فضائح الترند: التشهير الرقمي كنسق قبحي في الثقافة المعاصرة

ا.د.حسين عبيد الشمري | جامعة القادسية- العراق
في زمن الرقمنة لم تعد الفضيحة حدثًا عرضيًا أو انكشافًا أخلاقيًا طارئًا، بل تحولت إلى نسق ثقافي معلن يُعاد إنتاجه يوميًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتحول الحدث الفردي إلى مادة تداول جماهيري سريع، ويصبح الجمهور نفسه قاضٍ ومؤلفًا مزدوجًا يعيد صياغة النص وتأويله لإحكام الإدانة¹. ما يُنشر من صور ومقاطع لا يكتسب معناه من الحدث أو الحقيقة فحسب، بل من السياق الثقافي الذي يسمح بتداولها وانتشارها، ومن آلية استجابة الجماعة التي تمنحها شرعية اجتماعية.
ويظهر الترند هنا كمجاز كلي يعكس الثقافة الرقمية، حيث الانفعال يحل محل التحليل، والسرعة تحل محل العمق، والمشهد يحل محل المعنى². في هذا الإطار، يصبح التشهير الرقمي نوعًا من الهاء الثقافي المعلن⁷، إذ يشتغل على تحويل الانتباه الجماهيري من القضايا البنيوية الكبرى إلى فضائح فردية، ويجعل الجمهور يشارك في صناعة الحكم على الحدث. وغالبًا ما يقف وراء هذا النسق خطاب سياسي مخفي يسعى إلى تمويه أحداث كبرى أو إخفاء أسباب بنيوية، فتصبح الفضيحة أداة لإلهاء الجماهير عن القضايا الكبرى، بينما يمرر أصحاب السلطة رسائلهم أو أجنداتهم بصمت³.
إن جمهور المتلقين لم يعد مجرد مستقبل للخطاب، بل أصبح قوة تأويلية تتحكم في معنى الحدث، وتغلق إمكانات التعدد الدلالي، فتتحول الفضيحة إلى محاكمة رمزية فورية⁴، ما يعكس تردي الثقافة الجماهيرية وانتصار الانفعال على العقل النقدي. وعلى الرغم من هذا الطابع الرقمي الحديث، فإن جذور النسق يمكن تتبعها في التراث العربي، حيث يظهر وعي مبكر بالفضيحة والعلانية في الشعر الجاهلي، كما في قول امرئ القيس:
سَمَوتُ إِلَيها بَعدَ ما نامَ أهلُها
سُموَّ حَبابِ الماءِ حالًا عَلى حالِ
فَقالَت سَباكَ اللَهُ إِنَّكَ فاضِحي
أَلَستَ تَرى السُمّارَ وَالناسَ أَحوالي⁵
ويبرز هذا النص أن الخطر لا ينبع من الفعل ذاته، بل من انكشافه أمام الجماعة، وأن العلنية هي ما يحدد الإدانة. الفرق الجوهري بين السياقين هو أن الشعر كان يؤطر العلنية ضمن بنية جمالية تضبط الدلالة، بينما الرقمنة تحوّل الفضيحة إلى محاكمة جماهيرية فورية بلا مسافة تأملية، مع بقاء النسق ذاته في جوهره ثقافيًا.
يُمثل التشهير الرقمي نموذجًا مكثفًا للنسق القبحي المعلن، الذي يمارس القبح علنًا باسم الفضيلة والقيم، وتكمن خطورته في تطبيعه وتحويله إلى ممارسة يومية مألوفة بلا وعي نقدي. هذا النسق لا يفضح فقط الشخص المستهدف، بل يكشف عن أزمة وعي جماعي وانتصار الانفعال على العقل التحليلي، ويؤكد أن التشهير الرقمي لم يعد هامشًا ثقافيًا، بل متنًا كاشفًا عن طبيعة الوعي الجماعي وحدود الأخلاق ومآلات الثقافة في زمن الرقمنة.
ومن هذا المنظور، تتمثل وظيفة النقد الثقافي في تفكيك هذه الأنساق، وفضح التناقضات التي تختفي خلف خطاب الفضيلة، وتحليل شبكة الدلالات التي تجعل من الفضيحة ممارسة نسقية منتظمة، ما يربط بين الظواهر المعاصرة والاستمرارية الثقافية منذ الشعر الجاهلي وصولًا إلى عالم الترند الرقمي، موفرًا بذلك درسًا تطبيقيًا حيًا لمفاهيم الدلالة النسقية، النسق القبحي، المؤلف المزدوج، الهاء الثقافي المعلن، والمجاز الكلي في الثقافة المعاصرة⁶.
الهوامش
1. عبد الله الغذامي، النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية، المركز الثقافي العربي، ص. 45.
2. عبد الرزاق المصباحي، النقد الثقافي: المفهوم والمنهج، دار محمد علي للنشر، ص. 112.
3. عبد الرزاق المصباحي، النقد الثقافي: المفهوم والمنهج، ص. 112–115؛ طارق بو حالة، الدلالة النسقية والثقافة الرقمية، دار المعرفة الحديثة، ص. 76–78.
4. عبد النبي اصطيف، النقد الثقافي: المفاهيم والإجراءات، المؤسسة العربية للدراسات، ص. 87.
5. امرؤ القيس، المعلقات،، ص. 142–143،
6. طارق بو حالة، الدلالة النسقية والثقافة الرقمية، دار المعرفة الحديثة، ٤٤.



