فكر

الإنسان الظاهرة والطفرة النفسية!

محمد عبد العظيم العجمي

الشخص الظاهرة: هو ذلك القادم على حين وفاق بين المقادير والموهبة البشرية (المعطيات الفطرية)، فإذا ما اجتمعا على أمر قد قدر، كان مداد المكتسب من الحياة دفعا ودفقا لهذا الوفاق، وشحذا لهذه الهمة، واشتعالا لهذا المزاج حتى يظهر أبدع ما لديه، ويتجلى عن أبهى صورة عقلية ونفسية ..

يقول المختصون: إن الموهبة المتفردة لابد لها من طارق يطرقها، وحدث يجليها، أشبه ما يكون بهذا الذي يحدث في طبقات السحاب حين تضطرم فيشتعل البرق من بينها يملأ ما بين السماء والأرض، ويلتقي فيها العالم العلوي بالعالم الأرضي، وتنفتح نافذة إلى عنان (اللامعقول)، فتفيض على المعقول بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب من الإبداع من قبل.

يبقى الشخص الظاهرة كما قال (برنارد شو)، “هذا اللامعقول.. الذي منوط به التغيير في الكون”، ويبقى كذلك كما قال إينشتين”ليس الذي يمكنه أن يصيب هدفا لا يستطيع أحد أن يصيبه، إنما الذي يمكنه أن يصيب هدفا لا يستطيع أحد أن يراه”!!

ويقول الشيخ الغزالي: إن الاصطفاء للرسالات العظيمة، ليس بالأمل فيها، ولكن بالطاقة عليها..وكم في الحياة من طامحين لا يملكون إلا الجرأة على الأمل، وكم من راسخين يطويهم الصمت، حتى إذا كلفوا أتوا بالعجب العجاب”.(فقه السيرة).

ولعل مقولة الشيخ الغزالي تفسيرا مناقضا أو مبينا لما يدعونه (الطفرة النفسية)، وأظن هذا المصطلح فيه كثير من المراجعة وليس الخطأ، إن النفس البشرية لأشبه ما يكون بأتون مضطرم ملتهب ، حتى إذا ما أضرمت فيه النار، تأجج واشتعل، وبدا منها مالم يكن في الحسبان؛ وثمة فارق بين الكمون والخمول، كما بين السماء والأرض، فالخمول انحطاط عن الهمة العلية، وركون إلى الدعة والسكينة والانحطاط.. أما الكمون فهو هذا السكون الذي يسبق الضرام، وهو الاضطراب الذي يرقب اشتعال فتيله كي يتفجر نبعه عن أبدع ما فيه، وأعظم ما ينتظر منه.

هو هذا اللقاء المرتقب المنتظر الذي تلتقي فيه المقادير، مع بدعة التكوين البشري، والإلهام الرباني، ثم يتأتى من صاحب النفس  مالم يكن في الحسبان، وما لم تنتظره النفوس من حوله، مما يفيض الغيب به، وتمن به الأقدار، حين تبذل النفس من جهدها وكدها ما يصقل حقل الفطرة الربانية، وما يشحذ مداد الإلهام العلوي.

هذا الكمون النفسي أشبه ما يكون ــ على شدة عجب النفس وتفردها ـــ أشبه ما يكون بعالم (الذرَّة)، وهي أصغر وحدة في البناء الكوني، والتي احتقرها الإنسان يوما على دقة حجمها، وهوان وزنها.. فإذا بها بعد حين تتكشف عن عجيبة كونية استطاع الإنسان أن يصنع منها ما هو كفيل بتدمير الكرة الأرضية.

وإن هذه النفس البشرية القادمة من ضعف، ثم من بعد ضعف قوة، تلك التي أشكلت من ماء مهين، وخرجت من بين الصلب والترائب، ثم راحت تدب وللأرض منها وئيد، تنظر في عطفها وتصعر خدها، تلك التي تنشأ في الحلية.. ثم يخرج منها من يقول “أنا ربكم الأعلى”، ومن يدعي فيقول “أنا أحيي وأميت”.

لم يكن عبدالرحمن الداخل بالفتى المتألق ذكاء، المتفرد بفطنته وسيرته بدايات حياته، ولم يكن يهوى غير الصيد والخروج للبرية، والاستمتاع بالحياة ولذاتها؛ ولم يبد من نبوغه ما يجعله جديرا بإحدى الولايات أو الإمارات الأموية، ولم يكن قائدا ظافرا في جيوش مروان بن محمد آخر خليفة في بني أمية ؛ إنما كان فتى ذكيا ألمعيا منطويا على نفسه، جل ما يشغله الصيد واللهو، فلما جد الجد واتفق العزم ، تمخضت هذه النفس عن زعيم متفرد، وقائد ذي بأس شديد، جمع المجد من أطرافه وأسس خلافة الأندلس التي بقيت ثمانمائة عام.

وكذا عاش الإمام العلم ، والفقيه اللبيب، والعالم الكبير الفيلسوف ابن حزم الأندلسي، نسيب القصور وربيب الغواني، وصاحب الدعة والترف، كما يجلي عن نفسه في طوق الحمامة، لكنه استطاع أن يغالب بنفسه ــ بعد رحلة طواها في العلم والدرس ــ يغالب مذهب مالك الذي ملأ دنيا المغرب العربي (المغرب والأندلس معا)، حتى خط لنفسه مذهبا، ودحر خصومه ومناوئيه، وكتب في كل فن ببراعة منقطعة النظير، وبز الفلاسفة والفقهاء والمتكلمين.

ومن ورائه الغزالي وابن عربي وابن تيمية .. هذه النفوس لم تصنعها الطفرة النفسية، ولا المصادفة القدرية ، ولا احتمالات تصيب وتخيب.. إنما أعدت إعدادا في دفاتر القدر وصحائفه، وشكلت على عين، وطبعت بما يناسب أقدارها التي خلقت لها.. فإذا ما حانت ساعة الظهور، التقى قدر اللحظة بولادة النفس، واجتمع شمل الغيب مع تراتيب الواقع، وانبجس نور النفخة العلوية على بساط النفس القدرية .. فكان ماكان ولا تسأل عن الخبر.

وكان صلاح الدين أحد تلاميذ هؤلاء النوابغ (تاريخيا وعلميا)، ومن صنعوه من أمثال عماد الدين زنكي ونور الدين محمود، وألب أرسلان، ومن بعده قطز وبيبرس والملك الصالح.. نماذج كلها فجرت اللحظة التاريخية مكامنهم، وأظهرت ملهمات القدر في نفوسهم، فانبجست من كل منهم عيونا، وتفجرت ينابيع، وانحنى التاريخ أمام عظائمهم مقدرا، ثم طار معرفا ومحدثا.. فلا يدخل من باب التاريخ إلا العظماء الملهمون.. أما القانعون الخاملون “فليقنعوا منهم بالبلل”.

استطار تفسير الشيخ الشعراوي بهذا السهل الممتنع، واللغة العذبة، حتى لم يترك بيت حضر ولا مدر إلا دخله.. لقد جعل من علوية اللغة وثقل القول الحكيم الذي ألقي على صاحبه، كأنه نبع ماء يتحدر من عين جارية ، حتى يصل إلى فم العطاشى وقلوب المتشوقين المتشوفين، وقد ألهم من فصاحة البيان، وطلاقة اللسان ما جعله يبين لكل طائفة بما يناسب قدرها.

كما طرق الشيخ الحصري بصوته الشجي، وشجوه الندي ، وطلاوته العذبه، وتلاوته الرائقة طرق أصقاع الأرض من شرقها لغربها، ومن شمالها لجنوبها.. ويظل مداد هذا النبع المترقرق فياضا يصعد إلى السماء، ويعود بنورانيته إلى الأرض مباركا متجددا متبتلا.

وكذا كان أينشتين فتى خامل الذكر والعقل، تقاعد عن دراسته الثانوية، واتهم بالتخلف الاجتماعي وعدم القدرة على مجاراة أقرانه، وعمل في أحد مكاتب تسجيل براءات الاختراع، لكنه ما زال يغالب عقله، ويدرس، ويبحث ويدقق حتى أفضى هذا العقل المتهم عن نظرية (النسبية العامة)، التي أبهرت علماء الكون، وجاء على مثاله تسلا، ونيوتن وجاليليو وغيرهم.

الإنسان الظاهرة لا ينتظر رأي الناس فيه، ولا يستوقفه ثناؤهم ، ولا يثينه ذمهم .. إنما هو مدرسة مستلهمة من عطاءات القدر وسير من سبقوه وصنعوه على أعينهم، ثم هو مثال صارخ لمن يأتوا بعده” أن المقادير لا يصنعها إلا الكبراء”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى