فكر

العدالة الاجتماعية في وطننا العربي

بقلم: عماد خالد رحمة | برلين
يشير مفهوم العدالة الاجتماعية إلى عملية حفظ وضمان قيام الأشخاص بأعمالهم وأدوارهم المجتمعية، والحصول على جميع ما يستحقونه من المجتمع على اختلاف تنوعه ومداه، في حركات ومفاعيل العدالة الاجتماعية الحالية تم التركيز على القفز على المعيقات والحواجز للحراك الاجتماعي. وإنشاء العديد من شبكات الأمان وتأمين العدالة الاجتماعية للشعب. كون العدالة الاجتماعية هي عدالة توزيع الثروة وخيرات البلاد، وتأمين الفرص والامتيازات داخل المجتمع، وكون العدالة الاجتماعية تختص بالحقوق والواجبات في مؤسَّسات المجتمع وإداراته ومؤسساته، ما يمكّن الشعب من الحصول على التعاون المثمر الفعّال والفوائد الأساسية. وغالباً ما تشمل المؤسَّسات والإدارات والهيئات على الضرائب، والصحة العامة، والتأمينات الاجتماعية، والخدمات العامّة، والمدارس الحكومية، وقانون العمل، وتكافؤ الفرص لضمان توزيع عادل للثروة.
لقد أثارت فكرة العدالة الاجتماعية العديد من الفلاسفة والمفكرين النوعيين وأسسوا نظريات هامة في هذا المجال، ويعتبر الفيلسوف الأخلاقي والسياسي في التراث الليبرالي (جون رولز John Rawls) (1921 ـ 2002) م أوَّل من تحدّث عن نظرية العدالة الاجتماعية في (نظرية في العدالة A Theory of Justice) التي نشرها في عام 1971م معتمداً في نظريته على تبصرات الفيلسوفان النفعيان عالم القانون والفيلسوف الإنكليزي والمصلح القانوني والاجتماعي والمنظِّر الرائد في فلسفة القانون الانجلو ـ أمريكي جيرمي بنثام Jeremy Bentham)) (1748 ـ 1832)،الذي يشتهر بدعواته إلى النفعية وحقوق الحيوان وفكرة سجن بانويتيكون Panopticon)) والفيلسوف والاقتصادي البريطاني جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill) (1806 ـ1873) م. وأفكار العقد الاجتماعي عند الفيلسوف التجريبي والمفكر السياسي جون لوك(John Locke) (1632 – 1704) م، وأفكار الفيلسوف الألماني (إيمانويل كانط Kant Immanuel) من القرن الثامن عشر (1724 –1804) .
في كتابات الفيلسوف الأخلاقي جون رولز John Rawls، تعتبر العدالة الاجتماعية Social Justice فكرة فلسفية لا سياسية. كما تُعَدُّ من الأركان الأربعة لحزب الخضر Four Pillars of the Green Party التي تعتقد بها جميع أحزاب الخضر في العالم. يستخدم البعض (العدالة الاجتماعية) لوصف التحرك الدولي باتجاه تطبيق العدالة الاجتماعية في دول العالم. وتشكل المساواة وحقوق الإنسان أهم ركائز ودعائم العدالة الاجتماعية. كما يرى جون رولز في العدالة الاجتماعية حريّة الفكر، وحريّة التعبير والصحافة، وحرية العمل المشترك، وحريّة التجمّع، وحريّة اختيار الوظيفة، وحرية التنقل. كما تسمى العدالة الاجتماعية، أيضاً عند الأحزاب الخضر في العالم بـ (المساواة العالمية والاجتماعية والعدالة الاقتصادية) (Social and Global Equality and Economic Justice)‏، الواضح تماماً أنَّ النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يسعى جاهداً إلى تحقيق هدفه وهو إزالة جميع الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين طبقات وشرائح المجتمع، سيؤدي حتماً إلى العدالة الاجتماعية المنشودة. والتي يُطلَق عليها في بعض الأحيان بــ (العدالة المدنية)، وتصف فكرة المجتمع الذي تسود فيه العدالة الإنسانية الاجتماعية في كافةِ مناحيه وجوانبه، بدلاً من انحصارها في عدالة القوانين والتشريعات الناظمة فقط، وتُفهَم العدالة الاجتماعية بشكلٍ عام على أنّها توفر معاملة عادلة وحصة تشاركية للجميع من خيراتِ المجتمع وثرواتهِ وقدراته الهائلة. كما يمكننا أن نجد عدد كبير من الحركات التي تعمل جاهدةً على نشر العدالة الاجتماعية وتطبيقها. تلك الحركات تبذل جهودة حثيثة من أجل الوصول إلى عالم واسع يمتلكُ فيهِ جميع أعضاء أي مجتمعٍ ، بغض النظر عن مرجعياتهم وخلفياتهم ومشاربهم الفكرية والثقافية والمعرفية، المساواة وحقوق الإنسان الأساسية. ، وتعتبرحركة العدل الدولية (Global Justice Movement) ‏ من أشهر تلك الحركات الدولية. في هذا السياق لا يمكن اغفال أنَّ فكرة العدالة الاجتماعية هي فكرة فلسفية وليست فكرة سياسية .
في حقيقة الأمر فإنَّ فكرةُ العدالةِ الاجتماعية تشكِّلُ مادةً خصبةً وهامَّة للنقاش في القضايا السياسةِ وشؤون الدين وما يتبعه من مذاهب وطوائف ، ومحدِّدات المجتمع المتقدّم والمتحضّر. وهي أيضاً من وجهة نظر القوى اليسارية في العالم، حيثُ تتمثَّل (العدالة الاجتماعية) في ما يمكن أن نطلق عليه (النفعية الاقتصادية، وتكافؤ الفرص، وإعادة توزيع الدخل القومي “الثروة “). إنَّ الدارس لأدبيات الاقتصاد الوضعي بقسميه الاشتراكي والرأسمالي، يجد أنَّ كلا النظامين يسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية كلٌ على طريقتهِ، غير أنَّ التطبيق الميداني والعملي للمفاهيم الرأسمالية ،أثبت أنَّ المذهب لا يتضمن مبدأ العدالة الاجتماعية بكل مفاعيلها، لأنَّ تحديد مفاهيمها ومقاييسها ومعاييرها أسند إلى العقل البشري الموصوف بالعجز والقصور، وعدم القدرة على استنباط الحلول المناسبة، وكذلك الأمر بالنسبة للمذهب الاشتراكي الذي انحرف عن مبدأ العدالة الاجتماعية بإهداره لحقوق الفرد وكرامته وتعطيل مواهبه لحساب الجماعة. وكلا النظامين السياسيين أوصل البشرية إلى حالةٍ من الانسداد والإنغلاق واليأس، مما جعلها تتطلَّع إلى نظام جديد يحقِّق العدل والمساواة ويحفظ كرامة الإنسان، لذلك كان مبدأ العدالة الاجتماعية في الدين الإسلامي مبدءاً أساسياً ينسجم مع تصوّر الإسلام للكون بشكلٍ عام، والحياة الإنسانية والاجتماعية، وهو يرتكز على مبدأين أساسين لا ثالث لهما :هما مبدأ التوازن الذي يحقّق حالةً كبيرةً من التكامل المتناسق بين المادة والروح، فالإسلام ليس مادّي بحت، ولا روحي محض، ومبدأ التكافل الاجتماعي والإنساني الذي يقوم على أساس تعميم توزيع الثروة والخيرات على جميع أفراد المجتمع لكلٍ حسبَ عَمَلهِ وحاجته الضرورية والماسّة في سبيل القضاء على الفقر والحرمان وفقدان الكرامة الإنسانية . ومن أهم سمات المجتمع المدني هي الميزات المشتركة التي تجمع بين منظمات المجتمع المدني بكل تنوعاتها ومنابتها، فهي تتمثل باستقلالها عن الحكومة والقطاع الخاص أقلَّه من حيث المبدأ بشكلٍ عام. ولعلَّ هذا الطابع الاستقلالي هو ما يسمح لهذه المنظمات المتنوعة بأن تعمل على الأرض وتضطلع بدور هام وأساسي في أي نظام ديمقراطي في العالم. وغيرها من سمات المجتمع المدني الذي يشير إلى كل أنواع معظم الأنشطة التطوعية التي تنظمها الجماهيرالشعبية حول مصالح وقيم ونواميس وأهداف مشتركة. وتشمل هذه الأنشطة المتنوعة، الغاية التي ينخرط فيها المجتمع المدني تقديم الخدمات الإنسانية والاجتماعية والحاجات الضرورية، أو دعم التعليم المستقل غير الحكومي، أوالتأثير على السياسات والمناهج العامة المتبعة .أما العدالة الاجتماعية من وجهة نظر اليمين بشكلٍ عام، فهي متناقضة في ما بينها وغير منسجمة، فهي مبهمة وغامضة لكونها تحتوي على هيكل وأسلوب محدَّد لما هو عادل اجتماعياً. أما الحديث المستمر عن ضرورة تواجد قدرٍ كافٍ ومعقول من العدالةِ الاجتماعيةِ في بلادنا العربية التي تتخبط وتعاني ما تعانيه من أزمات اقتصادية وسياسية وثقافية، بكلِّ مكوناتها الرئيسية المتفق عليها في أدبيات الفكر السياسي المبني على أسس واضحة وسليمة، مضافةً إليها جميع التركيبات والمكونات الجديدة والمستجدة التي تطالب بها هذه الجماعة أو تلك، يطرح عقلانياً ومنطقياً سؤال النظام السياسي – الاقتصادي الأفضل والأجدى لإدارة أنظمة العدالة الاجتماعية المنشودة، وتحصينها وحمايتها وتطويرها الدائم نحو الأفضل والأشمل والأحسن ،ونحو تحقيق أهدافها ومراميها على أكمل وجه .
الجدير بالذكرأنه بعد الحرب العالمية الثانية تبنت الولايات المتحدة الأمريكية نظريات عالِم الاقتصاد البريطاني جون مينارد كينز أو بارون كينز الأول John Maynard Keynes (1883 ـ 1946) م الذي ساهمت أفكاره في تغيير جذري وأساسي في نظرية وممارسة الاقتصاد الكلّي وهو الذي أنقذ الرأسمالية من انتشار البطالة لإيمانه الشديد بأنَّ عدم معالجة تلك المشكلة سيؤدي حتماً لتحكّم الأنظمة الطاغية الاستبدادية في العالم الغربي. وهوالذي تبنى ضرورة التدخل الحكومي في السوق لمنع الشركات وأصحاب رؤوس الأموال من انتهاج السلوكيات الخاطئة التي قد ينتج عنها أذى للاقتصاد بشكلٍ عام والمجتمع بشكلٍ خاص. وقد استمرت النظرية الكنزية بحكم النظام الرأسمالي النيوليبرالي منذ عام 1945 حتى أوائل سبعينيات القرن العشرين. وقد عرفت الأيديولوجية التي حكمت الاقتصاد في تلك الفترة بــ (الليبرالية المتضمنة(Embedded Liberalism إشارة إلى وجود حرّية في السوق التجاري مع تدخّل حكومي رسمي عند الضرورة. في تلك الحقبة، كانت كل الأمور التي من شأنها أن تقدم حياة اجتماعية سعيدة وسهلة وتقدم للشعب الرفاه الاجتماعي بيد الدولة وحدها. كما أن ممتلكات الدول من قطاعات الصحة والتعليم والمواصلات والاتصالات وغيرها كانت تُدارُ من قِبَل الدولة. ولم يكن أحد يتجرأ آنذاك بأن ينادي أو يطالب بنقل ملكية الدولة لتلك القطاعات الحيوية والنشطة إلى القطاع الخاص، لأنَّها ببساطة تمس حياة المواطن البسيط الذي هو المحور الرئيس والأساسي في الإنتاج والاستهلاك في النظام الرأسمالي.
وهكذا فالنظام الراسمالي النيوليبرالي لن يكونَ الأفضل لعدَّة أسبابٍ ، منها تعارض الكثير من أسسه وتوجهاته ومنطلقاته، مثل تقليص حجم الحكومات ودورها ومسؤولياتها ،لتقتصر مسؤولياتها أساساً على الأمن الخارجي والداخلي فقط ،وبعض الخدمات الاجتماعية المحدودة للفقراء والمحرومين والمحتاجين وذوي الدخل المحدود، وما تقدّمه يكون بمعظمه من المنتجات الاستهلاكية التي تهم أوسع مجموعة من المواطنين، والتخلي عن كل ما يتعلق بالاقتصاد واستحقاقاته لحساب السوق الحرّ المتنافس، وتفضيل متطلبات الفرد على متطلبات الجماعة، والتعايش مع الفروق والتمايزات الهائلة الظالمة في توزيع ثروات المجتمع وخيراته المادية والمعنوية إلخ… وتعارض بشكلٍ صريح وواضح كل ذلك مع أسس وقواعد ومنطلقات فكر ومنهجية العدالة الاجتماعية. التي تقوم أساساً على عدَّةِ مقومات وعناصر متنوعة، من أبرزها المحبة الهادفة إلى أن يحب كل إنسان لغيره ما يحب لنفسه وهذا مفهوم منتشر بالأديان السماوية. ونشر المساواة والعدل والتضامن بين جميع أفراد المجتمع،وتحقيق الكرامة الإنسانية،واحترام وتعزيز مفهوم ومدلول العدالة الاجتماعية بأبهى صورها وتجلياتها. كما أن النظام الرأسمالي النيوليبرالي قد خلَّف العديد من الأزمات المعقّدة من خلال ما جاء به النظام العولمي، بخاصة في الأربعين سنة الماضية، وهي أزمات مستعصية على الحل سارت وتطوَّرت بشكلٍ كارثي وفق إطار محدَّد أسهمت بإفقار الملايين من أبناء الشعب ،وأغنت القلِّة القلية ودمَّرت البيئة والمناخ من خلال ما تنفثه مصانعها من غازات سامة وغازات ثاني أوكسيد الكربون تساهم في اتساع ثقب الأوزون، وسطَّحت الثقافة وهمّشتها ،وشوهت النظام الديمقراطى وقدّمته للعالم بصورة باهتة .كما تسهم العدالة الاجتماعية في تحسين أداء ودور المجتمعات والاقتصادات وتحد من الفقر والجوع والحرمان وأوجه غياب العدالة والمساواة وتخفف التوترات الاجتماعية ومنتائجها السلبية. كما تضطلع بدور هام في رسم خطط ومسارات أكثر شمولاً واتساعاً واستدامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية وهي أساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في سياق خطط التنمية المستدامة. من هنا وجب أن يتحد النظام متعدِّد الأطراف حول مجموعة من الأهداف والقيم المشتركة ويحدّد سبل الاستجابة لطوح وتطلعات الشعب واحتياجاته . من هنا وجب أن تصبح العدالة الاجتماعية قاعدة وركيزة من ركائز تعدّدية الأطراف الجديدة والمتجددة المطلوبة وهدفاً كاملاً وجامعا وأداة جوهرية وأساسية في آن لبناء نظام متعدّد الأطراف أكثر وضوحاً ونجاعةً.

إنَّ ما تعانيه مجتمعاتنا العربية من ظروف صعبة وقاسية نتيجة الحروب المدمِّرة، والأزمات الحادة الخانقة على المستوى الداخلي ، إضافةً إلى الظروف الصعبة والقاهرة التي تعانيها مجتمعاتنا العربية على الصيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، يزيد عليها حالة القمع التي تمارسها السلطات الحاكمة ضد أبناء الشعب وما تعانيه السلطة من حالات الانقسام ووفقدان البوصلة تحت تأثير القوانين والتشريعات أو عدمها ، وهو ما يزيد القلق والاضطراب وعدم الاستقرار ، فقد عانت معظم مجتمعاتنا العربية من القلق وعدم الاستقرار عشرات السنين وما تزال تعاني الكثير حتى يومنا هذا . على الرغم من أنَّ بلادنا العربية تمتلك كافة المقومات الماديةِ الهائلةِ من الثروات الطبيعية والمقدرات والطاقة والثروة البشرية الكبيرة، ليس هذا فحسب، بل إنَّ وطننا العربي بموقعه الجيواستراتيجي الهام يربط بين القارات الخمس ،ويشرف على أهم البحار والمحيطات والممرات المائية في العالم، ويتشاطئ مع معظم دول العالم.
ولكن للأسف الشديد تم هدر تلك الطاقات والقدرات، ولم تساهم بشكل فعّال في بناء الأمن والأمان والاستقرار المجتمعي ،ولم يتم استغلال تلك القدرات للتطوير والتقدم بسبب الصراعات الجهوية والفئوية والحزبية والطائفية داخل السلطات الحاكمة،وعدم التوافق الجماعي والوفاق على وجودها القانوني والشرعي، وضعف وهشاشة بنيتها السياسية وتركيبتها وهيكلها العام. إنَّ هذه الأسس والمرتكزات وتلك القواعد لا يمكن أن تعمل بصورةٍ منفردةٍ لتحقيق الأمن والأمان والاستقرار، والسلم الأهلي ،إذ إنَّ عملية الاستقرار تعني بناء مجتمع سليم واعي ومتطور قادر على العطاء والابداع ،ومنافسة المجتمعات المتقدمة في العالم. إضافةً لما تقدَّم من مرتكزاتٍ وقواعد وأسس فلا بدَّ أن تراعي المجتمعات العربية في سعيها المستمر الى بناء الأمن والسلم والاستقرار في بُعديهِ السياسي والاجتماعي وحتى في بعده الثقافي ،والذي يتضمَّن التنمية الشاملة بكل أوجهها ومستوياتها، وذلك من خلال أستيلاد وخلق واستحداث نمط خاص من التنمية الشاملة والمتوازنة في جوانبها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية،وتطبيق العدالة الاجتماعية في واقعنا العربي وتحقيق المساواة وإحقاق الحق ،والقضاء على ظاهرة الفساد والمفسدين بكل أشكالها السياسية والإدارية والأخلاقية العامّة،إذ إنَّ من شأن الفساد واستطالاته واستحقاقاته السلبية أن يهدِّد الاستقرار في أعمق مرتكزاته وأركانه الأساسية، بما يخلق من أنهيار للقيم الإنسانية السامية والمعاييرالاخلاقية والمؤسسية في المجتمع وللأسف الشديد بات الفساد ثقافةً منتشرةً كالنار في الهشيم في معظم نواحي الحياة العربية، مضافاً إليها المحسوبيات والانتماءات الجهوية والطائفية. فضلاً عن ذلك فإنً توجهات مجتمعاتنا العربية في الاستقرار والأمن والأمان يتطلب منها أشاعة مبدأ التسامح الإنساني من خلال أيجاد آليات ووسائل اجتماعية وفكرية وثقافية ، التي من شأنها أن تخلق حالات من كسر الحواجز بين طبقات المجتمع وتعمل على التقارب والانسجام والتكافل والتضامن بين افراد المجتمع الواحد. وهذا ما تمت ملاحظته بصورةٍ واضحة وصريحة في الحراكات الشعبية التي أطلق عليها ( ثورات الربيع العربي) ،حيث ظهر الشقاق والتناحرعلى أشدِّه بين مؤيد ومعارض وطامع جشع، وعدم الانسجام والتوافق، وعدم الاتسجام مع فكرة التسامح الإنساني أو تحقيق المصالحة الوطنية، وظهور العديد من الخصومات الطائفية والمذهبية والإثنية التي كانت ناراً تحت الرماد ، ما لبثت إلا أن طفت على السطح لتحرق كل المعايير المجتمعية، والتي أثَّرت سلباً على مرحلةِ الاستقرار والأمن والسلم الداخلي العربي. ما بعد الحراك الشعبي الكبير وواسع الطيف والذي حمل صوراً مشوهة، حيث استمر القتال والتناحر بين أفراد المجتمع الواحد بشكلٍ غير مسبوق ، وما شهدته من الحروب المحلية بين أبناء الوطن الواحد، مما يمهِّد الى حربٍ أهليةٍ بل حروب أهلية تكون مدمِّرة وقاتلة بالنسبة إلى الأمن والأمان والسلم الأهلي والاستقرار لفترةٍ طويلة. لأنه حدث شرخٌ كبير بين أبناء المجتمع الواحد في الوطن الواحد. كما يمكن اعتبار القضاء على البطالة أحد الآليات والوسائل المحورية والرئيسية في عملية الاستقرار الحقيقي في بلدان وطننا العربي من خلال تنظيم الوسائل المنهجية، والخطط السلمية في عمليات التنظيم الاجتماعي للموارد البشرية، والمادية الضرورية للمواطنين بكل تشكيلاتهم المجتمعية ،وإقامة المشاريع الصناعيةِ والعمرانيةِ والخدميةِ العامة التي يحتاجها المواطن والوطن ،وتعزيز فرص العمل لكل الفئات والشرائح الاجتماعية دون أدنى تمييز. إنَّ اتجاهات الأمن والامان والاستقرار أو عدم الاستقرار في مجتمعاتنا العربية يتطلب العديد من المشاركات والإسهامات العملية والجادة في الفعل السياسي المتوازن للسلطات السياسية الحاكمة في المجتمعات العربية، وبناء السلطات العربية على الأسس العقلانية والديمقراطية والحرية والمشاركة السياسية والاجتماعية الفاعلة، واحترام إرادة المواطن العربي وحقّه في الحياة الإنسانية الحرَّة الكريمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى