة المرأة يمكن أن تحسن دخل الأسرة المعيشية بدرجة كبيرة وأن تُخرج العديد من الأسر من براثن الفقر.

  المشكلة متشعبة، منهجية ومؤسسية، وتتلخص في النظام العالمي برمته، فهو نظام طبقي عنصري، يرتبط بالرؤية الذكورية القائمة على التفرقة ويرسخ مبدأ “اللامساواة” بين الجنسين، ولا يمكن لهذه الفجوة أن تتقلص إن لم تشمل هذه المساواة جميع طبقات وفئات المجتمع، وهنا لا بد أن نعيد الحديث عن الخطاب الإسلاموي، فلا يمكن تجاهل التغييرات التي حدثت في مجتمعاتنا نتيجة لهذا الخطاب المرتبط بالإسلام السياسي والتطرف السلفي الديوبندي، الذي عمق الرؤية الذكورية مما أدى الى تراجع البنى الثقافية في مجتمعاتنا.

الفيلسوف الفرنسي ديكارت قال: أنا أفكر إذا أنا موجود، ولكن هل التفكير وحده يكفي لتحقيق الطموح وتغيير الواقع؟  لا بد للأفكار أن تخرج الى النور، ومن هذا المنطلق نحتاج إلى تمكين فكري قبل أي تمكين آخر، وبهذا المفهوم يجب مناقشة قضايا المرأة في إطارها الفكري والتاريخي العام، يجب السعي نحو تحقيق عدالة النوع الاجتماعي وصولا إلى الوعي بضرورة تغيير مفاهيم المنظومة التربوية القائمة على الفكر الذكوري، وهذا ما يتطلب ثورة فكرية تبدأ بالإنسان أولا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى