مقال

هل أنت شخص مهولاتي؟

بقلم: داليا الحديدي
يبدو أن العرب على علاقة أزلية وآثمة بعلم المبالغات التهويل، فرغم أن أَهْلُونَا بالشام يوأخون بين الزائد والناقص، ورُغم أن أمثالنا الشعبية قد حذرت من المبالغات:”فما يزيد عن حده سينقلب لضده”ـ ورُغم وصايا الحكماء بالاعتدال كونه لجاماً للإفراط، ورُغم إيمان الإنجليز بمقولة “براونينغ” “Less is more” إلا أن المبالغات كالخطايا لا يمكن حصرها؛ فالمبتدئون في عوالم المطبخ يجدون صعوبةفي ضبط الطَعْم لإسرافهم في التوابل وإفراطهم في التسوية لإكرام الطبخةالتي تفسدها عقوبة الإفراط في البهار، في حين يعلم الطباخ المُحَنّك أنّ في الاعتدال سِر الطَعْم الزاكي. بالمقابل، تعوز الطاهي الغَرّالجرأة لإنتشال الخضار من جحيم التنور بعد أقل من خمس دقائق، ثم مصالحتها بعناق مع مكعب زبد يتبعها نثر قُبلة حَييّة من الملح.
نفر قليل من النسوة يفطُنَّ لبشاعة المُبالغة في التَبَرُج، فتعجَز الواحدة منهم عن الخروج من بيتها إلا وهي مُحَملة بكامل إرثها من المجوهرات، وكأنها قارون وقد خرج على قومه بيوم الزينة، وهيهات أن ينتبهن لكون الانتقاء من الحُلى أهم من نثرهالذي تطمسه البهرجة. ويبقى المأزق في التشدق بالبساطة والعجز في التطبيق. ففلّما ينتبهن لجمالية إزاحة القلادة مع ثوب ملون، لترك مساحة لتَلألُؤ الجيد.
المُغَالاة في اتباع حمية غذائية تتُلف أجهزة الأيض، فتأتي النتائج عكسية كرَدّة فِعْل للحِرمَان./ الإفراط في المُدَاهَنة واللين يجعل المَرء عُرضة للعَصر، فيما المبالغة في التيبس توقعه فيالكَسر. /قلّ من نجح في تطبيق الحديث:”إن هذا الدين لمتين، فتوغلوا فيه برفق”، فلطالما سبّب التوغل العنيف عدم استمرارية نتيجة ضعف الهِمَم في اقامة عبادات مغالى فيها، لم يفرضها الله على الإنسان. / ظاهرة “الزووم” في التصوير دليل على أن الإقتراب المبالغ فيه يبرز عيوب الصور، فيما الشطط في الإبتعاد يُبهت الرؤية. / دعا الله للوسطية :”وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا”.
جرّب أن تبالغ في الثَنَاء على شخص، مدينة أو حتى مقهى أمام الناس، وثق أن التهويل في المديح سيُفضي لإستهانة السامع بفضائل الموصوف. فكثيرون ممن سمعوا عن روعة “إيطاليا” أحبطوا لدى زيارتهم الأولى لها، فالوصف كان فائقاً، ما رفع سقف توقعاتهم، فجاء واقع “برشلونة” أفضل من مأمول “”ميلانو”.
اعترف الزعيم عادل إمام أن “الكوميديان” لو بالغ في اداء دور المُضْحِك المِمراح لمضاعفة الإضحاك، قد يوشك في الوقوع فيما اسماه”بشيطان الضحك” الذي يوسوس للفنان باداء المزيد من الحركات الهزلية والكلمات الخارجة لسرقة المزيد من الضحكات من الأفواه. الوسطية بين “زر غباً تزدد حباً ” وبين “البعيد عن العين، بعيد عن القلب”تدلل على أن قِلة هم المتمرسين في تصويب زيارتهم في توقيت يناسب ظروف الطرفين لتجنب هرب صديقك من العلاقة كبغيٍّ فارة من المُدَاهمة، ما يترك العلاقات خربة كبراري قاحلة.
الإفراط في الإهتمام بالآخر يُسَرب شعورًا بالحذر من نوايا المٌهتم. ويٌشَبه الكَاتِب “خوسيه رولدان برييتو” الإشادة بشَخص والثناء عليه بتناول السكاكر، فحين تُقدم لإنسان قطعة صغيرة من الحلوى فإنك تمنحه جرعة من النشاط، بينما اغراقه في الكثير منها يُلحق ضَررًا وتُخمَة بصحة العلاقات الإنسانية! بالمقابل، فإن إهمال الحبيب يُوَلد شعوراً بالإزدراء، وإن كان إضافة القليل من المِلح يضبط الطعم، فإن الإسراف في المُمَالحة يميت العلاقة، والمراد هو تَحَرى الاعتدال سَاعة كيل المديح لأحدهم.
فعلى سبيل المثال، حين كان العقاد عضواً في لجنة الشِعر في المجلس الأعلى للأداب، نشبت معركة بينه وبين شباب الشعراء في ذلك الوقت عقب اطلاعه على قصائد “التفعيلة”، والتيرفضها العقاد وأحالها إلى لجنة النثر بدعوى أنه لا يعترف بقصيدة النثر، ثم قام بتصعيد العداء حين رفض إلقاء الشعراء الجدد لقصائدهم بمهرجان الشعر العربي في دمشق بدورته ال49، بل قام العقاد بتهديد يوسف السباعي بالإستقالة من المجلس لو صَعَد حجازي للمنصة والقى شعره، فاضطر شعراء الحداثة للعودة لمصر بخفي حنين دون القاء قصادئهم.. ثم لاحقاً، نشر أحمد عبد المعطي حجازي بالأهرام قصيدة عمودية بالغت في هجاء العقاد، جاء فيها:
من أي بحر عصيّ الريح تطلبه
إن كنت تبكي عليه نحن نكتبه
يا من يُحَدِث في كل الأمور ولا
يكاد يُحسن أمراً أو يقاربه
أقول فيك هجائي وهو أوله
وأنت آخر مهجو وأنسبه
تعيش في عصرنا ضيفاً وتشتمنا
أنا بإيقاعنا نشدو ونطربه
وتَدّعي الرأي فيما أنت مُتهم
فيه وتسألنا عما تخربه
وإنه الحمق لا رأي ولا خلق
يعطيك رب الورى رأساً فتركبه
مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن
مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن
وقد تعمد حجازي كتابة النص وفقًأ للشكل التقليدي للشعر ليبرهن للعقاد أنه وأبناء جيله يقرضون العمودي بتمكن، لكنهم كشباب يمتلكون “الريدنجوت”، بيد أنهم يفضلون “الجينز”.. المدهش، أنه بعدما ناهز حجازي التسعين، انتقد شعراء الحداثة، واعترف بندمه لمغالاته في خصومة وهجاء العقاد، فجاء اعترافه متأخرًا كنبتة ندم بالقرب من مغاور القبور.
فالحديث الشريف معناه أن “أكثر ما يثقل الميزان -بعد التوحيد– جرعة غيظ تُبتلع في سبيل الله رغم القُدرة على إنفاذها”. فرغم أن اللُطف ينهض كمحمدة، إلا أن بعض الدراسات النفسية أفادت أن “متلازمة الإحتراق النفسي” تُصيب من يتطلب نشاطهم المهني أو الأسري التزامات مرهقة في التعامل، كاالأطباء النفسيين، المعلمين، ربات البيوت أو الشخصيات التي تستسيغ لعب دور صديق البطل، وقد صُنِّف المرض على أنه متلازمة خاصة بالمهن “القائمة على تحمل الآخرين”. ويُعرف بالإحتراق النفسي” أو الموت الناتج عن الأعباء المبالغ فيها.
فوفقاً لعالم النفس “فرودنبرجر”:”البشر يقعون ضحايا للحرائق تمامًا كالمباني تحت وطأة الإنصياع للضغوطات الناتجة عن الإجتهاد والإفراط في مساعدة وتحمُّل واستيعاب الآخرين على حساب أعصابهم وطاقاتهم، فيصابون باستهالك مواردهم الداخلية وانهيار طاقاتهم المبددة في محاولات ابتلاع جرعات غيظهم أو إدعاء تقبل الإهانات التي اقترفت في حقهم، فيحدث الإحتراق الداخلي، نتيجة الإمعان في الضغط على الذات، حتى وإن بدا الغلاف الخارجي سليمَا”. فالتعامل دون مراعاة المسافات الآمنة يُعرضك للتهلُكة سيما من المحنكين في الإيذاء والإشعار بالتقصير وتمثيل دور الضحية كما والEnergy vampires

ما سبق يحيلني لإنسانة تعرفت عليها وكانت جدًا ودودة، ومن المبادرات لا المكافئات، وهي صفة نادرة، لكن كان يزعجني منها فضولها العنيف بدعوى الإهتمام، عدا عدم تفهمها لظروف قد تخفى عنها. فكان يحدث أن نخرج لتناول الفطور ثم أعود، فأنام مرهقة ببيتي لأصحوا على زهاء عشرين مكالمة فائتة منها، أهاتفها، فتجيب كملتاثة تجهش بنحيب متقطع، وتنهال عليّ بعشرات الأسئلة من مرادفات “أين كنت”، ثم تشرع بثرثرة عتاب كالأرامل لعدم ردي في التو، فاضطر لتبرير قيلولتي بإلقاء اللوم على غلظة شمس الخليج، فتتنفس الصعداء وتخطرني أنها كانت تربض على عتبات داري وقد أوشكت على مهاتفة الشرطة لإنقاذي.. من ماذا؟ لا أعلم!
بحسب المؤرخ الإنجليزي ديورانت: “فالمتطرفين يتقاذفون المُعتدل كالكرة، فالجبان يعتبر الشجاعة تهوراً، فيما ينظر المتهور للشجاعة على أنها جُبن”. فالنَأَى عن الإعتدال يسوق للشطط، والأخير مشتق من الشط أو الشاطئ وهو الحافة أو الطرف البعيد جداً عن البحر، ومن الشطط اشتقت مفردة “الشيطان” الذي يَشُط بأفكاره عن طرف الوسطية.
وقد ورد عن نبينا(ص):”خير الأمور الوسط”، فيما وصف الإنجليز الوسطية بالوسط السعيد ”The Happy medium”

كما دعا الإغريق للوسط الذهبي،في حين تبنت الحكومات سياسة “البالونات المثقوبة لا تنفجر”، ما يعني أن الساسة تيقنوا من خطورة المغالاه في فرض احكام السيطرة على الشعوب،فتركوا ثقبًا في شرفة حرية التعبير للتنفيس عن المواطنين”، أما أرسطو فقد أوقف السعادة على ممارسة الاعتدال، فورد عنه:”تتوقف الفضيلة على ممارسة الإعتدال والوضوح وضبط النفس أمام الرغبات، ولا يملكها الإنسان البسيط، لكنها تتأتى نتيجة خبرة الفرد المتطور، اليقظ”؛ فالسعادة تتأتى من تنظيم الأخلاق في شكل ثلاثي يكون الطرفان الأول والأخير فيه تطرفاً ورذيلة، فيما يعتبر الوسط فضيلة.. وهكذا تكون الشجاعة فضيلة بين رذيلتي التهور والجبن، والكرم مَنْقَبَة بين البخل والإسراف، وصوت الحق فضيلة بين صرخات طفل وصيحات بغي.
ويختلف الصواب في الأخلاق عنه في الهندسة، حيث يتحول الصحيح إلى المناسب، فالوسط الذهبي ليس كالرياضي، أي متوسط محكم النقيضين محسوبين بدقة، إنما يتذبذب مع الظروف المحاذية لسائر الأوضاع، ويبدي نفسه للعقل الناضج المرن فحسب”.
عصارة القول، الوسطية حِكمة سَمَاوية رَشيدة، سَهلة التلاوة، عصية على الممارسة، كونها مَغموسة بنزق في محبرة واقع يطيح بالقلم كلما أراد خَط طريقاً معتدلاً، فقد يتيسر لك الكتابة والتنظير عنها، لكنها من أصعب الفنون التطبيقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى