فكر

الاحتجاج بين الاتباع والإبداع

د. الغزيوي أبو علي | باحث – المغرب
تقديم
إن الاحتجاج ليس علما، لكنه منهج شاق وصعب يعالج قواعد الكلام والخطاب، ويؤسس المواقف على مستوى الأفكار والصور والقضايا على الإنسانية، فهو خطاب واقعي نوعي متميز عن غيره، فالمحتج هو الذي ينادي بالتمايز والتفوق وكذا القوانين التي تتحكم في إنتاج الخطاب لمعرفة الهيمنة وماديتها الثقيلة، فالاحتجاج هو ممارسة للضغط على السلطة أو لإحراجها ويظهر لنا أحيانا كممارسة جماهيرية للتنفيس على الاحتقان ولو رمزيا، وهذا ما ينبئ بتوافر وعي جماعي يمتلك ما يلزم من الوعي والنضج في اختيار سبل في مواجهة الأصنام المفبركة والعمل على إيجاد حلول مستدامة لها، إنه انتقال من مرحلة مقلقة إلى مرحلة مفتوحة، حيث أن يتوافق مع الفاعل الاجتماعي، لأن الفكر التنسيقي التربوي طرح إشكاليته العامة والأساسية، إذ بات من الضروري أن واقع الاحتجاج هو نتاج لواقع تتداخل أبعاده المحكومة بأطر اجتماعية وسياسية واقتصادية تكشف لنا طبيعة التأزم الذي ينخر المجتمع المغربي كمجال لا زال يعاني الأستاذ من ثقل الماضي المستمر لمشكل التحولات المتسارعة، ومن ثم يبدو جليا أن هذه الدراسة ستبرز لنا المشاكل الاجتماعية التربوية المطروحة على صعيد البعد السوسيوقتصادي، وعلى المستوى التربوي، حيث أن التنسيقيات تهدف إلى إقامة نظام جديد حيث تستند إلى إحساس بعدم الرضا على النهج السائد من طرف الوزارة الوصية، فهذا التحول يسعى إلى إيجاد أرضية مشتركة معيارية تسمح بالاحتجاج ومعالجة قضايا الدين والمواطنة والحرية في نفس الإطار المعياري، (ثقافة الاحتجاج بين الفلسفة والقانون – الحكيم بناني ص11).
إن رحلة التفكير التنسيقي أبدعت تقاطعات كمنطلقات وتقييمات في المواقف، الشيء الذي أدى إلى تطوير آليات الاجتماع التنسيقي الوطني كتاريخ جديد يصنع لنا ضرورة موضوعية، المتمثلة في ضرورة تطور قوى الحوار دون السقوط في شراء النمرود وأتباعه، لأن شروط الحوار يرتبط في العمق باستيعاب القوانين الموضوعية التي تتحكم في حركة التاريخ كما يقول كارل ماركس في كتابه الإيديولوجية الأمانية ص47، فلا يمكن إسقاط هذه الأصنام إلا إذا قرر المحاور وعيه النظري من التصورات الطوباوية والدوغمائية وتسلح بوعي ثوري مطابق لقوانين التاريخ ولطبيعة اللحظة التاريخية التي يعيشها الأستاذ بمختلف أطيافه، بهذا الطموح الفكري والتنسيقي ظهرت التنسيقيات كقوة وكتيار بديل يهدف إلى إطاحة كل مشروع لا يراعي حقوق المدرس، لذا عمل الفكر التنسيقي على بلورة الوعي الديمقراطي ورفع شعار الأستاذ هو مركز الكون، وهذا التوجه هو سلسلة من حلقات تفضي كل وقفة إلى الأخرى في صيرورة متغيرة وذلك من أجل صنع قوانين النابعة من قلب الصراع الطبقي إذن نطرح السؤال، متى ننبعث من رمادنا المغربي؟ لماذا تم اختيار هذا العنوان كموضوع للبحث؟ وكمقدمة من أجل البحث في جذرية هذا السؤال الأنطولوجي الذي لا يتحدد من خلال الفهم الظاهري، بل يفرض ذاته على الإنسان أثناء مواجهتها للسؤال، لأن هذا الأخير ينصهر في عملية الحداثة الكونية والعدالة الاجتماعية ومصلحة الجماهير وسيادة القانون.
فإذا كان السؤال كما قلت هو منبع الاختلاف الوجودي، فيمكن إذن أن يطرح في شكل من الأشكال على الفكر العربي من قبيل منطق الاختلاف والتحول، إذن أين نحن من هذا الحرب على الفلسطينيين؟ وأين نحن من منطق الفطر الغربي المهيمن؟ أسئلة تكون قريبة من الإيديولوجية المهيمنة ومن عدم تقاطعات مع المبادئ والمواقف، لأن الإنسان العربي الحام يجد نفسه مخذوقا بالهيمنة وبالمطرقة المؤمركة، فلا يستطيع إلا أن يمسك بعطب الرؤيا وبالصمت، لأن انتصار العولمة الغربية المؤمركة هو وضع قطيعة وشق التفكير اليساري أو الإسلاموي، كل هذا هو إبراز الفكر السامي الذي يخالف المبررات داخل التاريخ الأممي، ولا يتحدد بمنطق الخصوصية القانونية الإنسانية، بل يرفض التحاور مع المتخلف الذي لم يستطع أن يحدد هويته إلا بالثورة والاحتجاج الذي يكون بالاختلاف خاص بالوجود1، إن الفلسطيني يؤكد كينونته في كل مكان وفي كل زمكان، يتساءل أين الجامعة العربية وأين المجلس الإسلامي وأين الرؤساء والأمة لذا يظل داعيا إلى تحطيم هذه الأصنام المؤسساتية التي صنعتها الماكنة الغربية للعرب، وهذا التصور لا يتماشى مع التحولات الاجتماعية، ولا يرتبط بإيديولوجية أرثدوكسية، بل يسمح للإنسان العربي أن يضع لنفسه مرجعية نضالية لتأكيد هويته ووجوده والتسلح بالاختلاف والقراءة الضدية لمعرفة مفهوم السامي والصهيوني والفرنسي والألماني… فأفق الفلسطيني هو محاولة انغماس في التاريخ والذات والوجود والمعرفة، وذلك من أجل بعث الحياة في هذه الأرض بالطريقة التي يمكن أن لا تنسجم مع منطق الغرب، لأن أفق الفلسطيني هو تفكيك كبريات القوانين الأممية، وعلى أساس هذا التدمير قد جعل من الفكر الفلسطيني مفردا غير مزدوج ليصبح بذلك لديه مهمة داخل سياق عملية البناء الغير المعولم، وذلك من أجل إقصاء التنديدات الصادرة عن الجامعة العربية وعن المؤتمر الإسلامويوعن منطق اللوغوس داخل الفكر الغربي كما يرى جيل دولوز لقد ظل تاريخ الفكر العربي وفيا لمبدأ الذاتية والفردانية يتحدد بمنطق التناسب، غير أن ظهور هذه الثورة الفلسطينية بدأت الأرض تتعرض لهزات عنيفة تتجاوز سلم الرشتر ويقول نيتشه في هذا المقام “إني أعرف تماما مصيري، سوف يرتبط اسمي يوما بذكري شيء مهول، سوف يرتبط بتلك الزلزلة التي لم تشهد لها الأرض مثيلا من قبل بذلك الاصطدام الهائل لكل أشكال الوعي، بذلك الحكم المبرر ضد كل ما اعتقد به البشر حتى هذه اللحظة وكل ما هتفوا له وقدسوه “أنا لست إنسانا أنا الديناميت”2، لقد أحدث الإنسان الهامشي بشكل أكبر عنفا مع الثابت والمقيد، الشيء الذي جعله يعيد لغة الاحتجاج كل تجاوز حقيقي في تاريخ التربية المعاصرة، فظهور التنسيقيات كخطاب جديد حطم كل ما بنته النقابات المؤدلجة وهذا ما فعله أيضا الفلسطيني المتحرر من طلاسيم الأمم،وجعل الوجود يخضع للعقل ولا يخضع للسلطة الحاكمة، في حين مع التنسيقيات أصبح العقل لا يخضع للوجود وذلك من خلال الاختلاف الإبستمولوجي بالذات، لأن منطق الاختلاف لدى التنسيقيات يسمح لنا أن نفكر جارج جلباب النقابات وفي اختلاف الموجود عن الوجود.

1- كما يرى جيل دولوز “الكتابة والتكرار” ط1، 1976، ص238.
2- هشام صالح، مجلة الوحدة “الفلسفة بين الإبداع والإتباع” ص60.
إن منطق التنسيقي البديل هو الشرعية الجوهرية في إطار اختلافي يلغي المصلحة الخاصة لكي يدرس ما ينبغي توفره للمدرس لكي يكون مبدعا مختلفا عن السابق، فالمدرس اليوم هو وجود له عدة حاجات ومعاني في ظل هذا التعدد الحزبويالمؤدلج، لأن المدرس واحد إنسان هو أو إنسان هذا يدل على شيء واحد ولا يدل على أشياء مختلفة إذا كررها، فمعلوم بأن الكلمة التي تقول إنسان هو أو إنسان كما يرى جيل دولوز، فالاحتجاج التنسيقي البديل هو القادر بالإمساك بالتقاتل، لأن التضاد يمكن أن يقوم بالاتصال مع الاختلاف، رغم الاختلاف يكون خارجي، لكن الاحتجاج ليس مقيدا بل هو اختياري ضد صنمية النظام الأساسي المطروح من طرف نيرون، إذن كيف يتحدد الاحتجاج كفكرة عند المهمش التربوي؟ انطلاقا من هذا السؤال المركزي نستشف أن الفكرة فكرة الاحتجاج عند هذا المهمش مرتبط بالوعي الذي ينتج المعرفة وليس باللاواعي، لأن الفكر المغاير عند التنسيقيات يتوزع ويتنوع بالتعدد المطلبي ليس في حاجة إلى الوحدة لتشكيل الخطاب السائد، فالأستاذ حدد الفكر، الاحتجاج انطلاقا من الاختلاف الماهوي لكي يكون مرتبطا بالكمية والكيفية البديلة، فالتعدد الاحتجاجي لابد أن يتوفر على بعد حسي مفهومي وبعد اختلاف حر من النظام ومن المؤسسة الوصية لكي يكون الفعل التنسيقي يتمتع بتبادلية مستقلة، وأن يكون مرتبطا بالبعد الجواني الخاص بالمدرسة لكي يجسد لنا رؤية بديلة، لأن إسقاط النظام الأساسي المشيد من طرف السيد الوزير وحزبه لا يزيد إلا إمكانية احتجاجية التي تتواجد في بنياته المصطنعة، فالاحتجاج سؤال يبحث عن الهوية والذاتية والمعنى المشترك ليجعل الملكات المتعالي ينتعش في جدارية الواقع، ولكي يتحدد كأنطولوجية تربوية بديلة توزع ما يوجد من المشاكل التربوية على صعيد الوطني والعالمي، إن الأسئلة التنسيقية كما قلت هي إشكالات مركبة في كل لعبة تربوية ولا يمكن أن تكون سوى لعبة للتربية المغايرة، فبالاحتجاج يتخلخل الواقع ويتجدد الإنسان خارج النزعات التاريخية المؤسلبة والمركزية، فالحضور التنسيقي اليوم يفكر من خلال الحضور لكي يتحدد كشكل جديد بمضامين جديدة وبلغة نردية تتجاوز خيول النقابات في المهرجانات، لأن التنسيقيات حاضرة في الميدان باستراتيجية عامة فككت كل المفاهيم الميتافيزيقيا السياسية من أجل بناء فكر منضاف أو ما يسد نقصا كما يرى ديريدا (الكتابة والاختلاف ص302)، فالأثر التربوي الماضوي لا ينفصل عن الحاضر، والحاضر لا ينفصل عن المستقبل، بل يخلق مسافة مرتبطة بسيرورة زمن الإصلاح الجذري، لأن الاحتجاج لا يعتمد الرؤية الانتقائية، حيث أن المؤجل يحيل دوما إلى اللاحق، لأن هوية الأستاذ مندرجة في التاريخ والسؤال يؤسسها كهوية بديلة وكذات ليس غيرها، لأن المختلف يحيل دوما إلى غيره وهذا ما رأيناه في شعارات التنسيقيات حيث منحت للإبداع الشعاراتي البديل النقد والكتابة كطاقة حركية لمفردة الاحتجاج وكتميز وكمسافة، فلا وجود للاحتجاج بدون نقد لأنه يفسح المجال الأوسع لمبدأ الواقع، إذن فمبدأ الاحتجاج يستحيل طمسه أو تقبيره حيث يبقى كحضور في الواقع وكمسافة لكونه مرتبطا بنفي الأصل “المصنوع والمطبوخ” كإدراك وكمعرفة غير يقينية.
فمنطق الاحتجاج التربوي اليوم يعكس نظاما مهلهلا لا يجعل العقل التربوي سيد كونه، لذا تدعو التنسيقيات إلى تكسير منطق الإصلاح المكوكي وأيضا التماثل المركزي النمط لكي يتم بناء منطق بديل يكون فيه الأستاذ هو سيد قومه، وأن يتقبل التنوع والتعدد << ولينظر إلى التشابه والذاتية كما لو كان وليدي تنوع وتعدد أولي>> كما يرى عبد السلام بنعبد العالي في كتابه”الميتافيزيقيا” “العالم” “الإيديولوجيا” دار الطليعة – بيروت 1981 ص133، فالاحتجاج هو الكشف والإظهار على ما هو مقموع داخل تاريخ المجال التربوي والمعرفي، ومؤكد على أن داخل النظام الأساسي تم التركيز على المراقبة والعقاب بدل الكشف عن المعرفي والإبداعي، الشيء الذي ولد نوعا من الحرمان لهذا المدرس، غير أن هذا لا يعني أن المدرس اليوم بقي أسير الطابع النقابي الكلاسيكي، بل كاشف داخل التاريخ النضالي التناقضات التنظيمية بين القاعدة والقمة، لأن حضور الذات المحتجة من داخل التقابل الواعي واللاواعي بين الحضور والغياب جعل الفكر التنسيقي يكشف عن المستور والمهمش كنهاية الذي ليس له علاقة بالمدرس، لذا عارضت النقابات التي شاركت في صنع هذا الإله ولما عضها ناب الجوع أكلت إلاهها هذا استطاع المدرس أن يتوفر على أذن فنية لتتساءل ما علاقة الخطاب النقابي بنا؟ إذن علينا أن نحدث ثقبا في خطاب النقابات لنسمع من يتحدث فينا وإلينا؟ وكيف باعدت المحد في سوق النخاسة؟ أسئلة تبدو كلغة غير مألوفة لا تنتهي كسلطة استعارية ولا منطق توافقي، بل تسير كأفق جديد يكسر كل تراتبية مهيكلة سلفا، وذلك من أجل منح للاحتجاج تعدده وحضوره الجوهري والماهويوككوجيطو جديد، لأن التنسيقيات تبحث دوما عن الشخصية الإنسانية المعنوية والمادية لكي تحمل التعدد المعرفي والتمفصلات التربوية أو بتعبير أدق تكشف لنا عن لعبة الاحتجاج الذي يحيا في انطولوجية المتخيل المدرس المغربي لكي يبني لنا حقيقة التربية كما كانت في الستينيات والسبعينيات، فهذه الحقيقة لا تتم إلا من خلال محور الاختلاف الذي أصبح شعار داخل أبنية المهمش والمركز، وداخل صنمية النظام الأساسي، إذن تعويض منطق التماثل الوزاري يعني البحث عن عتبة التي تتعايش داخلها الأنواع التربوية كوحدة وكهوية، ولأن أصل التربية يأتينا من الإنسان والكون والحياة، إذن نطرح السؤال التالي من أين يستمد الاحتجاج قوته كمستوى كوني وإنساني؟ سؤال يندرج ضمن الهوية والتاريخ والحضارة والذاتية والعولمة، وفي عالم تسوده المفارقات الشعبوية حيث صار البعد المقولاتي السائد عودة قديمة مفقودة لأصالة لكونها تريد أن تأخذ الأمور بالظواهر وليس بالمواطن، لذا ولدت الاحتجاج ونما الفكر المغاير، وتنوع الخطاب حيث اتخذ قاعدة جديدة تغاير المألوف وتوزع الاختلاف في الائتلاف، والوحدة في التعدد، وهذا لا يتأتى له البناء إلا في مجال القوة والضغط والانقطاعات والاتصالات بين التنسيقيات كما يرى فوكو في كتابه “حفريات المعرفة” تر سالم ياقوت ط1 1991 ص6 – 7، إذن لابد للقيد أن ينكسر وأن يعيش الأستاذ، لأن الأستاذ الباحث اليوم لا ينبغي أن يعيش تحت عتبة الفقر المادي، لأنه له علاقة ديناميكية بالوجود الاجتماعي وسوسيوثقافي حيث لا يتوحد مع الثابت بل يشير إلى التعدد والتكامل، لأن الشر الذي أراده الحزب الحاكم ملازم لوجوده على مستوى اللاواعي فلا تظهر الفضيلة إلا في الانتخابات وفي فلك العموم الذي يسكنه الجهل المقدس وثقافة التفاهة، لذا لم يستطع السيد المحترم الحزبوي الحاكم أن يبحث عن موقع وسط مدينة أفلاطون لكي يتيح مسافة للمدرس ليتهيأ ويختار كما يرى كلو ليفي شتراوس، إدموند ليتشس، كلود ليفي شتراوس دراسة فكرية، تر ثائر ديب، دمشق 2002، ص24 – 25.
إن التنسيقيات تمكنت من جعل صراع جدلي فلا تهدف لقضاء على الأطراف الأخرى، بل غدت صراعا يتمثل في مطالب معنوية ومادية وذلك برؤية جدلية داخلية التي تفسر التطور والتقدم والإنسان والمجتمع كما يقول ماركس وإنجلز، موقع الباحثون السوريون “مبادئ الفكر الماركسي” ج1.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى