النّـقد التّفاعلي العربـي: الواقع والتحدّيـات

د. وافية حملاوي | ناقدة أكاديمية

أستاذة محاضرة بجامعة العربي بن مهيدي أم البواقي بالجزائر

    يعدّ الحديث عن “الأدب التّفاعلي” اليوم في حدّ ذاته مغامرة، ذلك أنّنا نعيش في ألفية الثّورات المعرفية الكبرى التّي أفرزت مختلف الوسائل الاتّصالية والتّواصلية. وقد جاء هذا الأدب حاملا مواصفات حضارية لم تكن موجودة في أي مرحلة من مراحل تطوّره، إلّا حين حلّ عصر التّكنولوجيا والمعلوماتية.

     يُعد النّقد نشاطا إنسانيا وعملية متشعبة تتناول الأثر الفني أو الأدبي، فتعمل على تحليله وإظهار فضائله وعيوبه، ومواطن القوّة والضعف فيه، بالاعتماد على أهمّ الأصول الفنية وعلى الذّوق الّذي صقلته الخبرة والأدوات النّقدية المتوفّرة والمعروفة في كلّ عصر.

  والصعوبة في التعاطي نقديا مع الأدب التفاعلي الرقمي تكمن في كيفية وصفه وتحليله، ومن ثمَّ إيصال القراءة النّقدية إلى القارئ، لأجل هذا فنحن بحاجة إلى “قراءة نقدية إلكترونية تفاعلية” تُضاهي طبيعة الأدب الالكتروني التّفاعلي، وإلا كانت القراءة تقليدية لنصّ غير تقليدي.

   لقد دعا إدموند كوشو وهو أستاذ بجامعة باريس ورئيس شعبة الفنّ والتّكنولوجيا، إلى وجوب تأسيس نظرية للنّقد الرّقمي تواكب الإبداعية الرّقمية، تنطلق من الإعدادات المنهجية التّقنية، ويتساءل عن شروط وإمكانات تحضيرها، في قوله: (إنّ إعادة تحديد دور النّقد الرقمي لا يمكن أجرأته إلّا إذا اهتم بالإبداع الرقمي… لذا لم يكن هدفنا هنا هو وصف وتحديد الأدوار والأعباء الجديدة للنّقد الرقمي، لكنّ سؤالنا المحوري هو: بأيّ شروط يمكن تحضيره وإعداد أدواته وأولوياته ومناهجه أو بالأحرى تأسيسه كنقدٍ مختلف). (إدموند كوشو، أسئلة النّقد في الإبداع الرقمي، تر: عبده حقّي).

   كما يعتقد أنّه على الناقد الإلمام بجوانب التكنولوجيات المستخدمة في إنتاجيات المبدع الرقمي ومتابعة تفاصيل تكوّنها من خلال الاقتراب منه والتحاور معه ومع نصّه الرقمي: (وأعتقد أنّه على النقد قبل كل شيء أن يهتمّ ويأخذ فيما يأخذ بالتقنية في الاعتبار، لكن عندما يستعمل الفنانون تقنية ما أكثر تعقيدا، وحاسمة جدا في مجتمعات التلقي، مثلما هو الشأن بالنسبة للرقمية، فإنّه يصير من غير المعقول أن يتجاهل أيّ ناقد أو خبير في الإستطيقا، بين تفاصيل وأجزاء الصيرورة التكنولوجية التي استثمرها الفنانون.

    ويبدو أنّه من جانب آخر على النّاقد الرقمي أن يقبل بالدخول التام في لعبة التحاور التي يطرحها المبدع الرقمي، تحاورا بكل ما في الكلمة من معنى). (إدموند كوشو، أسئلة النّقد في الإبداع الرقمي، تر: عبده حقّي) 

    من هنا ترد مجموعة من التّساؤلات: ما مواصفات المنهج النّقدي المطلوب لتلبية الحاجة أمام نصّ كهذا؟ وهل تخلّص النّقد في هذه المرحلة من فوضى النّظريات والمحاكاة للنّماذج التّي تمّ تلقّيها؟ وما مدى قدرة النّقد العربي على التّأسيس لرؤية نقدية تفاعلية عربية؟

    نجيب فنقول: إنّ التّنظيرات العربية قد اتّخذت من المنجز النّقدي الغربي مجالا خصبا من أجل دراسة قضايا نقدية كثيرة ومناقشتها، ومن أبرز هذه القضايا:

   المصطلح وتعدّد التّرجمات:

     إنّ التعدّد المصطلحي للنصّ المترابط وارد في الدّراسات الغربية، لكنّه لم يُدرس بوصفه إشكالية بقدر ماهو اختلاف نوعي، أمّا في التّجربة العربية ، فقد أصبحت أزمة مصطلح أكثر من كونها نمطا جديدا متنوّعا، ويتجلّى ذلك في تبنّي كلّ ناقد لمصطلح معيّن والدّفاع عنه، وكذا الجدل العريض حوله، هذا إضافة إلى قلّة التّرجمات التّي تجدّد الوعي بهذا المنجز.

  محاولة وضع نظرية نقدية عربية للنصّ المترابط:

     لقد أفاد منظّرو الأدب التّفاعلي العرب من التّجربة النّقدية الغربية، فنجد النّاقد المغربي “سعيد يقطين” في تنظيراته من النصّ إلى النصّ المترابط عبر ربطه بالنّظريات السّابقة والسّياق البنيوي، كما توجّه لذلك (جورج لاندو) و(تيودور نيلسون) من قبل، يرى بأنّ النصّ الإلكتروني قد تطوّر كثيرا، وظهرت تيّارات فكرية وثقافية ونقدية، تُعنى بحصيلة الوسيط الجديد، لا يمكن أن نفهم النصّ الإلكتروني بدون وضعه في سياق الثّورة البنيوية وما تلاها من اجتهادات وتطوّرات على المستوى المعرفي والتّكنولوجي.(سعيد يقطين، من النصّ إلى النصّ المترابط، ص122)

    كما يربط النصّ المترابط بالنصّ بشكل ارتدادي يعود بالنصّ المترابط إلى النص، لتأكيد أنّ النصّ مرّ بمراحل تطوّرية فصار النصّ اليوم نصّا مترابطا، وقد ساهمت التّقنية في تجسيده بهذه الصّورة. (سعيد يقطين، النصّ المترابط ومستقبل الثّقافة العربية، ص127).

    كما ترى “فاطمة البريكي” بأنّ أكثر النظريات اتّساقا مع تطبيقات الأدب التّفاعلي هي نظريات القراءة والتلقّي ونقد استجابة القارئ، كما نجد لمقولات “باختين” عن الحوارية و”كريستيفا” عن التّناص صدى طيّبا في تطبيقات هذا الجنس الأدبي الإلكتروني الجديد.

    وهاهو “أمجد أحمد التّميمي” ينحو منحى مغايرا، ويرى بأنّ النّقد الثّقافي هو متحاور جيّد مع أجزاء الأدب الرّقمي وبخاصة القصيدة التّفاعلية الممثّلة لثقافات فنية متنوّعة، فهو الأجدر برصد أيّة ممارسة ثقافية تمّ توظيفها، والقادر على إرجاعها إلى أصلها للتعرّف على مدلولاتها ومفاهيمها المحمولة، وهو النّقد المنفتح ليس على تنوّع الثّقافات وحسب، بل على تنوّع الفنون. (أمجد أحمد التّميمي، مقدّمة في النّقد الثّقافي، ص09).

    إنّ المتأمّل للحركة النّقدية التّفاعلية العربية وكذا الحركة الإبداعية، يلاحظ طغيان الشقّ النّظري على الشقّ التّطبيقي، إضافة إلى أسبقية النّقد على الإبداع، وهذا يبدو مخالفا نوعا ما للسّيرورة المعتادة التّي تقضي بأنّ الأدب سابق لعملية النّقد، ذلك أنّ كلّ تحديث على مستوى الإبداع يتبعه بالضّرورة تحديث على مستوى النّقد المواكب له، وهنا نجد أنفسنا أمام إشكالية كبرى: أين هو مكمن الخلل؟ لماذا ننظّر أكثر ممّا نبدع؟ بل لماذا ننظّر أساسا؟

    هنا كان لزاما علينا أن نعيد النّظر في علاقتنا كعرب مع “التّكنولوجيا”، فهل نحن أمّة مستهلكة أم منتجة؟ 

الحقيقة أنّ تدرّجنا نحن كعرب في سلّم التّكنولوجيا والتّقنية ما يزال يسير بخطى مثقلة، خاصة وأنّنا أمّة تستهلك أكثر ممّا تنتج. قد يبدو حكمي هذا تعسّفيا، لكنّه حقيقة ماثلة، على الأقلّ في السّنوات السّابقة، لكنّه قد يبطل مع هذا الجيل والذّي يليه لأنه جيل تُشَّكل التّكنولوجيا بالنّسبة له نمط حياة، لذلك فأملنا في أن يكون لنا إبداع رقمي مصبوغ بصبغة عربية، يواكبه نقد عربي رقمي، هو أمل وارد وليس ببعيد.

    النّقد هو الآخر لابدّ له أن يسير جنبا إلى جنب مع كلّ جديد على مستوى التّكنولوجيا والتّقنية، شأنه في ذلك شأن الأدب الرّقمي؛ فالنّاقد لابدّ أن يكون على اطّلاع دائم ومستمر على عالم البرمجيات وتقنيات كلّ من الصّورة والصّوت والحركة والفيديو وغيرها.

   فلا يُعقل أن يبقى النّقد حبيس كلاسيكيته في عصر تجاوز كلّ الكلاسيكيات، عصر يعيش الثّورة التّكنولوجية الخامسة، فالعالم في تغيّر مستمر، ولابدّ للإنسان أيضا أن تتغيّر نظرته إلى نفسه وإلى هذا العالم من حوله، وبالتّالي فالأدب الرّقمي التّفاعلي لابدّ أن يواكبه ويتابعه نقد يوازيه معاصرة وكفاءة وتقنية.

    ومنه وجب أن تتكاتف وتتكاثف الجهود العربية من أجل دفع عجلة هذا الأدب والنّقد إلى الأمام، وذلك باقتراح جملة من التّوصيات التّي من شأنها أن تسهم في هذه الحركية والدّينامية:

-كأن يبرمج الأدب التّفاعلي ونقده كمادة تدريسية في كلّ الجامعات، بدءا بالتّمهيد له من مرحلة البكالوريوس، فيصبح بذلك مادة يعتاد عليها الطّلبة والقرّاء، مع إدراج كلّ الأجناس الأدبية الرّقمية كنماذج تطبيقية مثل القصيدة والقصّة والرّواية والمسرحية.

 -إقامة ورشات منتظمة متخصّصة في البرمجيات، ودراسة تقنيات الصّوت والحركة واللّون والفضاء وغيرها، وهذه الورشات لا تكون مقتصرة على الطّلبة فحسب وإنّما تتعدّاها إلى الأدباء والنقّاد، وبالتّالي بإمكان الأدباء الورقيين –إن صحّت التّسمية- أن يقتحموا مجال الكتابة الرّقمية.

     إنّ الكتابة الرّقمية أصبحت في رأيي الأجدر على عكس واقع الإنسان وتطلّعاته، ولنا في التّاريخ شواهد كثيرة على ذلك، فمثلا بعد أن كانت الملحمة هي نمط الكتابة المهيمن في العصور الوسطى، جاءت الرّواية في عصر النّهضة لتحدث رجّة في مجال الأدب؛ حيث أعادت الاعتبار للذّات الإنسانية، بعد أن كانت مغيّبة في العصور التّي حكمتها الكنيسة، فجاءت هذه الرّواية لتعكس ذات الإنسان وواقعه وتطلّعاته.

    واليوم ذواتنا في حاجة إلى أدب يعكسها ويعبّر عنها خير تعبير، في عصر طغت فيه التّكنولوجيا على تفاصيل حياتنا كلّها، فلم تعد فقط وسيلة تسهّل حياتنا، وإنّما أصبحت ذاكرتَنا الفردية وكذا الجمعية، وبالتّالي كان لابدّ من أدب جديد يعبّر عن إنسان اليوم، ويواكبه نقد جديد لا نقول يلغي ما سبقه من مناهج نقدية، أو يترفّع عليها، وإنّما يلبّي الحالة الجديدة التّي وصل إليها الأدب العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى