قبر لي..ولها.. قصة قصيرة

الطيب طهوري | شاعر وقاص من الجزائر

 

زارني في مشيتي.. كنت وحدي.. وقْع خطاه على الهواء كان..

أما زلت على قيد الحياة صديقي؟ ضاحكا سألني..

ما زلت، ما زلت، أجبته حزينا..

أنا في انتظارك..سأهيئ لك قبرا يليق بك..بجانبه أغرس شجرة باسقة تظللك..

انا في انتظارك، كرر.. لن ترى هناك سوى الذين تحبهم.. لن تسمع انين مرضى..ولن ترى متسولين..ولن تشاهد معارك لفظية أو جسدية بين الجيران.. لن يغشك أحد..لن تستغلك أحدة.. لن تحتاج الى ماء أوأكل..لن تعمل شيئا يؤلمك أو يؤلم غيرك.. لا هراوات سوداء هناك تطاردك..لا أحذية خشنة تخيفك..ولا صراخا نتنا يرمى عليك..

سكتَ قليلا.. ثم..واصل كلامه:

في كل ليل نخرج..نذهب الى حيث نشاء..ونرى ما نشاء..نرى البحار والجبال والأنهار..نرى البط والإوز والأمطار..نتجول فرحين في كل ليل وفي كل نهار..نسمع زقزقات العصافير وأغانيَ الطيور.. نعانق جري الغزالات وأجنحة النسور..لا نحتاج إلى سيارات أو بواخر أو طائرات..لا نحتاج أحمرة أو خيولا أو جمالا.. هناك تقول في سرك: اريد أن أكون..فتكون.. اريد رؤيتها..وتراها..نائمة وحالمة تراها..ستكون حلمها إذا أردتَ..وحلمك إذا أرادتْ.. أشواقها إذا شئت.. واذا أحببت ستزورك في شمس النهار..

نظر إلي طويلا..كنت لا كلام لي..كنت تيها..

الى اللقاء..الى اللقاء..رفرف..واختفى..

عدت الي..كانت الأرض أمامي جرداء..كانت جرادا.. متعب الخطوات كنت..متعب الرأس واليدين.. جلست على صخرتي..أنَّت الصخرة.. أتعبتني ايها المتعب، قالت لي..صوتها كان حزنا شديدا.. وقفت..اعتذرت لها ومشيت..

في البعيد قليلا لاح لي قطيع نعاج..إليه توجهت..

مساء الخير، قلت لراعيها..نظر الراعي الي من فوق إلى تحت..من تحت إلى فوق..

مساء الخير، رد علي..ثم.. تركني وحرك عصاه مبتعدا بقطيعه..

عدت الي مرة أخرى..حركت قدميَّ المتعبتين..زعيق طيور سمعت..رفعت رأسي ونظرت..حربا رأيت..بين عصفورتين كانت تدور..فوق رأسي كانت تدور..

سمعت: العش لي لا لك، زعقت إحداهما..

لا، هو لي لا لك ، زعقت الثانية..

وواصلتا حربهما..

شجرتهما قليلة الأوراق كانت أمامي..نظرت..فوجئت: ثعبان يلتهم فراخ العش..

هل ألتقط أحجارا وأرميه بها لأبعده؟ سألت نفسي..سؤالي كان خوفا..تذكرت ثعبان طفولتي ..تذكرت زحفه خلفي حين رميته بحجارتي..سمعت حفيفه..ارتعد جسدي..ابتعدت عن الشجرة فزعا..التقطت حجرة ورميتها عليهما..ابتعدا عني وواصلا حربهما.. تركتهما..تركت الثعبان يلتهم الفراخ وقفلت راجعا..

ما أن دخلت الشارع حتى سمعت.. صدقة على الوالدين تغلغلت في أذني اليمنى..وضعت يدي في الجيب..ابتسم..

لا شيء والله، قلت له آسفا خجولا..

طأطأ رأسه ومشى مبتعدا..

سمعتْ أذني اليسرى: غشني الخبيث..قال إنها جيدة..ركَّبتها..ولا قطرة ماء صعدت..أعدتها إليه..رفض استعادتها..اندلعت الحرب بيننا..

قال لي: اشكِ إذا أردتَ..لن تنال شيئا..أعرفه..يداه طويلتان تصلان إلى النجوم..

رفع يده..انظر..كانت اليد بياضا يلفها.. وعيناه كانتا احمرارا ذابلا..

امراتان انطلقتا في عراك لفظي فظيع.. وقفت أستمع إليهما ..يا له من كلام بذيء، قلت في سري..وتوجهت إليهما..

هراوات قطرانية صاحت: ماذا تفعل هنا..امش..لا تتدخل فيما لا يعنيك..وعلى كتفيَّ كانت..

متعبا مشيت..

صرختْ حانقة:أسرع..وهرولت هاربا..

حين صرت في الشارع الآخر بعيدا عنها توقفت..كنت لهَثا مريرا.. كرسي جنب الجدار كان أمامي..ولم أجلس عليه..

إلى السماء نظرت: اسرع..هيئ ليَ القبر الذي وعدتَني به..أنا قادم، هيئه لي.. غباري كثيف والبحر ينأى..ولا اخضرار في المكان.. أسرع..أسرع..

دخلت المنزل..إلى غرفتي توجهت وأغلقت علي بابها..

بعد وقت ليس بالقصير..وليس لي.. رحت أغط في النوم العميق.. وراح النوم يغط في..

في النوم ذاك رأيته.. ابتسم سعيدا.. هيأت قبرك.. أنا في انتظارك..لا تتأخر..عندنا رحلة إلى بلاد الواق واق.. عن قريب نكون هناك..

لا تتأخر..ستذهب معنا..

استيقظت من نومي..كنت سعيدا..

فتحت النافذة ..نظرت إلى السماء..كانت زرقاء..

أنزلت عينيَّ من سمائهما إلى الأرض..كانت أوراق شجرتي القليلةُ تتساقط تباعا والريح العطشى تأخذها بعيدا..

نظرت إلي..كنت اصفرارا فاقعا..

أغلقت النافذة وعدت إلى فراشي..

في فراشي سمعت الصوت:

لا إله إلا الله..محمد رسول الله..

لا إله إلا الله..محمد رسول الله..

وقفت..في المطبخ كنت..سألتها:

من الميت يا مخلوقة؟..

أنت، انت، أجابتني..دموعا غزيرة كانت عيناها..

عيناي أيضا كانتا دموعا غزيرة..

كنت أبكي عليَّ..كنت أبكي عليها..

وكان صوته: مرحبا مرحبا..سنذهب معا إلى بلاد الواق واق..و..

ستراها هناك..

ستراها..وتراك..

***

مسرعا عدت إلى غرفتي..على الجدار كانت خريطتي..من المحيط إلى الخليج كانت..من الخليج إلى المحيط…

من محفطتي أخرجت مسطرتي..على الخريطة رحت أبحث عن قبري..

هنا قبري،أقول..لا،ترد الخريطة..

هنا..لا..هنا..لا..

رحت أهنهن ..وراحت تكرر لالاها..

أين قبري إذن؟..جاء سؤالي ألما كثيفا..

غاضبة ردت: في كلي..في كلي..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى