فكر

وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى

تأمّل في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَناً﴾

د. خضر محجز | فلسطين

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَناً﴾ (الأنفال/17):
قال الشيخ الأكبر:
فأثبتكَ ومحاكَ، وأضَلَّكَ وهداكَ.
أي: حَيَّرَكَ فيما بَيَّنَ لك، فما تَبَيَّنْتَ إلا الحَيْرَةَ، فعلمتَ أنّ الأمرَ حَيْرَةٌ:
فَعَيْنُ الهُدى مُتَعَلَّقُهُ الضلالُ، فقال: أنت وما أنت! ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. وما رمى إلا محمدٌ، فما رمى إلا الله،
فأين محمد!
فمحاه، وأثبته، ثم محاه.
فهو مُثْبَتٌ بين محوين: محوٍ أزلي وهو قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾؛ ومحوٍ أبدي وهو قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.
وإثباته قوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾. فإثبات محمد في هذه الآية، مثلُ «الآن» الذي هو الوجود الدائم بين الزمانين: بين الزمان الماضي ـ وهو نفيٌ، عدمٌ، محوٌ ـ وبين الزمان المستقبل وهو عدم محض.
وكذلك ما وقع الحِسُّ والبصرُ إلا على رمي محمد. فجعله الحقُّ وسطاً بين محوين مُثْبَتاً؛ فأشبه “الآن” الذي هو عين الوجود. والوجود إنما هو وجود الله، لا وجودَ محمد:
فهو ـ سبحانه ـ الثابت الوجود، في الماضي والحال والاستقبال، فزال عن التقييد المُتَوَهَّم.
فسبحان اللطيف الخبير!
ولهذا قال: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَناً﴾:
فجاء بالخبرة، أي: قلنا هذا اختباراً للمؤمنين في إيمانهم، لِما في ذلك من تناقض الأمور، الذي يزلزل إيمان مَنْ في إيمانه نقصٌ، عمّا يستحقه الإيمان من مرتبة الكمال، الذي في ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى