الرئيسية / فكر / الفمنيست

الفمنيست

محمد أسامة | الولايات المتحدة

     لطالما كانت المجتمعات الواقعة تحت وطأة الاستبداد، وتعاني من الفقر والتضخم ومظاهر الاستعباد، ويواجه أهلها ما يواجهونه من مشاكل يومية، ومعاناة أسريَّة، وكدٍّ في طلب الرزق، ومشقَّةٍ في السعي والعيش، أكثر المجتمعات عرضةً للهجمات المفترسة التي تستهدف المجتمع لتمزِّق نسيجه، وتحطِّم أوصاله، وتدمِّر أركانه، وتشكك في مبادئه، وهو ما يتطلب من كل غيور على مجتمعه، وكل حريص على دينه، أن يتصدَّى لتلك الدعوات الهدامة التي تتخذ من الحرية والانفتاح ستارًا لتحقيق أهدافهم الخبيثة، ولبلوغ غاياتهم البغيضة، فلا يبلغ المجتمع منهم إلا خزيًا يزيدهم ألمًا، وفِكرًا يُعقبهم ندما.

    فمنذ أيام خرجت امرأة محسوبة على نخبة الإعلاميين وأصحاب العلم تدعي أن المرأة غير ملزمةٍ بخدمة زوجها، ولا مجبرةً على رعاية بيتها، وأنه لا يوجد سند شرعي يلزم المرأة بشيء من ذلك.

    ولم تكن دعوتها السخيفة، إلا رأيًا من تلك الأراء البغيضة، التي انهالت على مجتمعاتنا تستهدف النيل من الأسرة التي تشكِّل لبنة بنائه، وأساس نجاحه، إذ خرجت علينا في التوقيت نفسه واحدة من المحسوبات على العلماء تدَّعي أن المرأة من حقِّها ضرب زوجها، إن لم يطع كلامها، وخرجت محامية من أرباب الجهل تزعم أن المرأة غير ملزمة برضاعة أطفالها، وإن فعلت فيحق لها أجر لقاء قيامها بعملها، وغيرها من الدعوات الهدامة، وتلك التي خرج بها بعض من المدافعات عن حقوق المرأة.

    ولما أقيمت احتفالية لتخريج دفعة من الطبيبات في إحدى الكليات خرجت أستاذة جامعية أزهرية ونصحت الطبيبات قائلة: (بيتك أولا ثم بيتك ثم بيتك.وحذرتهن من أن ينشغلن بعملهن عن عمل البيت ورعاية الزوج والأسرة)، فخرجت مجموعة من النسويات تعترضن على كلامها، ويرفضن نصيحتها، رغم أن الأستاذة الجامعية لم تقل شيئا يهين المرأة أو ينقص من قدرها، ولم تأمرهن بترك العمل كُلِّيَّةً من أجل بيتها، إنما أجازت لهن العمل شريطه أن لا يشغلهن عن البيت، ودورهم في رعاية الطفل وخدمة الزوج.

   ولما نصح شيخٌ من شيوخ الأزهر النساء بالتزام البيت وخدمة الزوج، وعدم الانصراف عن ذلك بالعمل، ما لبث أن تعرَّض من النسويات لهجوم كاسح، وواجه سبابًا وتقريعًا كمن وقع بخطأ فادح، ليتبيَّن أن المقطع الذي ذكر فيه ذلك كان مقطعًا مجتزأً لم يحو كل ما قاله، وأن هذا الهجوم والسُّباب كان مُفتعلا.

    وقبل تلك الدعوات خرجت دعوات أخرى تطالب بالمساواة في المواريث بين المرأة والرجل حال ميراث أبيهما، وطالبت دعوات أخرى بأن تحصل المرأة على نصف ثروة زوجها حال طلاقهما،ودعوات أخرى تستهدف تغيير ما عرفه المجتمع من عادات، وما جرت عليه من تقاليد.

   علمًا بأن الفئة التي أنكرت تقديم الأخ على أخته في نصيب الميراث قد أغفلت أنَّ الشَّرع قد ألزم الرجل لقاء ذلك بالإنفاق على المرأة ولم يلزم المرأة بمثل ذلك، بينما لم يتحدَّث من دعا بأخذ نصف ثروة الرجل للمرأة اثناء الطلاق إذا كان الرجل فقيرًا أو مديونًا، أتتقاسم دَيْنَه كما تتقاسم ربحه، أم أنها تنازعه ربحه ولا تقاسمه دَينه.

    كل تلك الدعوات التي انبرت لها مجموعة من المدافعات عن حقوق المرأة قد كثرت في الآونة الأخيرة، مع انتشار أزمات الفقر، ومعاناة المجتمع من مظاهر القهر، وتزايد الإلحاد وتراجع نسب التديُّن، وتزايد مظاهر الاستبداد السياسي والمجتمعي، وما جرَّه من انحطاط فكري وأخلاقي، كانت دعوات غريبةً صادمةً للعادات، ضاربةً في عرض الحائط كل تلك التقاليد والأعراف، ولم يُقرّ بها عُرْفٌ ولا دين، مما أمكن تعريفه من بعض المحافظين بظاهرة “الدعوات النسوية” أوبـ” الفمنيست”.

   وكلها دعوات خبيثة، لا تخلو من أغراض قبيحة، كانت غايتها شغلَ المجتمع عمَّا يواجهه من أزمات كبرى تمس أمنه القومي، ومشكلات فادحة تجتاحه بشكل يومي، وإغراقه بالكثير من الخلافات، وحالات من الجدل والنزاعات، حول أمورٍ تحطُّ من قدره، وتتعارض مع مبادئه وأخلاقه، وتعارض الدين معارضة صريحة، وتتصادم مع فطرته البشرية مصادمة واضحة.

 وتلك الدعوات البغيضة إنَّما نجمت عن عدَّة عوامل من بينها دعوات العلمانيين وتأيدهم للمنكرات والقبائح، وللمعاصي والرذائل، بدعوى الحرية حتى لو تعارضت مع الدين، وهو ما شجَّع النسويَّات على المضي قدمًا في ذلك الطريق الذي ينسف المجتمع، فيهين الرجل، ويرجِّح عليه كفَّة المرأة، فتكون النتيجة أن ينهار المجتمع، فينهزم الرجل ثم لا تنتصر المرأة.

    فضلًا عن تقليد خاطئ للغرب علمًا أن بلاد الغرب حتى وإن انتشرت فيها بعض تلك الدعوات فإنها لم تصل إلى ذلك الحد المهين الذي يدمِّر مجتمعاتعهم، ويحطِّم أسرهم، وهناك منهم من يعترض على تلك الدعوات فلا يُقرُّ لها، ولا يعمل بها.

 فالتي ادَّعت أن المرأة غير ملزمة بخدمة زوجها لم تعِ أن رسولَ الله قال “لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها” وهو أمر شرعي صارم، وفصلٌ جلي واضح، أن المرأة ملزمة إلزامًا بخدمة زوجها، وطاعة أوامره، والعناية بحاجته، ولعل تلك المدَّعية لم تع أنه إذا كانت المرأة ملزمةً بطاعة زوجها، فإنَّ الزوج كذلك ملزمٌ ومسؤول عن رعاية زوجته، والإنفاق على بيته، بينما لم يكن على المرأة مثل ذلك، فلماذا لا يُطالب الرجل بإسقاط واجب الرِّعاية، كما تطالب المرأة بإسقاط حق الطَّاعة؟

 ولعل التي حرَّضت المرأة على التعدِّي على زوجها لم تدركْ أنها فاقت في جرمها، وتعدَّت في قُبحها، تحريضها حتى مجرد العصيان، أو دعوتها إلى النشوز، ولم تعِ قول الله تعالى:(واللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) وهو نص صريح يُتيح للرجل حق تأديب زوجته إن خرجت عن طاعته، واجترأت على عصيانه، فكيف إذا تعدَّت عليه؟

     إن تلك الدعوات بما فيها من قبائح، وتشجيع على الرذائل، لا تخدم المرأة بأي حال من الأحوال، ولا تهتم بمصالحها بشتَّى الطرق والأسباب، فما الذي يُفيد المرأة إن قامت بمناطحة الرجل ومنازعته، والتصدِّي له ومنافسته، والاعتراض عليه وعصيان كلمته، سوى اشتعال الصراعات بين الجنسين، وازدياد حدَّة المشاكل بين الطرفين، مما يدمِّر الأسرة، ويشرِّد الأطفال، ويحطِّم الهدف، ويدمِّر الغاية، فإما أن يرضخ الرجل ويصير تابعًا للمرأة، فيفقد قوامته، ويتنازل عن رجولته، وإما أن يصمِّم الطرفان على مواقفهما، ويستمر النزاع بينهما، فينفرط العقد، ويتمزق الميثاق، ويقع الطلاق، وتدمِّر الأسرة، ويتشرَّد العيال، فأمَّا النتيجة الأولى فلن يرضى بها الرجل، وأما الثانية فإنَّها حتمًا لا تخدم المرأة. 

    ومع أسف تأثرت طائفة من النساء بتلك الأفكار، وأسلموا عقولهن بكل استعلاء واستكبار، فظهر في قاموسهن عبارات مثل (لا .. لن أفعل.. لابد أن اقتنع أولا.. لماذا أنت.. لست مجبرة..) وكلها عبارات تزيد النزاع والجدل، وتصيب نظام البيت بالعقم والخلل، علما أننا لا نسمع هذا الجدل من المرأة مع مديرها في العمل، إذ تطيع من غير جدل مديرها، أما الزوج فلا طاعة له عليها.

    ولعل هؤلاء الحمقى يغفلون اختلاف الطبيعة النفسية بين الرجل والمرأة، فالرجل أقوى بدنًا، وأعقل فكرًا، وأقل عاطفة، فبالتالي فهو يصلح للعمل خارج المنزل، ويتحمَّل المشقَّة والأعباء البدنية، ويصلح لقيادة بيته وتوجيهه، أكثر من المرأة التي إن خرجت للعمل فإنها ليس لديها قوَّة تتحمَّل ما يتحمل الرجل من مشقَّة وتعب. بينما كانت المرأة على ضعفها أعظم صبرًا، وأطول نفسا، وأحرَّ عاطفة، فكانت أقدر من الرجل على العناية ببيتها، وخدمة أطفالها، لذا كان الرجل بطبيعته النفسية أقدر على خدمة بيته من خارجه، بينما كانت المرأة أقدر على خدمته من داخله، وكان الرَّجل أولى من المرأة بقيادة بيته، وتخطيط مستقبله، بينما كانت المرأة أقدر على سد حاجته، والقيام منزليًّا بكل أغراضه، فتخفِّف عن الرجل بعض عبئه، وتحمل عنه بعض مسؤولياته، فكان الرجل لعمله أوَّلا ثم لبيته ثانيًا، وكانت المرأة لبيتها أوَّلا ثم لعملها تاليًا، فالرجل إن قصَّر في بيته أوسعَ المرأةَ أن تسدَّ تقصيره، ولكنَّه إن قصَّر في عمله لن يسع المرأة أن تنوبَ عنه في دوره، بينما كان العكس مع المرأة التي إن حِيل بينها وبين العمل خارج بيتها سهل على الرجل القيام بذلك، بينما إن قصَّرت في بيتها لم يسعْه تعويضُ عملها، ولا القيام بمهامها، ولا أغنى أحد غناءها في تربية عيالها، لما في مهامها من حاجة إلى الصبر وطول النفس مما يسع المرأة ولا يسع الرجل.

     فلو تبدَّلت الأدوار، واختلفت المهام، عجزت المرأة أن تحل محلَّ الرجل، وعجز الرجل أن يحلَّ محل المرأة، فلا الرجل بطبيعته قادرٌ على سدِّ مكان المرأة، ولا المرأة يسعها أن تقوم بأعمال الرجل، فلا يكون من تلك الدعوات التي تستهدِف خُروج المرأة من طبيعتها، ومصادمة فطرتها، والثورة على طبعها الأنثوي، إلا أن يضطرب نظام الأسرة، وتنتشر الفتنة، فلا تقوم للمجتمع قائمة، ولا ترتفع له راية، فإن المرأة وإن كانت أضعفَ من الرجل وملزمةً بطاعته، فهي تغلب عليه أحيانًا بفتنتها، وتظهرُ عليه بضعفها، وقد تحصل المرأة على حقوقها، وتنال حرِّيتها وتبلغ أهدافها، إذا ما قدَّرت طبيعتها الأنثوية، والتزمت ببيتها وطاعةِ زوجها، لذا فكانت طاعتها له رفعة، وكان ضعفها أمام الرجل قوَّة.

    وأصحاب التيارات النسوية وأذناب ظاهرة “الفمنيست” لو كان لبعضهن عقل، وأردن صدق القول والفعل، لعلمن أن نجاح المرأة وبلوغ غايتها، ونيلها لحقوقها، لا يكون عن طريق مناطحة الرجل وعصيانه، ولا بالترفُّع عن خدمته وطاعته، أو المطالبة بالمماثلة في الحقوق والواجبات لما يعارض ذلك من اختلاف الطبيعة، وما به من مصادمة الفطرة، مما يدِّمر بيتها، ويهين أسرتها، ويضر بعيالها، إنما تبلغ أضعاف أهدافها، بطاعتها لزوجها، والتزام شرائع دينها.

    لذا كان علينا أن نتصدَّى لتلك الدعوات وما تجره من فزع، ونرفع درجات الوعي لكل أطياف المجتمع، وضرورة التنبيه أن المرأة لن تبلغ شيئًا من حقوقها بتلك الطرق الملتوية، ولا تلك الأساليب البغيضة، وأن حرية المرأة وبلوغ غايتها، لا تكون في دعوة تتعارض مع ديننا القويم، ولا تشريعه الحنيف، وتخرج المرأة عن طبعها، وتحرِّضها على التنصُّلِ من واجباتها، فلو أراد هؤلاء خيرًا لعلموا أن الإسلام قد رتَّب للمرأة حقوقها، وصان مكانتها، ورفع منزلتها، فقدَّر عليها واجبات، وأقرَّ لها حقوق، وفرض عليها الطاعة وخدمة الزوج، ومنحها حقَّ رعايتها أيضًا من قبل الزوج، ورفع عنها ما فرضه على الزوج من النفقة والرعاية لها ولولدها.

    ونستطيع أن نسأل أنفسنا بعد كل هذا، ماذا جنت المرأة من تلك الدعوات التي حرَّضتها على معارضة زوجها، والتنصُّل من واجباتها، وشغلها بعملها عن بيتها والعناية بولدها، غيرَ إغراقها في بحار الخلاف، والشِّقاق، واضطراب الأولاد، وتمزُّق المجتمع، وتعاظم المشكلات بين الجنسين، مما يدفع إلى زيادة معدلات الجريمة، وفساد الأخلاق وانتشار الرَّذيلة، فتنتشر الغواية، ويضل المجتمع عن الغاية، ما الذي كسبته المرأة من دعوات “الفمنيست” غير دمار الأُسِر وخراب البيوت، وزيادة معدَّلات الطلاق؟

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

التخلف الثقافي: الدلالات والمظاهر.. رؤية تحليلية – نقدية

د. حسام الدين فياض الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع كلية الآداب …

تعليق واحد

  1. خالد ابو العلا

    أحسنت عزيزي
    حقيقة نخن في حاجة إلى الرجوع إلى جادة الصواب والعمل على لحمة الأسرة وتعاونها وتفانيها 4ي خدمة أفرادها بعضهم البعض وإلا فهي الطامة الكبرى في نواة المجتمع ومن ثم البكاء والندم وقت لا ينفع الندم
    فاستقمن واستوين يرحمنا ويرحمكن الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *