الرئيسية / فكر / التدوين والتنوير.. الداء والدواء ؟!

التدوين والتنوير.. الداء والدواء ؟!

د. محمد السيد السّكي| استشاري تحاليل طبية وكاتب وروائي مصري

لقد سالت دمعات النصوص المقدسة كثيراً عبر الأزمان ولكم اشتاقت طبيعتها الطاهرة لحضن المؤمنين لتسكن في صدورهم وتكن لهم النور والدليل فلا يحرم منها قلب ولا يشقى الناس لضياعها ويعيشون في الضلال والتيه..
كانت تتمنى أن تكون لها أقداماً راسخة في الأرض ويجد في نبتها الناس صوت الله المتجدد الذي يعلن دائماً عن وجوده ويقدم للناس منهجاً يقومهم اذا اعوجوا و يكون لهم المعلم والدليل..
التدوين هو الأمان الروحي للنص المقدس الذي لا يجب أن يحدث فيه تحريف وتقوّل وافتراء على المشرع الحكيم.. ويحتاج التدوين للحفاظ على النص الذي هو مبغاه الي عنصرين مهمين وهما التوثيق والتواتر. ولقد عانت البشرية عبر العصور من صعوبة التوثيق بدءاً من اكتشاف الكتاب مروراً بتطور ادواتها وآلياتها انتهاءاً بوجود طرق سهلة تضمن حدوث انتشار وتواتر للمكتوب..
لقد تمت الكتابة على الحجر و الواح الخشب وجلود الحيوانات، وعليك أن تستحضر بذهنك حجم المعاناة التي كان يعنانيها المدونون من أجل الحصول على جلد حيوان. وياترى كم هي حجم الكلمات التي ستكتبها ريشة ومحبرة في هذا الجلد؟! لقد كان أمراً صعباً جداً. فمن اجل كتابة مجلد من الف صفحة تتصفحه الآن كنت تحتاج إلى آلاف من قطع الجلود وبالتالي الالاف من قطع الماشية.. وان كنت ملكاً في الماضي وتحصلت على مبغاك فمن ذا الذي سيحمل كتابك الذي يحتاج لدار مساحته تقدر بالأمتار..
مما سبق ذكره يتضح جلياً لنا كم هي الصعوبة لاجراء عملية التوثيق والتدوين.
وكما يقول اليهود فان النبي عذرا الكاتب قام بكتابة التوراة في عهد الملك نيحميا عام ٤٥٨ ق. م كمحاولة لاحداث توثيق معتمداً على الروح القدس لتدارك ضياع أسفار التوراة عبر العصور فلقد تعرض اليهود للسبي البابلي وما اعقبه من مذلة لهم واهتزازات عقدية ناهيك عن الفترة الزمنية البعيدة بينهم وبين النبي موسى- عليه السلام – والذي عاش في حدود عام ١٤٠٠ ق. م بالإضافة إلى ماتعاقب بعد ذلك من اكتشاف مخطوطات قمران التي توثق لكتابات النبي زكريا عام ١٠٠ ق. م ثم ما اعقبها من ترجمة سبعينية للنص العبري الماسوري للتوراة..

لقد تم اضطهاد المسيحين وعاشوا في معاناة وهربوا للجبال وسكنوا بالاديرة هروباً من بطش الرومان واستمر ذلك حوالي ٣٠٠ عام مما شكل عبئاً ثقيلاً على القلوب والاجساد ولقد زاد الاضطهاد من صعوبة اتمام التدوين في العصر المسيحي ناهيك عن مقولة المسيح- عليه السلام – لتلامذته بأنه قادم لهم ليخلصهم ولن يتأخر عليهم فعرفوا انه سياتى اليهم قريباً..
لقد حرص النبي محمد – عليه الصلاة والسلام – منذ اللحظة الأولى للوحي على كتابة النص القرآني تنفيذاً للأمر الإلهي الذي طلب بضرورة كتابة الدين والاشهاد عليه فما بالك بالنص المقدس..
ربما يطرق عقول البعض طائف الشك ليشكك في سلامة وصول النص القرآني وهو طائف وعي مشروع طالما استند على عصا الروح المحضة على التفكر وبعد عنه ظلام جحود النفس ونزغات ابليس..
بتحليل مخطوطات صنعاء نجد أنها كتبت حوالي ٧٠ هجرية وهي مطابقة للنص القرآني الذي بين ايدينا الآن. ناهيك عن مخطوطة برمنجهام ومصاحف طوب قابي وسمرقند والمشهد الحسيني بالإضافة إلى تحقق العنصر الاخر المهم في التدوين وهو التواتر والذي ينفرد به القرآن والذي يتحقق بسهولة مع القرآن بسبب نصه المحكم العجيب فيغرد التواتر في دوحة القرآن بصوت تشرق منه انوار الفرحة وبلوغ السبيل..
الإشكالية الكبيرة التي تدمي عملية التدوين الإسلامي الا وهي الاحاديث النبوية وما اعقبها من تراث..
لقد كان يمنع النبي- محمد – صلى الله عليه وسلم – كتابة الأحاديث وكذلك فعل أبوبكر وعمر..
و لصعوبة عملية الكتابة وتكلفتها فلقد كانت أولى محاولات التوثيق للأحاديث في عهد ابو جعفر المنصور حيث قام الإمام مالك بكتابة الموطأ عام ١٥٠ هجرية تقريباً والذي يحوي بضع مائة حديث. ولقد طلب ابوجعفر المنصور من الامام مالك تجميع الاحاديث في كتاب يخلو من شوارد ابن مسعود وشدائد ابن عمر ورخص ابن عباس فكان المنتح موطأ مالك..
ثم بدأ عصر التدوين في عهد المامون بعدما عرف المسلمون طريقة صناعة الورق من الصينين.

وكتب الإمام أحمد مسنده وهو يحوي حوالي ٣٠ الف حديث ثم الإمام البخاري عام ٢٥٠ هجرية تقريباً الذي قام بكتابة الجامع الصحيح وهو يحوي تقريبا ثلاثة آلاف حديث بدون المكرر ثم صحيح مسلم والسنن الأربعة وهكذا..
ولقد شابت عملية التوثيق تلك بعض الشوائب نتيجة الفارق الزمني للتوثيق وعصر النبوة..
ولقد شكك عدد من علماء الدين والمفكرين في الاحاديث وصحتها فمثلاً الدارقطني اعترض على صحة ٢٠٠ حديث في صحيح مسلم والبخاري وكان للشيخ محمد الغزالي والشيخ الطاهر بن عاشور والدكتور مصطفى محمود وغيرهم وقفة مع الاحاديث كما أن الشيخ الشعراوى مثلاً رفض أحاديث عذاب القبر وقال انه لا يوجد عذاب في القبر..
ولضعف منهج تدوين الاحاديث وتواتر ها صدرت بعض الاراء الفقهية الغير منطقية حيث يقول اصحاب المذاهب الأربعة بامكانية استمرار حمل المرأة لأربعة سنوات. وتقول المرويات ان الضحاك بن مزاحم امه حملت به لمدة عامين..
وعند التفكر في ذلك الداء الذي أصاب مراحل تدوين التراث الديني لمختلف الاديان فانه تدلف أمامنا بعض الملاحظات:
– اتباع الأديان يعتقدون بسبب إيمانهم بالله بأن نصوصهم محفوظة ولا يمكن أن يطالها التحريف.
-مراعاة الوازع العقدي ونفسية جماعة المؤمنين الذين افاقوا فوجدوا جرابهم خاوية من إرث الأنبياء لضياع نصوصهم المقدسة ونسيانها. فلم يجدوا سبيلاً سوى محاولة رأب الصدع الدامي بصياغة عملية توثيقية دينية يقوموا بها حتى ولو بالتدليس معتقدين انهم بذلك جندا لله وحماة للعقيدة التي توارثوها عبر الاجيال..
-المغالاة حباً او كرهاً للعقيدة هي سبيل للضلال
-الله منزل الاديان يعلم بصعوبة التدوين في مراحل معينة من حياة البشرية ويعلم ما سيعكر صفوها فهو يأذن بالشر ولايرضى به تنظيماَ وحكمة واستمراراً لتجربة الحياة..
حاول الكثيرون من مختلف الاديان ان يقفوا موقفاً مستنيراً، فقام موسى بن ميمون بمحاولة تكسير اضلع الفكر المنادي بالتجسيم في اليهودية تنزيهاً لله..
ورفض المصلح مارتن لوثر كنج منح القانونية الكنسية لاسفار التوراة الغير موجودة في النص العبري المسوري “ابوكريفا”.. وحاول علماء المسلمين كمحاولة تنويرية ان يتجاوزوا أشكال تدوين الاحاديث وما تبعه من أراء فقهية غير منطقية. الا انهم مازالوا يصطدموا برأي كثير من العلماء المتخوفين من فتح ذلك الباب خشية ان تطال سهام التشكيك النص القرآني. وخاصة لوجود شريحة عريضة من المؤمنين البسطاء الاميين الذين قد يسبب ذلك هزة في معتقدهم..
انني احتفظ لنفسي بمنهج اراه طريقة لمعرفة ما طاله الإعياء التدويني وهو ان اتفاق المختلفون على شئ يدل على صحته. فالسنة والشيعة مثلاً يتفقون على النص القرآني والصلاة والزكاة والحجاب والصوم وكل سنة عملية تطبيقية متواترة..
لقد ظهرت التيارات التنويرية بأوروبا للحث على العلم وقطع صلة المصاهرة بين الكهنوت الكنسي والملوك في أوربا والتي ادت الي تخلف أوربا في العصور الوسطى..
التجربة التنويرية الأوربية تختلف تماماً عن التجربة التنويرية الإسلامية والتي ليس فيها كهنوتاً ولا سلطة دينية متحالفة مع رجال السياسة برباط مقدس..
لابد لأي حركة تنويرية ان تنتبه جيداً لتلك الحقيقة وان تحاول أحداث نهضة في الوعي المجتمعي ورفع كفاءته الثقافية والتعليمية اولاً ثم تتناول أشكال التدوين برقة وتغريد لا بنباح..
أن اي عقد اجتماعي حداثي متفق عليه يحض على الحرية والعدل والمساواة والعلم والتنوير لهو رافد من روافد الدين الإسلامي بتعاليمه السمحة الوسطية ولا يوجد تصادم بين العلم وصحيح الدين والتنوير..
يامن تحمل بصيص النور تمهل عندما يسقط نورك على اناء فخاري مغلق لاذ به اصحاب العقائد محتمين به خوفاً على دينهم وهم واهمون، فابصارهم تعشق النور ولكن لاتؤذيها فهي لم تعهد رؤية النور..

أن كل حركة وهمسة لهي بتقدير الله العليم ولا تحسبن أن حركتك هي السبيل وإنما هي تحدث تغييراً ان وافقت مدخل سم خياط لها في تقدير الله الحكيم..
لو رجعت للماضي ودلوت بدلو استنارتك وتداركت حيود الأمم صدقني فانك ستفيق امام دائرة أخرى تنظيمية تقديرية معقدة تبكيك تتجلى فيها معاني حكمة الله من الحياة وتكشف لك عن ذات الله القدوس..

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

فنومينولوجيا سارتر بين الوجود والعدم

د. زهير الخويلدي | تونس في الوجود والعدم، المنشور عام 1943، يسعى سارتر للإجابة على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: