دلالة ( أفعل التفضيل ) في النصوص العربية

د. أيمن العوامري | باحث في اللغة والأدب

لا شك أن صيغة التفضل من الصيغ الكثيرة الدوران على الألسنة؛ سواء في العلم أم الأدب أم كلام الناس وأحاديثهم وأوصافهم ومحاولتهم تقريب الأشياء إلى المتلقي أو السامع؛ من خلال الموازنة بين شيئين أو أكثر؛ فيستطيع السامع أن يرسم صورة ذهنية لما الحديث بصدده، لكن السؤال الذي يعرض نفسه ويزاحم غيره: هل لصيغة التفضيل دلالة واحدة ثابتة لا تتعداها أو لا تتجاوزها إلى غيرها؟

إن الواقع اللغوي والاستعمال العربي الأصيل الفصيح يشي بأن لصيغة التفضيل أكثر من دلالة، يمكن للمتلقي أن يحددها ويقف عليها من خلال ما يكتنف الكلام من قرائن؛ سواء أكانت قرائن لفظية أم معنوية أم عرفية، وفي السطور الآتية أتناول دلالات صيغة التفضيل الأربعة كما تناولها أئمة اللغة وأرباب المعاني من خلال كلام العرب واستعمالهم؛ دلالات تحكم الاستعمال وتقرب المنوال؛ هي:

الأولى: الدلالة على أن موصوفه زائد في الصفة على مصحوبه؛ نحو: (زيد أكبر من عمرو)؛ وهذا هو الأصل في صيغة التفضيل؛ فكل من زيد وعمرو اشتركا في الصفة (الكبر)، غير أن زيدًا فاق عمرًا.

الثانية: الدلالة على أن موصوفه زائد فيما اتصف به على مصاحبه فيما اتصف به هذا المصاحب؛ وذلك بأن يتصف أحد الشيئين بصفة مميزة له، ويتصف الآخر بصفة أخرى تميزه، وتكون الزيادة في التميز؛ نحو: (العسل أحلى من الخل)، فالصفة المميزة للعسل هي الحلاوة، والصفة المميزة للخل هي الحموضة، ولا يشترك العسل والخل إلا في كون كل منهما له صفة مميزة؛ ومن ثم فمعنى المثال السابق: العسل أكثر حلاوة من الخل في الحموضة، وكما نقول: (النار أحر من الثلج)؛ أي: النار أشد في حرارتها من البرد في برودته.

الثالثة: أن يكون لمجرد الاتصاف بالحدث أو المعنى دون زيادة؛ ومن ثم فهو بمعنى اسم الفاعل او الصفة المشبهة ولا تفاضل ولا زيادة؛ نحو: (النار أحر من الجنة)، هنا أيضًا لا اشتراك بين الموصوفين (النار، الجنة)، والمراد أن النار حارة لا بقيد زيادة الحرارة على الجنة، ومن ذلك قولنا: (الله أكبر)؛ إذ لا كبير معه، ومنه قوله جل شأنه: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]؛ أي: هين؛ إذ لا تفاوت في السهولة والهوان لما يباشره ملك الملوك من خلق وتدبير وتصريف؛ فله القدرة المطلقة سبحانه، وله الملك والملكوت والعز والجبروت، ومن ذلك أيضًا قول معن بن أوس المزني [الطويل]:

لَعَمْرُكَ ما أَدري، وإنَّي لأَوْجَلُ * عَلَى أَيّنَا تَغْدُو الْمَنِيَّةُ أَوَّلُ

وقول الشنفرى [الطويل]:

وإنْ مُدَّتِ الْأَيْدِي إِلَى الزَّادِ لَمْ أَكُنْ * بِأَعْجَلِهِمْ إذْ أَجْشَعُ القَومِ أعْجَلُ

الرابعة: مطلق الزيادة في المعنى من دون التقيد بأن هذه الزيادة على مصاحبه، أو التقيد بمشاركة صاحبه له في المعنى؛ نحو: (زيدُ أفضل إخوته)؛ ومن ثم يندفع الاعتراض بأن زيدًا ليس من إخوته وإضافة أفعل للإخوة تدل على أنه منهم؛ إذ يلزم من إضافة أفعل التفضيل إلى إخوة زيد أن يكون الأخير واحدًا منهم، وهذا محال، بيد أن المعنى: زيد أفضل الإخوة؛ للتناوب بين (أل) والضمير في كلام العرب؛ ومنه قوله تعالى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} [البقرة: 121]؛ أي: حق التلاوة، ومن المسموع عن العرب كما في قول الفرزدق عندما سئل عن (نصيب بن رباح): (هو أشعر أهل جلدته)، وقول أبي عبد الرحمن العتبي [المنسرح]:

يا خيرَ إخوانِهِ وأَعْطَفَهُمْ * عليهمُ راضِيًا وغَضْبانَا

وقول زيادة الحارثي [الطويل]:

وَلَمْ أَرَ قَومًا مِثلَنا خَيرَ قَومِهِمْ * أَقَلَّ بِهِ مِنَّا عَلَى قَومِنَا فَخْرا

وقد أجاز ذلك الكوفيون على تقدير (من)؛ أي: أفضل من إخوته، كما أجازها ابن خالويه والزمخشري على أن أفضل هنا بمعنى (فاضل)؛ أي: فاضل إخوته، والذي يهمنا -بغض النظر عن التأويل والتقدير الذي لا يعدمه من طلبه- هو السماع عن العرب الذي يشهد بصحة التركيب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى